https://al3omk.com/340734.html

مُتَقَاعِدُ الخَوَابِي !

في واقعةٍ حَمْقُلُوجِيّة حَدثَ أنّ رَجلا بَلغ سنّ التّقاعد بوظيفةٍ استَغرقَت الزّمن الكافي، لِكَي يُحشَى بأصنافٍ شتّى من الآثار السّلبيّة، انعكسَت على مُحيطه، عندما تحوّل فَجأة في عُقر داره إلى مُراقب يُمارس السّلطة على أسْرَتِه. لا تَفوتُه صغيرة ولا كبيرة، إلّا وَحَشَر أنفه فيها من شدّة الفراغ الذي خلّفه تجريدُه من مهامّه، ومغادرتُه لمسؤوليّةٍ، لَبثَ أمَداً من الدّهر يأمرُ ويَنهي بها مَرؤوسيه.

لم تستطع أسرة الرّجل التّعايش مع مستجدّات الوَضع، حينَما صار المتقاعدُ عِبئا ثَقيلا لا يُقاوَم، خصوصا مع تَقدّمِه في السّن وإضطراباته المزاجيّة المتواصلة بالموازاة مع طبيعة تحرّكات أفراد العائلة التي أضحى يُحصي أنفاسها صُعودا ونُزولا، إلى أن قرّرَ واحدٌ من أبنائِه وَضع حدّ لتداعيّات الأزمة ، فلجأ إلى حيلة تتلخّصُ في خلق فضاء يُساعد الأبَ على ممارسة ما تَعَوّد عليه في شُغله آنِفا.

كانت المدينة التي تقطن فيها العائلة شديدة الحرارة إلى شبه جافّة على مدار السّنة، وكان العطش سيّد الموقف سائدا بلا مُنازع في غالبيّة الشّهور، ولذلك اقترح الإبن على والده أن يملأ فراغه بالإشراف على خَوَابِي يَضعها على ناصيّة الدّرب رهن إشارة المارّة للإرتواء وإخماد الظّمأ، فيَنشغل بتزويدها بالماء كلّما أوْشكَ منسوبها على النّضوب وفَرغت، على أن يشارك عابري السّبيل أطرافَ الحديث، وبالتّالي يَنفعَ ويَنتفعَ بتزجيّة الوقت وتَمضيّته فيما يُفيد ونَيل الأجر عنه والثّواب.

هذا بالفِعل ما كان وجَرى، بل العجيب في البَلسم أنّ الرّجل تعافى، حين صار يأمر وينهي بالقول لهذا تعالى اشْرُب من هنا، وتحذير ذاك أن لا يقرَب من تلك، حتّى نال مُبتغاه، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة انسجاما وتأقلما.

بالنّهاية لم يَعُد المتقاعد مُزعجا بالنّظر إلى وضعيّته اللاحقة، مقارنة مع ما طرأ على نفسيّته من وَسوَسة، لَمّا لفظته الوظيفة، بَل وَجدَ ضالّتَهُ في روّاد الخَوَابِي بفضل وَلَدٍ بَارّ، لم تَغِب عنه الحيلة، حينما وظّفً بحكمةٍ ماءً وجُرعاتِ خَوفِ عَطاشَى لإنهاء صراع عَرضي !!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك