https://al3omk.com/339840.html

حجابي لا يخيفني مقال رأي:

أجمل لحظات السعادة والانتشاء تلك التي نشعر فيها أن شيئا ما قد تغير إيجابا فينا أو حولنا، وتكبر سعادتنا حينما يكبر وعينا بقيمة ذلك التغيير وتأثيره في القادم من مراحل حياتنا، فما أتعس لحظات الشعور بخطورة التغيير السلبي حينما نستوعب أننا تحت تأثيره شئنا أم أبينا.

تحملني الذكريات في هذه اللحظاتإلى حقبة سالفة من مراحل العمر، حيث كانت مظاهر التدين لدى الأسرة عادة تتخللها أعراف وتقاليد لم تشد عن تلك المتعارف عليها لدى سائر الأسر المغربية، لكنه اكتسى لدى الجدة طابعا وطقوسا كنت أخالها خاصة. صلاة وصيام وقيام وذكر وسبحة مضيئة لا تفارق أناملهاالرشيقة المنضبطة. كانت تتعمد الوقف والأخفاءحين اقترب منها,لتترك لي مساحة سخاء عاطفي فتحملني بحنوها الغامر إلى عالمها السمح النقي. لم تكن كثيرة الكلام، لكنها كانت بليغة الحال. حالها يخبرني أنه لا شيء أسمى من طهارة القلب وصفاء الروح. اصطحبتني إلى المساجد حيثكان الصغار يطردون منها بلا ذنب يذكر, حتى يختلي الكبار بأنفسهم لتأدية صلاتهم في هدوء وطمأنينة. كنت أختفي بين ثنايا جلبابها والتزمصمت البكاء فتحتضنني يديها وتنتزعني منهما الأخرى، وكأن مساجد اللهللكبار لا للصغار.

لم افقد شهية التدين لأن جدتي كانت سندي القوي ونكهتي الخاصة، تسحب مني نفسي لتربط روحي بالله، تكشف عنه الحجب لتقنعني بسخاءه، تسمو بجوارحي نحوالطبيعةفتنقلني إلى حيث أنط وألهو,وأراه متجسدافي بديع صنعه وجمال آياته. كنت أراه في كل مكان،حتى خارج المسجد والجدران.

تسارعت الأيام، فاستعجل الموت كل الأحلام،وسجل بحبره الجاف ” حسن الخاتمةوطيب المقام “. فلم ينفصل ذهني عن ذكرى تلك المرأة الأمية التي قوت إيماني بحريتي ومسؤوليتي تجاه نفسي، وكانالي باعثينودافعين قويين على الاختيار، فاخترت التغيير الذي طال المظهر ليوافق الجوهر. ارتديت السترة ولم أتجاوز الثانية عشر ربيعا في زمن لم يكن فيهالزي المغربي عادة شعبية بين الصغار. ارتديت الحجاب حينما اقتنعت بهكأداة ردع الاهي عن الذنوب،ووقاية من السقوط في وحلالمهانة والابتدال،وحماية من أطماع مرضى القلوب.وحينما تبلور وعييبكرامتي كإنسانة لها ذوق فطري يسمو نحو التحرر والتطور

الفكري، في زمن كان يشكل ” فزاعة ” حماة أمن الدولة، ومصيبة تأرق مضجعالأمن المغربي الذي يخشى انتشاره في صفوف الشابات، فكان يجمع المعطيات لتطويقه من أجل احتواء المد الفكري للحركات الإسلامية، برؤيا وأهداف ووسائل واضحة.

لا أنكر أنهم كانوا على صواب فيما يتعلق بالدور الذي لعبته تلك الحركات في إنتشار الحجاب آنذاك، لكنهم أخطأوا التقدير حينما وثقوا بقدرتهم على تطويقه، وضيقوا فرصة الإصلاح والتغيير والبناء الفكري والأخلاقي الذي تنهجه تلك الحركات لإنقاذ شباب هذه الأمة وحفظه من الانهيار.

كنت من أوائل الذين هنأهم الأمن واستنطقهمللبحث في أسباب وخلفيات ارتداءه. ومع أنني لم أكن استوعب آنذاك سبب تخوفهم، حاورتهم بجرأة غير متوقعة،ورفضتعرض ممارسةالإخبار لكي لا أكون مطيتهم..وبطرافة طلبت منهم ارتداء الزي الرسمي للشرطة كبديل عن الحجاب وكشرطلمساعدتهم, فظهر انهم لم يكونوا مستعدين للمزاح,ومددوا أمد الاستجواب والمراقبةدون خبث ولا تضييق أوانتقام.

لم يكن يخيفني حجابي بقدر ما كان يخيفهم …فهو بالنسبة لي ستر ووقار وحرية وجمال حقيقي،وبالنسبة لهم رمز فكري للتغيير الذي كان يخشى النظام المغربي أن يفرض عليه. لكنهم كانوا مقتنعينبحكم هويتهم أنه يحقق الأمن الأخلاقي.

والآن وقد تغيرت الأحوال والوجوه والقيم، بدا هذا التغيير وكأنه نعمة باطنها نقمة. فحينما ارتفع منسوب الخبث وانتفت التربية والاحترام والشهامة والعزة والكرامة، لم تعد رسالةالحجاب ” أرفض التحرش ونظرة السوء ” واضحة كما في الزمن السابق.ولم يعد الحجاب يخيفهم,بل أصبح يعد من الحريات الشخصية. وانتفى ما اعتبروهرمزا لوعيفكري وصحوة دينية يخشون هيلمانها. فولى زمن الخوف وحل زمن الحريات والفرجة الممنهجة، حيث المضايقات والتحرش والتشهير وتلويث السمعة والتواطؤ والتحايل والتضليل والانتقام والملفات المفبركة والتهم الأخلاقية الثقيلة واستهداف الحياة الشخصيةوالمهنية … فلم يعد الأمر يتعلق بأمن الدولة وسلامةالمواطنينبقدر ما أصبح يتعلق بأمن الجيوب. وأضحى أمن المواطنين والمواطنات رهين بمدى سخاءهمالمادي أو الجسدي, مما لم يشهد له مثيل حتى في أحلك أيام سنوات الرصاص,لدى شردمة منهم لم تستوعب سمو وشرف وظيفتها.

وأصبح الحجاب في ظل عدم الارتباط بالله مطية ودريعة، أوتزمت وانغلاق، أو زينة وموضة، أو عادة شعبية كل يدمغه بطابعه الخاص. كما أضحى جهلا وتخلفا ورجعية لذا البعض. وحرج وضعف وأسمال بالية يجب التخلص منها لدى البعض الآخر. وانتفي في أعين مرضى القلوب فسرى عليه المثل القائل : ” كل مملوك مملول، وكل ممنوع متبوع ” .لكنه يبقى في ظل الارتباط برب العباد عادة وعبادة ومبدأ وقيمة والتزام وموقف لا يهتز، وان اختلفت أشكاله. فما عاد حجابي يخيفهم .. ولم يعد يخيفني، بقدر ما يخيفني الظلم والحكرة وخبث النفوس وتنمر العهد الجديد…

ان حجابي يذكرني بقيمة التغيير الإيجابيويربطني بمبدئي في الانسجام مع مواقفي والثبات عليها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك