https://al3omk.com/337928.html

لو كان عمر بن الخطاب حيا لكانت له صفحة على الفيسبوك

رغم اختلاف المواقف التي ووجه بها بيان التوفيق الذي يأمر فيه مندوبي الشؤون الإسلامية بإحصاء الأئمة والمرشدين الذين لهم حساب في الفيسبوك والتويتر أو ما يشبههما، ورغم الإبهام والغموض الذي يعتري الأهداف المعلنة حيث تعددت القراءات والفهوم للخلفيات التي كانت من وراء هذا البيان. إن ما يمكن أن يقال حول هذه المبادرة هو أنها تعمل على عزل الأئمة عن الواقع واقع الناس وواقع الشباب والحراك المجتمعي الذي يكتظ بالأفكار والأطروحات، كما يراد بها للأئمة أن يظلوا في منأى عما يدور في الأذهان، ويجول في الفكر، وبالتالي يبتعدوا كلية عن الحاضر والواقع فيجدون أنفسهم في منأى عن الأحداث والتحديات حتى يتسنى لهم صياغة خطاب في المريخ ليخاطبوا به أناسا يعيشون في الأرض.

لا يمكن الحديث عن فقه الدعوة التي يريد التوفيق للأئمة والمرشدين أن يمارسوها خارج فقه الواقع، ولقد صار العالم الافتراضي، شئنا أم أبينا، يمثل جزءا من الواقع، إذ أصبح يشكل أهم بؤرة تجتمع فيها أفكار الناس وتعبيراتهم عن كل ما يعتريهم من مشاكل ومعاناة وما يختلجهم من أماني وأحلام.

لقد صارت مواقع التواصل الاجتماعي تمثل أفضل ملاذ للتعبير والتواصل سواء تعلق الأمر بالشباب أو اليافعين أو حتى الأسر التي صارت تجتمع في العالم الافتراضي أكثر من اجتماعها في عالم الحقيقة.

إن العديد من العلماء يملكون صفحات على هذه المواقع ويتواصلون مع ملايين التلاميذ والطلبة على اعتبار أن هذه الوسائل تدخل في إطار تجديد آليات الدعوة ووسائل الخطاب، إن صفحة الشيخ الجليل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي يتابعها أزيد من مليوني ومائتي ألف متتبع من كل أقطار العالم، ينهلون منها من علم الشيخ وفتاواه ومداخلاته في القنوات الدولية وخطبه وكتبه وكتاباته، وصفحة الدكتور الجليل العلامة مصطفى بن حمزة التي يتابعها أزيد من ثمانين ألف متتبع يشاهدون من خلالها محاضراته القيمة ودروس التفسير وفتاواه المواكبة للعصر وردوده على أطروحات العلمانيين والحداثيين، وصفحة الشيخ الدكتور صلاح الدين الإدلبي التي تحتضن آلاف التلاميذ وطلبة العلم وتخاطب الصديق والعدو دفاعا عن الدين وعن الأئمة وآخر منشوراته أي منشورات هذا الشهر سلسلة سماها “من روائع البخاري” حيث يأتي الرجل بالحديث من الصحيح الجامع ويعالج سنده بالتحليل والدراسة ليخلص إلى ردود على شبهات قد تثار حوله، ومن يرجع إلى صفحة الشيخ يجد ردودا كثيرة وأسئلة فريدة في بابها يثيرها القراء والرواد والزوار في أدب جم وحوار رصين من شأنه أن يسهم في تصحيح المفاهيم وتغيير الأفكار حول الإمام البخاري وصحيحه، والرجل لا يتوانى يرد على كل سؤال ويتفاعل بشكل مثير مع أفكار الناس وما يطرحونه من وجهات نظر.

وصفحة الشيخ المغربي مصطفى البحياوي التي يتابعها أزيد من 70 ألف متتبع، وصفحة الشيخ المغربي سعيد الكملي التي يتابعها أزيد من 200 ألف متتبع، وصفحات وصفحات للعديد من العلماء والدعاة لا يكادون يحصون عددا، وذلك فقط لأن الدعوة إلى الله متفاعلة مع الواقع متحركة في دينامية فريدة من نوعها لا يحجبها شيء ولا يوقفها إلا ما حرمه الله ورسوله أو أجمعت على تحريمه الأمة. وبالتالي يمكن لنا أن نقول إن عمر بن الخطاب لو كان بين ظهرانينا لكانت له صفحة على الفيسبوك وأخرى على التويتر وربما كانت له قناة إذاعية ينشر من خلالها دين الله ويبين للناس ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وربما منح من بيت مال المسلمين لكل خطيب وإمام ومرشد حاسوبا وقسيمة اشتراك مجاني في شبكة الانترنيت حتى يواكب هؤلاء الدعاة مستجدات العصر ويتفاعلوا مع الشباب والناس فيتواجدون حيث تواجد الناس، فيكونون قريبين منهم ومن همومهم ومطلعين على كل ما يشوش أذهانهم من أفكار وأطروحات فيرشدوا ويوجهوا ويصححوا ويسهموا في نشر العلم الشرعي الذي في غيابه يبقى المجال مفتوحا لكل معتوه يرى الدين تخلفا والأخلاق نكوصا، والعربية وعاء مثقوبا لا يصلح لحمل العلوم واكتسابها.

إن السيد الوزير، مهما كانت نيته من خلال هذا البيان، عليه أن يثق في الأئمة والمرشدين والدعاة ويثق في المجالس العلمية كمؤسسات يشرف عليها علماء أكفاء يثق الناس فيهم وفي فتواهم، ويترك لهم أمر تدبير شأن هؤلاء والسهر على تكوينهم، وكل ما على السيد الوزير أن يهتم به هو كيف يرفع من رواتب هؤلاء الأئمة والمرشدين ويضمن لهم كامل حقوقهم كي يحبوا هذا الوطن ويعملوا على أن يكونوا سدا منيعا ضد كل تطرف، ورافعة أساسية للتنمية على رأسها تنمية العقول بالعلوم الشرعية وتنقية هذه العقول مما قد يعلق بها، حينها، من أفكار قد يكون مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك