https://al3omk.com/357567.html

إبقاء شعلة الأمل ضرورة مجتمعية استراتيجية مقال رأي

في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 21 نونبر 2018، الذي صادف، في رمزية بالغة، يوم تخليد ذكرى المولد النبوي الشريف، أطلق بنجاح ثاني قمر صناعي تابع للمملكة المغربية. وقبل ذلك بأيام قليلة، انطلقت أول رحلة للقطار فائق السرعة من طنجة إلى الرباط، وعلى متنه جلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي تعتبر بلاده شريكا أساسيا للمغرب في هذا المشروع الأول من نوعه عربيا وإفريقيا.

وإذا كان لي أن أحتفظ بخلاصة واحدة، من بين خلاصات عديدة بدت لي بقوة بشأن دلالات هاذين الحدثين، فبدون تردد سأقول أن الإشارة بالغة في أن الإرادة السياسية الكبرى في المغرب تعزز التأكيد على توجيهاتها التي ما فتئت تدعو كل الفاعلين للمساهمة، بنفس وطني صادق، في أن تمر البلاد إلى سرعة فائقة في تدبير الشأن العام، لمواجهة تحديات المرحلة وتجاوز ما تراكم من عجز وسلبيات بدأت تؤثر بجلاء في الأداء العام لعدد من المرافق الأساسية، وتعيق التنافسية الاقتصادية للمغرب في ظرف دولي مضطرب ومعقد.

لكن، في خضم الصخب المتعالي في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تحلو “الدردشة والانتقاد والحديث في كل شيء وعن كل شيء”، لم تحصل لدي القناعة بأنه تم، بالدقة اللازمة، استيعاب حقيقة معاني ودلالات ما حصل، بالنسبة لبلادنا، بالنظر لطبيعة المحيط الجهوي المضطرب والمحيط الدولي معقد الأبعاد والتجاذبات والاصطفافات. ولست متأكدا من أن الجميع تفاعل بما تستحقه اللحظة الاستثنائية، سواء في موضوع القطار فائق السرعة، أو عندما كانت عيون المهندسين والخبراء، داخل غرفة العمليات الخاصة بتدبير إطلاق القمر الصناعي المغربي، بجزيرة كويانا الفرنسية، مشدودة للصور الحية للصاروخ الحامل للقمر المغربي وهو يستعد للإقلاع، وحرارة تصفيقاتهم وفرحهم وهم يستمعون لصوت عذب يعلق على المشهد، ويخبر أنه قد “تم الآن بنجاح إطلاق القمر الصناعي المغربي محمد السادس!”.

بصدق، يتسرب إلى نفسي أحيانا، شك في أننا نركز بالقدر الكافي في معاني إنجازات كبرى، في لحظات استثنائية ومتميزة، لا تتكرر في حياة الدول والشعوب إلا قليلا، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بلدنا ليس ضمن العشرين اقتصاديات الأولى في العالم، ولا نحن أنهينا كل أوراش محاربة العجز في عدة مجالات، و لا أتممنا القضاء على مظاهر الفقر والتخلف، ولا نحن محسوبون على لائحة “الدولة المتقدمة والغنية”، ولا نحن نسجل نسبة نمو تعزز التنمية الشاملة وتوسع دائرة الغنى لتشمل الساكنة وتقوي إمكانيات وميزانية الدولة. وبالتالي، فإن خاصية واقعنا هي أن هامش الحركة ضيق للغاية، والإكراهات عديدة، ورغم ذلك تتبلور، بقيادة حكيمة، إرادة سياسية استراتيجية تجعل البلد يتحرك بشكل هادف وشجاع، على مستويات مختلفة، و بحرص سيادي مسؤول وغيور. وبالتالي، من المشروع أن تمتزج في دواخلنا أحاسيس قوية بالفخر ونحن نكتشف أن بلادنا ترفع التحدي كلما توفرت الإرادة والعزم والتدبير الاستراتيجي.

وبعيدا عن مجال السبق التكنولوجي، تابعنا قبل أسابيع قليلة، على شاشات القنوات العربية الإخبارية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تألق مريم أمجون، الطفلة ذات التسع سنوات، في دبي، وهي تفتخر بشرف الإنتماء إلى وطنها المغرب. ولا شك أن من رأى دموع الفرح تنهمر من عيني مريم، تأثر واشتعلت فيه أحاسيس جميلة وهو ينظر إلى ذلك الشموخ والإباء في ملامح وجه الفتاة، بهامة منتصبة، حفظها الله من كل شر.

شخصيا، وجدت نفسي في حالة خاصة، وشعرت ولا شك كما شعر آخرون، بشديد الاحترام والامتنان لوالديها، الفاضلين السيدة عايدة و الأخ لحسن أمجون، ولكل أساتذة مريم، الذين أحسبهم، رغم وطأة الإكراهات المادية والمعنوية، مناضلين في حجرات المدرسة العمومية المغربية، يواكبون مريم وزملائها من أجل ألا تخبو جذوة الأمل في مستقبل مشرق لهم جميعا، ضدا على إرادات كثيرة لم يأت أصحابها بالرحمة المأمولة ولا هم يريدون لرحمة الرحمان أن تنزل علينا.

ويبقى أكثر ما هز وجداني هو تلك الجملة العقوبة الصادقة الرائعة التي صدرت عن مريم، عندما سئلت عن بلدها، حيث قالت: “بلدي قطعة من الجنة”…!

كم كانت هذه الجملة مباغثة إلى حد كبير، لأنها حملت، في آن واحد، قوة في مضمونها، و قوة في تميزها ضمن تجليات سياقها الزمني.

أما المضمون فمعناه واضح لا يحتاج شرحا، وقوي لا مجال للتفصيل فيه ولا لإبراز رمزية حمولته. وأما قوة الجملة في السياق الزمني، هي أنها عكست ما يمكن الجزم أنه على النقيض مع ما أصبحنا نلامسه بقوة غريبة ومتزايدة، خلال الخمس أو ست سنوات الماضية على الأقل، من غرق شبه جماعي في كم هائل، وغير مسبوق، من القلق وانعدام الثقة واليأس، والتبخيس و العدمية الزاحفة، والكآبة المتجلية من كل شيء وفي كل شيء. وكأني بالجميع يرددون، بشأن ما يجري حولنا وما يدور بيننا، قول شخوص قصيدة درويشية شهيرة: “… وأنا أيضا لا شيء يعجبني…!” .

الجميل في إطلالة مريم، ولو بأثر بسيط أتمنى ألا ينقضي بعد أسابيع، أنها جاءت لتنهرنا بقوة وكأنها تريد أن تقول لنا جميعا: “بلدي المغرب يعجبني، و لا أرى إلا أنه قطعة من الجنة. وأنا هنا بينكم لا زلت أبتسم. وأنا هنا بينكم أصبر وأثابر وأبدع وأداعب الكلمات بتمكن شديد، وأستحق وقوف احترام وتصفيقات إعجاب!”. وحالة مريم ليست فريدة ولا معزولة، فرغم أن حالاتهم لا تخضع دائما للتغطية الإعلامية اللازمة، ضمن سياق غير محفز ولا مهتم، هنالك شباب مغاربة، ونساء ورجال كثيرون، يحققون نجاحات، داخل الوطن وخارجه، في الشركات وفي الإدارات وفي الكليات وفي المعاهد، في الحواضر الكبرى وفي البوادي المعزولة، في فروع الهيئات السياسية والمنظمات و الجمعيات المدنية، في الثقافة والاقتصاد والابتكار والرياضة والإدماج الاجتماعي والتضامن. ولكن، رغم ذلك يبقى الغالب علينا هو إحساس مجتمعي بالقلق والتذمر الشائع على نطاق واسع بين فئات متنوعة، سواء منا المحظوظون أو غير المحظوظين في هذه الدنيا بمقاييسها المادية. فبينما تثبت، كل يوم، نساء من المغرب، كما يثبت شباب ورجال، أنهم قادرون على تحقيق ذواتهم بذواتهم، بنضالية حقيقية وبمعزل عن السياسات العمومية التي نتخبط في ضبابيتها وفي ضعفها، نرى أن الناس صاروا أقرب ما يكونوا للاقتناع خطأ، وظلما للذات الفردية والجماعية، أن النجاح و التفوق ربما أصبحا حكرا على غيرنا من الشعوب، كما لو أننا أصبحنا و نخبنا، عاجزين على العطاء والإبداع والتميز، وإنتاج شيء ذي بال غير شعبوية تافهة، وخطابات تجتر كلاما متكلس لا يقنع أحدا، ولا يأتي حديث المجامع إلا على حالات تستدعي الأسى والأسف والتذمر. وكأني أستشعر سعي “جبهة ما” لتنتشر بيننا الإحباط وتغرقنا في تبعاته، فيستفرد بنا المستفردون ونحن شاردون هائمون و مزعزة ثقتنا في أنفسنا، ويهنئوا بعد ذلك بالغنائم والمواقع التي يحتلون هنا وهناك، بقليل استحقاق و كثير من ضعف الكفاءة ومن الزبونية ومن الاعتماد على الولاءات السياسوية الضيقة، عوض التركيز على معيار الإنتماء للوطن والولاء له أولا و الكفاءة قبل كل شيء.

هنالك أمثلة كثيرة ومتنوعة تحيل إلى تميز شعبنا وذكاء أبناءه، ولكننا لا نسمع ولا نقرأ عنها بالقدر الكافي في الإعلام، بتبرير أنها “مادة عادية” يصعب “تسويقها إعلاميا”، في زمن أصبح “الخبر” سلعة تدر دخلا، ولم تعد للخبر الهادف والصادق قدسيته ومكانته في وجدان الناس بنفس تلك الحمولة التي كانت له في أزمنة سابقة. مع كامل الأسف، صرنا نعيش تحت سطوتين، إما ظاهرة الأخبار المختلقة والزائفة (Fake news)، أو منطق الإعلام المبني على “تقنيات التسويق” والإثارة والسعي لإحداث ما يسميه أصحابه “البوز Buzz”، من خلال مخاطبة الحواس والرغبات أكثر من مخاطبة العقل والأفكار والقيم ومنطق التحليل المتزن، والمساهمة بالتالي في بناء الذات المجتمعية.

وجلي أن وطئة معادلة بثنائية على درجة كبيرة من الخطورة، تجعل الأثر المجتمعي بالغا :

– أولا: ارتباك في التدبير وضعف السياسات العمومية في التعليم والصحة والثقافة والشباب والإعلام والإدماج الاجتماعي وتشجيع الاستثمار….إلخ.

– ثانيا: شيوع منطق غير صحي، في وسائط إعلامية عديدة، يعلي شأن بعض المتهافتين و يركز على بعض “أصحاب رأي” أكثر من سعيه لإبراز أصحاب الرأي الواقعيين والمؤسساتين.

فمن جهة، نحن نعاني من بعض “سياسات عمومية” لا تحترم ذكائنا، ولا هي تتم صياغتها معنا ولصالحنا، ولا ساهمنا جميعنا في بلورتها أو في بنائها، أو دعينا يوما لتتبع تنفيذها أو لتقييمها. “سياسات عمومية”، إن جاز تسميتها كذلك، ينقصها التمكن وتجانب الصواب وتفتقد للنجاعة. الشيء الذي يجعلنا، كمجتمع واحد ومتعدد، عرضة لكل أنواع وتجليات الهشاشة بمفهومها الواسع والاستراتيجي. وليس حالة الغضب والقلق الجماعي، في نظري، إلا نتيجة نفسية لتراكم الإحساس بالفشل و “التفاهة” في تحقيق شيء ذي بال، كمجتمع وكأفراد، من فرط ما يتم الترويج للفشل والفاشلين، عوض تشجيع النجاح والناجحين.

ومن جهة ثانية، أصبحنا نعيش شبه خضوع رضائي، لطغيان منطق وقواعد “خطاب إعلامي مرتكز على إلزامية خلق شروط التسويق”، و ارتباط ذلك ب”بديهية إبراز ما يتفاعل مع مكنونات النفس البشرية ونزوعاتها نحو المثير والخارج عن المألوف، وحتى مع التفاهة أحيانا”، حتى أصبح ممكنا أن يحدد، بالنيابة عنا، ما “يستحق” أن يصلنا من معلومات وأخبار…. وما “لن يحوز اهتمامنا” من منطلق “المعرفة الدقيقة بأذواقنا واهتماماتنا، وبما يعجبنا وبما لا يعجبنا”. وبالتالي، صرنا لا نتوصل بالقدر الكافي بأخبار تساعد على بناء الذات، الفردية والجماعية، بينما يتم إغراقنا بكل ما يحبط العزيمة ويرمي بنا في حالة من انعدام الثقة في النفس وفي الآخر وفي “الذات الجماعية”.

في الحقيقة، لو كان ممكنا أن يظل هذا “المنطق” العبثي بعيدا عن التأثير في تقييمنا لسلوكنا الجماعي وفي تمثلنا لبعضنا البعض، في الحياة العامة وفي تجلياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، لكان الأمر هينا، وربما كان ممكنا التعايش معه دون تذمر. ولكن الواقع هو أن هذا منطق “التسويقي” المستقوي بسلاح “التسونامي الإلكتروني” الرهيب، الذي يضرب مجتمعنا، كما يضرب باقي مجتمعات العالم، أصبح فاعلا حقيقيا يهندس نفسية الأفراد والجماعات، ويوجهها في اتجاهات تكاد تدخلنا في متاهات انكسار نفسي مجتمعي رهيب… حتى صار “كل شيء لا يعجبنا”، رغم أن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”!

وهنا لا شك لدي أن في وطني لازالت، وستظل برغم كل شيء، ألاف الأشياء والأحوال، والأماكن والمناظر، والمكتسبات المجتمعية الراسخة في عيشنا المشترك منذ عشرات السنين، ومن الإنجازات والأفكار المتميزة والإبداعات والكتابات الرصينة، ومن الأحاسيس الجميلة والمواقف الصادقة، ومن الأشخاص المحترمين جدا و النزهاء، والأوفياء لقيم وطنية ومبادئ إنسانية عالية، ما يستحق انتفاضة نفسية داخلية، يقوم بها كل منا مع ذاته ولذاته، ضد حالة التيئيس المستشرية والزاحفة.

من السهل جدا أن نتفق على وجود مبررات “تسوغ اليأس” من سياسات وسلوكيات وممارسات منفرة في واقع مختل. إلا أن الاستسلام لليأس غير مجد بتاتا، ولا يخدم إلا أجندة من يريدون أن يعم العزوف عن كل شيء يعطي للحياة معنى، ويؤثر إيجابا في قدرتنا على تقليص دائرة السوء والتفاهة، ويوسع من دائرة الخير والقيم، ويجعلنا فاعلين ولو بقدر نسبي، خصوصا في المسألة الأكثر تعقيدا وأثرا، في السياسة وفي تدبير الشأن العام، ألا وهي الإدلاء بالصوت يوم الاقتراع لاختيار الأنسب من أطر وكفاءات لإنتاج السياسات العمومية وتفعيل برامجها وتدبير المرافق والمؤسسات المسؤولة عن تنزيلها.

إن المطلوب اليوم وأكثر من أي وقت مضى، هو أن نجعل الهدف تغيير اتجاه الدينامية المتسارعة لهذا الاضطراب والقلق الوجداني الجماعي الذي بات الناس يتقاسمونه، وليست حالات الانتحار المتكررة في عدة مدن، وحالات العنف المجاني المستجد بأشكال مقززة، وضعف الإحساس بالمسؤولية لدى مجموعة من القائمين على بعض المرافق العمومية، والعدمية والتبخيس، إلا تجليات لكل ذلك.

بالفعل، لا أحد يمكنه أن ينكر واقعا صعبا أضحت فيه الفوارق الاجتماعية كبيرة ومستفزة، وأصبح تهميش فئات واسعة من الشباب وتحييدهم عن أي أفق مشجع واقعا حقيقيا وشائعا. وصحيح أيضا، أن حالات سوء تدبير مجموعة من المؤسسات تتزايد منذ مدة، كما توثق ذلك تقارير مؤسساتية مختلفة. كما لم يعد بالإمكان تجاهل حالات صارخة لانعدام التوازن في تضاريس المجال العمراني، بين تجهيزات متوفرة وحديثة، و غنى صارخ في مناطق عديدة، وبين انعدام الحد الأدنى من المرافق الأساسية وشيوع مظاهر العزلة والفقر بشكل قاسي، في مناطق عديدة أيضا.

ولكن بالرغم من ذلك، أظن أنه يلزمنا التعاطي مع الواقع بحكمة وبمسؤولية والحرص، أولا وقبل كل شيء، على تجنب اليأس، لأن استسلامنا لدعاة التيئيس لن يفيدنا في شيء، بل على العكس من ذلك سيجعلنا نصير مشلولين وغير قادرين على الفعل الناجع والإيجابي، تحت تأثير الاعتقاد أن “الفعل المواطن” (L’action citoyenne) لم يعد مجديا، ما دام كل شيء يبدو أنه قد صار “فاسدا وانتهازيا”، الأشخاص والمؤسسات والممارسات.

يقيني أنه، على الرغم من مرارة ما أصبح بارزا في واقعنا، علينا أن نحرص على العيش مسلحين بذكاء متقظ، واعين بأن واقع المشاكل وإن كان حقيقيا، و الاختلالات معطى أكيدا، إلا أن تطوير الأداء ومعالجة الأعطاب لا زال ممكنا، بل هو فرض عين على الجميع وبتظافر جهود الجميع، ويجب أن نسعى إلى ذلك من خلال كل القنوات المؤسساتية والتواصلية، بصبر وأناة ومثابرة ويقين، متفائلين بقدرتنا، بل بواجبنا، على أن نحمي مستقبل مريم أمجون وغيرها من الأزهار الجميلة فوق ثرى وطننا، وأن نقول بصوت واحد أننا هنا نحيى، ولن نترك الساحة فارغة، بسلبية بليدة، لمن أثبتوا ضعف تقديرهم و فشل اختياراتهم في تدبير شؤوننا.

فبرغم كل الصخب والضجيج، وبرغم استنفار قوى التيئيس لكل طاقاتها، مستغلة ما تراكم من تجليات سلبية في الحياة العامة، حري بنا أن نحافظ على إيماننا بأن في وطننا الحبيب شباب صادقون وكفاءات حقيقية، منفتحة و واقعية وذكية، تحمل غيرة كبيرة على مكتسبات الوطن و توابثه، وتؤمن بإمكانية التغلب على نقاط الضعف المسجلة، وذلك من خلال إرساء قواعد حكامة ترابية ومؤسساتية، تبتكر وتجتهد وتواكب العصر وتحدياته والمجتمع وتطوره، و تعزز منطق دولة المؤسسات وسيادة الحق والقانون، والمساواة في الحقوق والواجبات، في وطن يسع الجميع ويحمي الجميع.

والأمل كل الأمل معقود على أن يكون ما حفل به من حكمة خطاب جلالة الملك، خلال افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، أبلغ تنبيه و تذكير للأحزاب والهيئات السياسية، وللقائمين على الشأن العام عموما، بأن المسؤولية كبرى في سياق تاريخي وطني استثنائي. فالرسالة كانت قوية واضحة بألا معنى لتأجيل ورش التأهيل الشامل لحكامة الشأن العام، إلى ما لا نهاية.

وبالتالي، على عاتق كل العقلاء أن يفتحوا أعينهم، وأن يسارعوا إلى مد أيديهم بالخير والأمل والصدق، وأن يتواصلوا بذكاء مع شباب وكفاءات هذا الوطن، و أن يستثمروا فيهم ومعهم ومن أجلهم، بتجديد ناجع في أساليب وخطط العمل في كل المرافق وكل المجالات، الموضوعاتية والترابية، بابتكار خلاق في الخطاب والتأطير والتواصل والتعبئة، وباعتماد مقاربة تشاركية في هندسة الفعل الجماعي وتدبير تنزيل ما يتقرر.

ولي اليقين أن الشباب المغربي لن يخذل أيادي الخير والكرامة والمواطنة التي ستمتد نحوهم، لأن شبابنا لا ينتظرون شيئا كثيرا إلا أن يكونوا جزءا فاعلا في دينامية صناعة الأمل، بدون انتهازية وبنفس وطني صادق، من أجل واقع يحفل بتجليات “سياسات عمومية ناجعة” تدعم الثقافة الوطنية وتعزز قدرتها على الانفتاح على الثقافات وعلى الإبداع الإنساني، والصمود أمام العولمة المتوحشة واللاإنسانية… سياسات تدعم اندماج الشباب اجتماعيا ومعرفيا ومجاليا… سياسات تمنحنا إعلاما نرى فيه أنفسنا وعراقتنا وهويتنا الأصيلة بعيدا عن كل دخيل مغرض ومتربص، و كل انغلاق وتقوقع يبعدنا عن مواجهة تحديات العصر وعن تنوع روافد الفكر وإنتاجات العقل… سياسات تجعل من التنمية الاجتماعية، ومحاربة التهميش المجالي، ودعم روح المبادرة والاستثمار، وتشجيع التشغيل، أولويات وطنية استراتيجية. وما ذلك بعزيز على عبقرية متأصلة في شعب مغربي هنا يحيى، منذ قرون وقرون، قبل أن يحل بيننا من حل من بائعي الوهم وممتهني الرداءة وزارعي اليأس والإحباط… وقبل أن يحل بنا ما حل من أثر ما يسوسون. ورفع الله عنا وعنكم تجليات غضبه…!

* فاعل سياسي وجمعوي / متخصص في تدبير المشاريع والحكامة الترابية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك