https://al3omk.com/340945.html

انسحبت مُبَكِّرًا من الفلسفة

“بتعاطي الفلسفة كما ينبغي، لا يفعل المرء غير طلب الموت” أفلاطون (1)

انسحبت مُبَكِّرًا من الفلسفة لذلك لم أشرب مما شرب منه سقراط.

لم أتجرع ولم أرتشف حتى لم أتذوق مما شرب منه سقراط، كي أضع حدا للذات المتفلسفة، لكن هزمتني وأخضعتني حتى قتلتني العادة والتعود والمحيط بي، واستسلمت للتقاليد، ورضخت للمألوف ولم أعد أتساءل أو للدقة أصبحت لا أفصح عن تساؤلاتي إلا لنفسي وعادة ما تكون موجهة إلى الداخل. أنا المتحدث بلا فلسفة، أعني بلا زاد معرفي وجهاز مفاهيمي فلسفي وترسانة من المناهج، وليس قصدي ما تقوله وتعنيه العامة ب”بلافلسفة” أي دون أن تتفلسف أو تتساءل أو حتى تسفسط.

منذ أن التقطتني الأيادي الملائكية ورأيت النور وسمعت الأصوات على سطح هذا الكوكب الحي، وأنا قادم من إقامتي الفردية الخاصة (رحم أمي) صرخت وأعدت الصراخ، ليس لأمر ذي علاقة بما هو بيولوجي، أو الحديث عن القطيعة الأنطولوجية الأولى أي النهاية الأولى والبداية الأخرى والانتقال من عالم الأجنة المنفرد والمريح والخاص إلى عالم الأرض المتعدد والمشترك والمثير، بل صرخت كتساؤلات عن هذا الكون العجيب، الهائل والمبهر الذي قدمت أو قل استقدموني إليه دون استشارتي أو حتى إخباري، مادام لم يكن بإمكاني الكتابة أو التحدث بأي لغة أو إشارات إلى من كان محيطا بي من أهلي كي يفهموا تساؤلاتي.

في كل صبايا كنت أصرخ وأبكي، لكن لا أحد استوعب معنى صراخي وبكائي، بل فقط كانوا يتسارعون لإرضائي وإسكاتي وذلك بتنظيفي أو إرضاعي أو بمد بعض لقيمات العيش إلى فمي أو بتوفير بعض اللعب أو بتحريكي كي أنام. لكن أنا لم أكن أبحث عن هذه الخدمات كلها، بل فقط كانت لي تساؤلات وأريد من يجيبني عنها. وحين تعلمت الحديث والكلام أصبحت أسأل في كل لحظة وفي كل مكان وعن كل شيء إلى درجة إزعاج المحيطين بي. هكذا تارة كانوا يجيبونني إجابات مقتضبة منها ما هو صحيح وما هو خطأ أو غير دقيق وغير مكتمل، منها ما هو واضح ومنها ما هو مبهم، وعادة لم يكونوا يجيبونني لسبب ما، إما ليست لهم إجابات عن تساؤلاتي أو بدعوى كونها من الأمور المحرمة أو الممنوع الحديث فيها أو حتى التساؤل عنها، وفي أحيان كثيرة كان التمويه وحتى الكذب أو الاستغفال هو المسعف لهم. هذا الأمر كان يحصل لي في البيت مع الأبوين أو الأهل أو في المدرسة مع المعلم، مع الأستاذ وكذلك مع أغلبية الزملاء في الحي أو الدراسة.

كل أنماط الأسئلة والتساؤلات استهلكتها وأنا طفل حتى المسماة “بليدة” أو “ساذجة”، كل الشكوك حامت حول كل ما هو محيط بي، بل حتى عن البعيد عني أو المفترض فيه أن يكون كذلك، حتى الله هذا الجلل، هذا المتربع على قائمة البديهيات والموجود خارج السؤال بالنسبة للكبار المحيطين بي، لم ينج هو الآخر من فرط تساؤلاتي وشكوكي. كان الكل يجهد نفسه من أجل الاعتراض على تساؤلاتي أو حتى إيقافها أو جعلها تافهة ودون أي معنى أو إفادة، بل اعتبارها مجرد نقاشات بيزنطية –دون حتى أن يعوا معنى هذه العبارة- ومضيعة للوقت خصوصا إن كانت كبيرة، أساسية، جوهرية ومقلقة وفي خانة المسكوت عنه أو اللامفكر فيه أو المحرّم أو المخيف حتى من الاقتراب منه. وبالإعادة والتكرار والاجترار وترك الوقت للوقت، بل حتى بأشكال من المنع التي كانت تصل إلى درجة العنف اللفظي كالمعاكسة والتسفيه والتهكم والازدراء. هكذا راحوا ينحتون في عقلي وذاكرتي أنه لا جدوى من تساؤلاتي وقد مرّ قبلي من تساءل وتفلسف ولم يجنوا في الأخير إلا السراب.

وفي كل مرة كنت أصادف من كان يضع حدودا وحواجز أو حتى نهاية لاستفهاماتي بتعابير من قبيل: “منذ الأزل وهم يسألون فماذا أضافوا ؟” أو “لماذا تتفلسف علينا” ؟ أو “خذ الأمور ببساطة ودون فلسفة” فحتى في أحد الإشهارات المتلفزة التي كانت الممثلة المسرحية المقتدرة ثريا جبران متورطة فيها هي الأخرى إذ كانت تردد على مسامعنا: “قُلْ سَدْ البوطة أُبْلا فلسفة” ، أو ترديد جمل أتتنا من محيط بعض الفقهاء، كالقول: “الفلسفة تؤدي إلى الزندقة والشرك والكفر”، أو إطلاقهم لعبارات: “لقد أكثرت علينا من أسئلتك”، أو “قل ما يقوله الآخرون دون أن تُصَدِّعْ رأسك” أو “لماذا تختلف ولا تأتلف” أو “الشاة التي تخرج عن القطيع يفترسها الذئب” أو “دِيرْ كِيمّا دَارْ جارَكْ ولّا حَوَّلْ باب دارك” أو “الموت بين عشرة نْزاهة” أو “لا يخرج عن الجماعة إلا الشيطان” أو “دِيرْ راسَكْ بين الرّيُوسْ أُعَيَّطْ يا قَطّاعْ الرّيُوسْ” أو “راحت الفراشة لتبحث عن الحقيقة فلم تعد”.

سأحكي هذه القصة القصيرة ربما هناك الكثير ممن لم يسمعوا أو يقرؤوا عنها قط: “ذات يوم في مملكة الفراشات ظهر نور قادم من بعيد فانتشر الخبر بين الفراشات فأخبر الملك بذلك فدعى إلى جمع عام وهكذا لب الجميع الدعوة وعقد الجمع تحت شرف ملك الفراشات وكانت النقطة الوحيدة المدرجة في جدول الأعمال هي معرفة مصدر ذلك النور الذي يأتيهم من بعيد، هل هو من شمس أو كهرباء أو نار؟ وبعد نقاشات مستفيضة ومطولة واستعراض جميع الآراء لم يتوصلوا إلى أي حقيقة مقنعة للجميع، فقام الملك وخطب في الجمع وقال من منكم يتطوع ويذهب ليأتينا بالحقيقة ؟ فتشجعت وتطوعت إحدى الفراشات وراحت في اتجاه النور القادم من بعيد مقتفية أثره وبقي الآخرون بما فيهم الملك في انتظارها وهكذا وبعد أن مر وقت طويل ولم تعد الفراشة، قام الملك وقال: “تلك الفراشة لم تعد لأنها علمت الحقيقة ولتفضوا هذا الجمع”. أو “تفلسف الحمار فمات”.

بالمناسبة سأحكي هذه القصة القصيرة: “حكي على لسان حمار أو ما بدواخله –لا أدري من هو هذا الشخص الذي اقتحم وولج إلى ضمير هذا الحيوان المسالم والخدوم والصامت كي يحبك ويفصح عما يروج بداخله هو وليس ما بداخل الحمار- ذات صباح لما استيقظ الحمار من نومه وقبل أن يتناول أي علف قال متسائلا: ” ماذا إذا امتنعت عن الأكل هذا اليوم كله” ؟ هكذا تشجع وصام ذلك اليوم كاملا، وفي الغد وضع نفس السؤال: “ماذا سيقع لي إن أضفت اليوم الثاني للأول وأنا صائم” ؟ وهكذا فعل استمر لليوم الثاني دون أكل، وفي اليوم الثالث قال متسائلا: “ما دمت أمسكت عن الأكل ليومين لماذا لا أضيف اليوم الثالث” ؟ وهكذا فعل، وفي اليوم الرابع على التوالي كان نفس السؤال: “بعد أن صمت ثلاثة أيام متتالية دون أدنى ضرر إذن ماذا سيقع إن أضفت اليوم الرابع”؟ وهكذا استمر في أسئلته يوما بعد يوم مع نفس الفعل أي الامتناع عن الأكل صباح مساء، هكذا مرت الأيام وهو على حاله مع سؤاله ودون أكل إلى أن هزل وضعف ومرض فمات جوعا”.

أتذكر ذات يوم وأنا طفل وقبل أن تقتلني العادة، سألت أمي: “هل الحمل حتى هو يسأل أمه (الشاة)؟ وما نوع أسئلته ؟ وهل تجيبه ؟ وكيف تجيبه ؟” فضحكت أمي كثيرا وقالت لي: “لقد أنهيت جميع أسئلتك عن الدنيا وعن الله ولم يبقى لك إلا أن تمر بأسئلتك إلى البهائم ؟”. ولكثرة تساؤلاتي، ذات لحظة وأنا تائه في ذاتي، وعندها كانت العادة والمألوف يقتحمانني وينخرانني، سألني التساؤل:” لماذا تطرحني في كل لحظة وفي كل مكان، هل أثقل عليك ؟ هل أقلقك ؟ لماذا تكثر مني ؟ دعني شيء ما للآخرين كي أستريح منك وتستريح مني “.

لم تكن لي من الشجاعة الكافية ومن طول النفس ما يجعلني أشق طريقي لوحدي وأواصل، هكذا انكمشت على ذاتي والتفت إلى دواخلي ولم أعد أرى إلا أياها، بعد أن بنيت الجدار وأقفلت الأبواب والنوافذ وغضضت الطرف عن عالم غريب، عجيب ومثير وأصبحت لا أطل إلا من كوّة.

قدمت إلى هذا العالم وأنا أصرخ، ليس من وجع ما، بل من فرط تساؤلاتي ومن أجل ملء فراغات أتيت بها معي، إذ لم يكن لتواجدي من معنى دون إشباعها. وها أنا أغادر وأنا أئن ليس من فرط الأوجاع البيولوجية العضوية أو المرض والعجز، بل ألما لكوني بعد أن مكثت ما تيسر من الزمن والسنين في هذا العالم المبهر، لم أجد إجابات لتساؤلاتي التي طرحتها مع قدومي وبدايتي ولم أملأ الفراغات التي استقدمتها معي، بل أضفت وأثقلت نفسي بأطياف من التساؤلات. لقد قدمت متسائلا وها أنا سأغادر متسائلا. وبين مسافة القدوم والرحيل، البداية والنهاية، كان السؤال والكتمان ثم الإصغاء فالسكوت والصمت والسكون الأبدي.

(1) نقلا عن كتاب “الدين والامبراطورية في تنوير الإنسان الأخير” للمفكر التونسي فتحي المسكيني على هامش الصفحة 204 الطبعة الثانية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك