https://al3omk.com/356613.html

“سوس” والدولة: أي فهم لميلاد حراك سوس ؟

لقد مست شرارة الاحتجاج جل مناطق المملكة، ما عدا جهتي سوس والحوز. هكذا، قبل أسبوعين، أردف أستاذ جامعي في حجرة الدراسة بكلية الآداب بالرباط؛ أستاذ انصهرت اهتماماته في دراسة الفعل الاحتجاجي بالمغرب، أستاذ السوسيولوجيا؛ العلم الذي قال عنه بورديو ” إنه علم مزعج”. يبدو أن الأستاذ يوحي إلى أن المتتبع لقطار الاحتجاج بالمغرب لم يتوقف في محطة سوس، ويعتري الجميع شعور أن “السوسي” نجا من عواقب التحولات الطارئة مؤخرا. ليس الغريب أن أستاذي المحترم يتجاهل الملف الاحتجاجي، بل أن يتجاهله البعض من “السوسيين” أنفسهم. وتفاعلا مع الاستاذ، إن السؤال الذي يتردد على الذهن مرارا وتكرارا هو ؛ هل آل سوس نجوا من العدو الحقيقي للمجتمعات الإنسانية وإلى إي حد يمكن تحديد الملامح الكبرى لهذا العدو؟

تجدر الإشارة أولا أن حصة مهمة من “آل سوس” اتخذوا تاريخيا “أدرار” (الجبل) مسكنا لهم، لأنه يحميهم من العدو ويوفر لهم ظروف مواتية للاستقرار والأمن أولا. ولمقاومة الغزو والاستعمار في المرتبة الثانية، بمختلف تلويناته من بيزنطيين وفينيقيين ووندال وإمبراطورية الرومان وصولا إلى العرب أمويين وعثمانيين. إن السكن في الجبال بصرف النظر عن هاته المبررات؛ كان الهدف منه أيضا مقاومة الاستعمار الأوروبي الحديث، ناهيك عن مقاومة تسلط السلاطين الناهبين لثروات السهول (أزغار). ومع الصراع المباشر الذي نشأ بين مجتمعات الجبل والمخزن نشأ صراع رمزي ترتب عنه نعت بلاد الجبل ب” بلاد السيبة”. فالبحث عن الهناء دفع “السوسيين” إلى تشييد بيوتهم على سفوح الجبال شديدة الانحدار، وسكنوا أراضي جرداء مقفرة، وتكيفوا مع تضاريسها بفضل قوة نظامهم التضامني والتعاوني (تيوزي) حتى صارت أرضا مزهرة، واستطاعوا تطويع الظروف الطبيعية الصعبة لمتطلبات الحياة. فالأرض كما أكد الإرث السوسيولوجي الكولونيالي جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية ب”أدرار”.

إلى هنا لم تتضح لنا معالم العدو بعد. لكن مع بناء الدولة الحديثة في الثمانيات، شاع خطاب التنمية مع الأوراش الكبرى التي باشرتها؛ من برامج تنموية وسياسات اللامركزية، قادرة على تحقيق التوازن بين الجبال والسهول -القرى والمدن-، وتحطيم الفروق بين المغرب النافع والمغرب غير النافع… ويا ترى، هل من رهان تنموي حقيقي في ظل دولة تابعة للمؤسسات المالية الدولية، وفي وقت أصبحت فيه العولمة مرجعا أساسيا لكل دينامية، بل لكل فعل؟

إنها الأسئلة الأكثر التهابا في مقاربات التنمية سواء في القرى أو الحواضر، والأكثر إرباكا للسياسيين ودعاة الديمقراطية التشاركية. ففي الوقت الذي ينتظر فيه السوسي نصيبه من التنمية والتغيير، يتفاجأ بقرار التحديد الغابوي الذي أطلقته وزارة المياه والغابات بأوامر مباشرة من الرباط، بالإضافة إلى التوافد الكثيف للرعاة الرحل وبروز ظواهر غير مألوفة صادرة عن بعض الرعاة تتجلى في الاعتداء على ممتلكات الساكنة المحلية وعلى المغروسات الفلاحية وخاصة الصبار و الأركان… وفي سنة 2015 أصدرت الحكومة مشروع قانون المراعي 13.133 لتدبير مستدام للموارد الرعوية وتسوية النزاعات المتعلقة بالنشاط الرعوي، ثم توطين محميات رعوية على أراضي الخواص، وأراضي الجموع، وأملاك غابوية…وهنا يندلق سؤال آخر؛ هل هاته الترسانة القانونية في مصلحة الكائن “السوسي” وفعلا تروم تحقيق تنمية فعلية له ولمحيطه، إذا كان ذاك هو المبتغى والرهان حقا، فكيف يمكن تفسير فشل البرامج التنموية السالفة، كمخطط المغرب الأخضر كأبهى مثال؟ بعيدا عن كل تلك الإجراءات القانونية، وعلى سبيل المجازفة العلمية، إلى أي حد يحق لنا أن نقول، بأن كل تلك التدابير ما هي في الأصل سوى جسور للاستيلاء على ثروة “السوسيين” بغرض إخضاعها وإدماجها في منطق السوق وفق تصور نيوليبرالي صرف؟

إن افتراضنا أن أراضي السوسي ستصبح يوما ما فرصة جديدة لتراكم الأرباح، واعتبارها سلعة قائمة على الإنتاجية والربحية عبر تخويلها لمستثمرين رأسماليين، ليس أمرا مستبعدا في الوقت الذي يشهد فيه الاستثمار الرعوي وسوق المواشي نموا بفضل ارتفاع نسبة استهلاك اللحوم، سيما الموارد الطبيعية التي تتحلى بها. في زمن قال عنه محمد بوجنال؛ “أن النظام الرأسمالي الحالي غير منطق الحياة من خدمة الإنسانية جمعاء إلى منطق يقدس ارتفاع الفوائد وفائض القيمة والتراكم الرأسمالي”. بذلك فالاستثمار الرعوي لا تهمه حقوق “السوسي”، بقدر ما يسعى لتحقيق الأرباح في أسرع وقت وبأقل التكاليف. بهذا المنطق، فهل نحن أمام الليبرالية الجديدة التي قال عنها ديفيد هارفي؛ سياسة فوق جميع الاستراتيجيات المحلية؛ تسعى لتمديد نفوذ الاستثمار الرأسمالي على حساب المواطنين، عن طريق تسخير الأجهزة القانونية والمؤسساتية والأشكال التنظيمية لفائدة القطاع الخاص؟ وكيف إذن، طُعِن السوسي بالبنود القانونية؟

فبيت القصيد هنا يتعلق بالمرسوم رقم 2.97.922 الصادر سنة 1997، القاضي بتحديد منطقة “إغير ملولن” حوالي 14800 هكتار، إقليم تزنيت، تابعة للغابة المخزنية. وتبعه مرسوم 2.02.649 الصادر سنة 2002 المتعلق بالمصادقة على تحديد قسم “إغير ملولن” ملك غابوي ذو رسم عقاري. على أساس أن حق الانتفاع متاح للساكنة، فكما جاء في المرسوم:” تقتصر حقوق الانتفاع المباشر للسكان على رعي المواشي وجمع الحطب اليابس وجني الثمور واستعمال الأرض وقطع حطب التدفئة والتفحيم وحطب المصلحة واستخراج التربة والرمال و الاحجار”.

ما نستشفه من محتوى هذين المرسومين هو أن الأراضي الغابوية ملكيا انتسبت لوزارة للمياه والغابات، لكن انتفاعيا، للساكنة المحلية.

بيد أن الأخطر في هذه الخطوة هو أن هذه الفترة لم تطلق الدولة عنان التحفيظ العقاري في المنطقة بعد، بل تعمدت تأخيرها حتى ترسم حدودها أولا أمام رضى الساكنة. واتضح ذلك بشكل واضح مع بداية سنة 2016 مع انطلاق عملية التحفيظ العقاري، حيث لم يعد للساكنة حق تحفيظ ممتلكاتهم، لأنها قانونيا باسم الأملاك الغابوية منذ سنة 2002. ما اعتبره البعض نزع الملكية بطريقة قانونية. إلى حدود هذه الاسطر فالدولة حسمت مع الساكنة في جانب الملكية، لكن هل لازال لها الحق في الانتفاع بما تجود به هذه الأرض؟ وهل لازالت الدولة على عهدها، وتضمن وتكفل لها (الساكنة) حق الانتفاع هذا؟ ولماذا لم تلجأ الدولة إلى عملية التحفيظ العقاري منذ البداية حتى تتمكن الساكنة من تحفيظ ممتلكاتها، وبعدها تجري عملية التحديد الغابوي؟

لقد أصدرت الحكومة المغربية سنة 2012 مرسوم رقم 2.12.24 يقضي بضم مساحة تقدر ب 10521 هكتار الواقعة بإقليم شتوكة أيت باها للملك الغابوي. والجديد في هذا المرسوم عن سابقيه، كما جاء فيه هو: ” وضع حدود ثابتة وواضحة بين الملك الغابوي وأراضي الخواص من أجل تطهيرها وفض أي نزاع محتمل بين الادارة والساكنة المجاورة للغابات”.

وفي هذا دليل واضح على نزع الملكية بارتداء ثوب القانون في حيز زمني لا يتعدى ستة اشهر من تاريخ إيداع محضر التحديد ، وخارج المنطق التشاركي بين مختلف الأطراف المتداخلة.

وفي سنة 2015، لم تتردد الحكومة في إنهاء اللعبة مع الساكنة، عبر التستر وراء الجهاز القانوني دائما، وإعلان تخويل الأراضي الغابوية للخواص. يتعلق الأمر بقانون المراعي 113.13 المتعلق بالترحال وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية. فكما جاء في المادة 10من القانون، رغم ما يكتنفه من ضبابية وعدم دقة، “يمكن إحداث المحميات المنصوص عليها على أراضي الجموع أو أملاك الدولة أو أراضي الخواص”، والسؤال ماذا يقصد بالضبط ب “أملاك الدولة”؟ لا داعي للتعقيد، فالمادة 25 جاءت لرفع الحجاب عن هذا الغموض، إذ جاء بالحرف:” يمكن لمالكي القطعان المرحلة، وحدهم دون غيرهم، المتوفرين على ترخيص الترحال الرعوي نقل او العمل على نقل قطعانهم داخل المجالات الرعوية والمراعي الغابوية”. بهذا؛ نعتقد أن الدولة أعلنت فتح مجلس العزاء “للسوسي” على ممتلكاته. ليس فقط عند هذا الحد، بل جاء في المادة 40 : “غرامة مالية مابين 5000 درهم و 20000 درهم لكل من: – يكسر أنصاب، ومعالم، وعلامات وسياج مرعى غابوي…، كل من يعرقل حرية تنقل القطيع، لاسيما عن طريق وضع عراقيل تعيق تنقله…” . إذن لمن يتم إعداد وتهيئة المجالات الرعوية؟ ولصالح من تكبدت الدولة عناء نزع أراضي “السوسيين”؟

إن ما نلمسه بشكل واضح في الجانب التشريعي للقوانين المتعلقة بالتحديد الغابوي بسوس هو، التفويت الغير المباشر لأراضي الساكنة المحلية لمستثمرين أجانب -الرعاة الرحل- عبر توطينهم في محميات رعوية. فمنذ البداية لم تتسرع الدولة في الكشر عن أنيابها، ورغبتها العلانية في نزع المكلية وإحكام السيطرة المباشرة على ذاك المجال الترابي، وإنما قامت بذلك من خلال استراتيجية ذكية لم تكشف حقيقتها منذ البدء بل على المدى البعيد، ربما تفاديا لكل أشكال الاصطدام مع الساكنة.

إن الدولة لم تقف عند حد النهب والتجريد، بل بادرت لتبارك “للسوسي” مشروع المراعي كأنه يلوح بمنديل التهميش والإقصاء ويدشن زمن التنمية وتحسين ظروف عيش ساكنة المجالات الرعوية، عبر التنظيم السنوي للمهرجان الوطني للمراعي بتزنيت، وما رافقه من أنشطة أخرى كالسهرات الفنية والندوات والمعارض… تحت شعار “القانون الرعوي في خدمة التنمية المستدامة”، وذلك بدعم من الخواص. رُفقة شغف الاستشكال دائما، لماذا يتم تنظيم هذا المهرجان الوطني بالضبط في مدينة تزنيت، علما أن مراسيم التحديد الغابوي همت أقاليم كخنيفرة وإقليم بولمان؟

إنه تعظيم وراء تحقير…، فأراضي “السوسي” في مهب الأمواج وليس معنيا بغرقها ذاك “التزنيتي” الذي لم يستعد عافيته جراء صاعقة السهرات الفنية، و لا ذاك “السياسي” الذي لا يرى في السياسة الا مطية لبلوغ الربح المادي والرمزي، و لكون أزمة المجتمع والدولة تجد أساسها في محترفي السياسة كما وضح ذلك ماكس فيبر، يحاول بعض السياسيين إخفاء حقيقة أن قانون المراعي أبطل بشكل ضمني حق الانتفاع “للسوسي” في ممتلكاته عبر تغليف مشروع المراعي بصورة الاستجابة لحاجيات السكان، لكن ما لا يمكن حجبه هو بريق الريال القطري، فمن القائمين على تمويل برنامج تنمية المراعي هي دولة قطر، بقيمة 97 مليون درهم. وبالتالي لا يمكن أن نفصل المشروع عن منطق السوق والاستثمار الخاص. في هذا الصدد يقول دافيد هارفي: “إن الرأسمال صار يغزو المجالات العالمية، ولتوطيد ذاته يحتاج الى رأسمال خاص هو الدعم السياسي من الدولة للدفاع عن مصالحه”.

وبهذا يعتبر مشروع المراعي مثالا صارخا على تمركز أجهزة الدولة القانونية في موقع خاص بالتنمية لتعزيز شكل من أشكال رأس المال. مما سيعيد تقسيم المجال “السوسي” بين مجال تم تفضيله لخدمة الرعاة الرحل والأجانب والمستثمرين، وذاك المواطن “السوسي” العادي الذي سيكون غائبا عن هذا المكان أو هو في أحسن الاحوال سيكون غير مرئي فيه، و هو يؤدي إحدى الوظائف كالحراسة أو الرعي…و تعود أطروحة الفلاح المدافع عن العرش لريمي لوفو بهذا المنطق. فما الفرق بين استعمار الأمس وما رافقه من أشكال الغزو والاستنزاف واستعمار اليوم؟ يجيبنا “جاك أتالي” أن لا تغير ملموس سوى الانتقال على مستوى الاليات، من التدخل عبر الاليات العسكرية الى التدخل بواسطة الاليات القانونية.

في ظل هذه الأوضاع، من الطبيعي أن ينتفض “السوسي” ضد قرارات تقفز على المعطيات التاريخية والجغرافية. فقضية الأرض شكلت ولازالت خط أحمر عند الذات “السوسية”، هذه الذات التي دائما ما تميل إلى السلم، حتى في أعتى الحروب. ثقافة سوس مبنية على منهج “أغارس أغاراس” في التعامل، والرفض التام للخضوع، لذلك تراه دائماً يتسلح من أجل الأرض، يقاوم من أجلها: الأرض التي تعني التمتع بالحياة والحرية والكرامة، في رقعة جغرافية وعرة التضاريس، جعل منها رمزا للعطاء والحب. ورغم نزوح الكثير منهم إلى المدن، لم يسقط الارتباط الهوياتي “للسوسيين” مع أرضهم، منها يستمدون الفخر والاعتزاز، حيث تتزاحم الذكريات…، فكما قال أحد المتضررين من هاته السياسة، والذي يقطن بالدار البيضاء كتاجر كبير، أن يجد راحته وفخره ولا يحس بالانتماء إلا في أرضه، “فمهما راكمت من ثروات في الدار البيضاء وأمضيت فيها سنوات طوال لا أزال غريبا عن هاته المدينة كما يتلفظ بذلك أهلها دائما بالقول لي “الشلح”، وأردف وهو في حالة انفعال “تمازيرت نيان أوكان” (في نهاية المطاف القرية الأصلية تعني كل شيء)”.

إن احتجاجات “السوسيين” الأخيرة في مدن المركز (الرباط والدار البيضاء)، في حد ذاتها تعبير عن فشل دولة الجهات بالمغرب يعبر عنه فشل كل أشكال الحوار مع المسؤولين المحليين منذ سنة 2012 ليسقط معها خطاب اللامركزية. ستمثل مما لا شك فيه منعطفاً في تاريخ الصراع المرير من أجل الإرث النفيس في دولة محكومة، دولة المركز، دولة التحكم الطبقي، دولة في طاعة عمياء لأوامر السوق وتتجاهل مطالب شعبها.

إلى هنا يكفي أن نتساءل عن الفرق بين احتجاجات سوس والريف وزاكورة…؟ وسنجيب بأن لا فرق بينها، فمن قزم الحقوق الاجتماعية (الجامعة، الشغل، الصحة) للريفيين لصالح القطاع الخاص، هو من منح الثروة المائية بزاكورة لصالح المستثمرين في الفلاحة (الدلاح خصوصا)، هو نفسه من نزع أراضي “السوسيين” لصالح الاستثمار الرعوي (الرعاة الرحل). إنها السياسة النيوليبرالية التي تفضل الربح ونسبة الفائدة على كل الحقوق الأخرى وترسم طريقها بالأدوات القانونية. إنه الاستعمار الجديد بتعبير “أندي ميريفلد”. عدو الريفي وعدو الزاكوري وعدو السوسي… إنه العدو لكل المجتمعات الإنسانية.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك