الخطاب الديني بين خلق الفرجة وتفريخ الشذوذ وصناعة الموت
https://al3omk.com/372088.html

الخطاب الديني بين خلق الفرجة وتفريخ الشذوذ وصناعة الموت

شهدت بلادنا من بين ما شهدته في الآونة الأخيرة، ثلاث أحداث بارزة. فأما الأول فبشع و همجي و وحشي.و أما الثاني فمرضي شاد، وأما الثالثفمنحط و تافه. حدث ذبح فتاتين شابتين مقبلتين على الحياة، أطفأت أيادي الغدر نور ابتسامتهما. جريمة قرية ” إمليل” الهادئة أدمت بأسلوبها و بوسائلها قلوب الجميع. ثم حدث استغلال السذاجة و استسلام النفوس التي أنهكتها الأمراض و نوائب الحياة، لخطاب الدين، لإشباع نزوات نرجسية لممتهني الرقية الشرعية. و أما الحدث الثالث فمحلي تمثل في خدش وجدان ساكنة منطقة خنيفرة في خطبة فقيه وجدة. قد يستغرب البعض هذا الربط بين هذه الأحداث، فالبون شاسع. أقول نعم فالمسافة بين الهمجية و التفاهة يصعب اختزالها في مقال.

إن هذه الأحداث ليستمعزولة و لا عابرة. ينبغي في اعتباري، النظر إليها بمنظور شمولي. فيرغم تباين أهدافها، و رغم التمايز بين الفاعلين فيها، و رغم اختلاف وقعها و انعكاساتها، فإنها نتيجة طبيعية لما يعتمل في بلدنا من ظواهر. إن هذه الأحداث تجل و مظهر لنفس الظاهرة. ظاهرة تتبدى بتلاوين و بحيثيات و بأشكال مختلفة باختلاف الظروف المكانية و الزمانية. إنها ظاهرة الاستئسادالاجتماعيلخطاب ديني شعبوي فج ومهزوز.

أعني بالخطاب الديني، ليس فقط ما يرتبط بالمادة المعرفية المراد إبلاغها للمتلقي، بل شكلو آليات و فعل التبليغ كذلك، بما يقتضيه من تفاعل بين الذوات. و رغم الاختلاف الظاهري، في تجليات هذا الخطاب، من المساجد إلى المناسبات و الولائم إلى حلقات التأطير الإيديولوجي للخلايا الجمعوية و الحزبية، فإن هذا الخطاب تحكمه نفس الآليات و يوحده نفس البناء المنطقي. و من ثمة، إن أمكن لهذا الخطاب أن ينتج شيء، فمن أهم ما يمكن أن ينتج ، صانعي فرجة، “حلايقية” بأكسسوارات و بلباس ديني. و تجار دين يجعلون من اللحي و اللباس الأفغاني أكسسوارات عمل. أو منحرفين ومجرمين، “شماكرية”، بأسلحة و سيوف جهادية. نعم إنه خطاب ناجح في إنتاج الفرجة والإلهاء من جهة وإنتاج الخديعة و الشدود من جهة ثانية، و من جهة ثالثة إنتاج العنف و التعصب و الوحشية. لكنه خطاب فاشل في إنتاج الإنسان و العابد المحقق لمقاصد الرسالة المحمدية و المجسد لمقصد الاستخلاف.

فأما ما يتعلق بالخاصية الأولى لخطابنا الديني، فتتمظهر في تركيزه على الشكل و المبنى بهدف الإثارة و خلق الفرجة.فنتيجة لما أصبح يسمى بتنامي الوعي الديني و الصحوة الدينية، ازداد الطلب على استهلاك الخطاب الديني في كل مرافق الحياة في العمل و في المناسبات و غيرهما… فأصبحنا نشهد نوعامن الاحتراف المرتبط بهذا الطلب. أجواق للأمداح والأناشيد الدينية، مقرئين من طينة خاصة، وخطباء يجيدون حديث المسامرة و ملأ فراغات المناسبات و الولائم…في الوقت الذي نتكلم فيه عن تجديد الخطاب الديني و استرجاع الدين لدوره التنويري يحدث ما نراه.

ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر في من يخاطبون الناس باسم الدين كي يسترجع الدين دوره ويحقق المقاصد النبيلة التي من أجلها بعث نبي الرحمة إلى العالمين ؟ هل يكفي حفظ بعض القرآن أو كله و الإحاطة ببعض المواعظ المرتبطة بالعقيقة أو القران أو الختان … ليصبح الشخص فقيها مؤهلا لمخاطبة الناس باسم الدين؟ هل تكفي الضمانة التي تمنحها حرمة المسجد وقداسة المنبر ليقول الخطيب ما يحلو له من الكلام كيفما جاء و اتفق؟ لو تمسكنا بالشروط التي وضعها السلف في هذا الشأن كم سيبقى لدينا ممن يستوفون الشروط المعرفية و الأخلاقية لمخاطبة الناس باسم الدين في المساجد و المجامع و المناسبات؟ تتوفر في فقيه وجدة مثالا، بعض الشروط التي ينبغي أن يتحلا بها شخص صانع الفرجة: و من أهمها الإثارة. تتجلى فيبحثه عن الغريب من الكلام و العجيب من الأحاجي. و التركيز على الجانب الغرائبي في الحدث العادي. و تقديم المؤلم من أمور الحياة بشكل تافه أو مضحك. بالإضافة إلى الاشتغال على لعبة اللغة و تصيد المسكوت عنه و البوح به سواء كان ممنوعا سياسيا أو دينيا أو أخلاقيا…

لكن أليس لخطاب الإثارة أخلاقيات و مرام، إذ يمكن للخطيب الماهر أن يستثمر الفرجة لتحقيق مرامو أهداف سامية؟ إن فقيهنا هو أقرب في بناء خطبه من الحلايقيالمبتدأ منه إلى الواعظ المتمرس،لكن دونأن يستوفي شروط الحلقة و الفرجة. صاحبنا لا كان فقيها و لا كان حلايقيا. فلا حقق الفرجة و لا وعظ ولا وفا بأخلاق الوعظ و لا بشروط الخطبة. وأمثال فقيه وجدة كثر في قرانا و مدننا و مساجدنا.فمثل هؤلاء يفسدون الدين و يفسدون الفرجة، يصنعون أسوء أنواع المريدين و أخبث أنواع الوعاظ. الذين يستعيضون بالشطحات الغيبية عن الإيمان، و بالمسرحة و التنكيت عن المعرفة بأمور الدين و بمشاغل الناس و أمور دنياهم. بل إن مثل هؤلاء يفرخون كتاكيت الظلام و مشاريع القنابل البشرية التي جردها خطاب الإثارة هذا من ذرة التمييز التي حباها الله به، لتجتهد في تفريغ العدوانية المضغوطة فيها، فيمن تراه مختلفا و بالتالي كافرا.

صناع الفرجة هؤلاء، عوض أن يستلهموا صور كبار العلماء يستلهمون صور كبار الحلايقية، أستحضر هنا أحد فقهائنا الذين استفادوا من “جامع الفنى” فأبدع في اختيار موضوعاته و تفنن في تلوين حكيه و في مسرحة حركاته و سكناته بحيث يشد ألباب مسامريه ويلهيهم حتىعن شرب الشاي و طلب العشاء.

وكأن أجرأة حديث نبي الرحمة المتعلق باستثمار المجامع و اللقاءات العامة في الذكر و تدارس القرآن، تعني استثمار القرآن و بعض قصصه و ما يرتبط من الأحاديث بالمناسبات و الولائم لخلق الفرجة: بإمتاع الأسماع بما عذب من الأصوات و تسخير ما تيسرمن مبتكرات العلم و مخترعات التكنولوجيا اللعينة. و الترويح عن النفوس بفتح أبواب زنازن الكبت و إطلاق سراح الخيال ليجول في عوالم الحرام و ما حجبته الحشمة، بغريب القول و بديع الحركة. فصحيح أن لادين في حياءهم.

البناء الحجاجي لخطب هؤلاء، هي أقرب من منطق الحلقة و تستهدف الإثارة و صناعة الفرجة أكثر مما تخاطب العقل و تستهدف التوعية معرفيا و سلوكيا. و إلا كيف نفسر المفارقة المجتمعية المتمثلة في تراجع القيم الإيجابية و السلوكات البناءة في مقابل تناسل الوعاظ و تكاثر المساجد و تضاعف جمهور روادها؟ و من جهة أخرى لا يجعل هذا البناء ، من مشاغل الناس و لا من قضايا الساعة سياسية كانت أو اجتماعية أو أخلاقية مواضيع للمذاكرة والتداول الديني. بل تكون هذه القضايا، مجرد محسنات تؤثث الخطب إمالجلب انتباه الحاضرين حينما يفتر، أو كطلاء زائف لتلميع صورة شخص الخطيب.طلاء يخفي جهالته وسخافته بما قد يبدو جرأة سياسية أو عمقا نظريا ومعرفيا بأمور الناس و العباد. بهذا تعكس الخطبة في بنائها مفارقة صورة الفقيه ذاته فبقدر بريقها و لمعان شكلها بقدرما تخفي هزالتها المعرفية و سخفها الأخلاقي.

إن الخطاب الفقير فكريا و المهزوز إيديولوجيا لا يمكن إلا أن يكون مزخرفا في شكله و براقا في مظهره، سلعة رخيصة لمن يريد أن يروج ذاته كصانع للفرجة.

و أما المظهر الثاني لخطابنا الديني،فيتمثل في تغييب منطق العقل بمخاطبة الوجدان و التركيزعلى التهويل و التخويف. ينطلق هذا الخطاب، و هنا تكمن براعته، في العمل أولا على تحييد العقل و تعطيله ـ خاصة أن الأرضية أعدها خطاب الفرجة السائد في المجتمع كما أسلفت ـ ذلك بسلخ العلل عن المعلولات، بحيث يصبح الخارق و الغريب مقبولا و اللاعقليمنطقيا. و يتم تحييد العقل كذلك، بتضخيم مجال الابتداع و المحرم بهدف خلق عقل خائف من التفكير و مرهوب من الاجتهاد حتى في الأمور التافهة من أمور الحياة. و أما الاستراتيجية الثانية فتتمثل، في التركيز على الشكل و تغييب العمق. و أما الثالثة فتتمثل في إقصاء البعد التاريخي، فتقدم السير و الأفكار مسلوخة عن إطارها و كأنها ذات بعد كوني شمولي. أحكام زمانابن تيمية على الكافر ، مثلا، تفهم في سياق زمان ابن تيمية، حيث تعرضت الحضارة العربية الإسلامية لأبشع صور العدوان و الهمجية. فلا يمكن أن نواجه الكافر إلا بمثل بشاعته أو أكثر. أما كافر اليوم فهو من فتح معابده للمسلمين كي يمارسوا عباداتهم…هكذا انبلج دين غير الدين و تقدست شخصيات و أئمة أكثر من قدسية شخص نبي الرحمة ذاته.

يخلق مثل هذا الخطاب إنسانا مهزوزا كارها للدنيا خائفا من زلاتها و باحثا عن الخلاص في ملاذات الشعوذة أو الموت. أو إنسانا فجا، يركز على الشكل دون المحتوى يركز على ظاهر السلوك دون السلوك ذاته. يركز على مقاس اللباس دون مقصده،يتشدد في كيف يصطف للصلاة و كيف يكون القبض دون التركيز على الخشوع و المقصد من الصلاة و آثارها على السلوك. إنسان يخشع لصوة المقرئ و يبكي لشجيته عوض إعمال العقل لتدبر القرآن و الامتثال لمقاصده. إنسان مؤهل ليصنع الموتعوض الحياة. ذات مريضة منهكة بضغط الممنوعات لا تجد متنفسا لتفريغ عدوانيتها المكبوتة إلا بتحويلها نحو الذات، لتتلذذ في إنهاكها بالخضوع لأوامر متنامية في الإذلال ومتصاعدة في تغييب العقل. أو بتحويلها نحو خارج الذات لتحجب شقائها وراء شتى أشكال سلوكات العنف والكراهية و الوحشية المنافية لمقاصد الشرع و تعاليم الدين.

و أما المظهر الثالثة لخطابنا الديني،فيتمثل في علاقة الدين بالجنس. صحيح أ ننا هنا ، إذا ما أضفنا السياسة، نكون في إطار ما أسماه أحد المفكرين الثالوث المحرم، لحساسية الموضوع أولا و لتأرجحه بين المقدس و المدنس، والخيط الفاصل بينهما رفيع. ليس مبتغاي في هذه الزاوية تحليل العلاقة بين الدين و الجنس ـ و هو موضوع حضي باهتمام باحثين مغاربة أفذاذ ـ بل أود فقط أن أشير إلى البنية النفسية التي ينتجها الخطاب الديني الفج الذي صم آذان عامتنا. فكيف يحدث اللقاء المسوخ، بين الانحراف السلوكي و الأخلاقي والمعرفة الدينية؟ إن الخطاب الديني الذي ينتج ممتهني الفرجة و صانعي الموتباسم الدين هو نفسه الذي جعل هذا اللقاء المسوخ ممكنا. إنها بنية نفسية لا يمكن أن تشبع نزواتها بشكل طبيعي و مقبول أخلاقيا و اجتماعيا.

إنها بنية أقرب إلى “البيدوفيليا” Pédophilie التي يتلذذ صاحبها بألم المفعول فيه، و ينتشي بغياب الرقابة التي قد تكشف شدوده و عجزه على جعل الممارسة الجنسية تفاعلا إيروتيكيا متكافئا بين جسدين. هنا تتحول الممارسة الطقوسية الملفوفة في الخطاب الديني إلى رداء يحجب شقاء النفوس، و إلى “فياكرا”Viagraتتحايل على آليات الكبت لتحافظ على توازن الذات المريضة بفعل تلاشي فحولتها. إذا استقرئنا “حادث أصحاب الرقية الشرعية” و رغم بعض الملاحظات العارضة، فنلحظ تفاعل الشقاء النفسي بين الفقيه الدجال و المريضة.

إن سبب نجاح مثل هذه الخطابات يعود في اعتقادي، بالإضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية للناس، إلى فشل أهم ثلاث مؤسسات في المجتمع: المسجد و الأسرة و المدرسة. لقد استقالت هذه المؤسسات و تنازلت عن أدوارها و تركت المجال لحاملي هذا الخطاب. و لا يمكن التصدي لهذه الآفة إلا بتحصين الإنسان من خلال إعادة هيكلة الخطاب الديني الموجه للعموم. بتحصين الذات من خلال تجديد الخطاب الديني بحيث يعمل على خلق وعي إيجابي يزكي القيم الكونية التي حملها الإسلام نورا و هدى للعالمين.و تعزيز مناعة النظام الأسريوتحصين النسيج الاجتماعي من خلال تثمين الموروث القيمي الذي تميزت به الثقافة المغربية القائمة على المحبة و الجوار و التآزر. و إصلاح المنظومة التربوية و رد الاعتبار للمدرسة العمومية.و ذلك ببناء إنسان مبدع مبتكر للأفكار و القيم عوض آلة للتخزين و الاسترجاع الأرعن للأفكار دون تمحيص.

ليس هناك رابح من الوضع الذي نعيشه.ففي زمان الثورة الصناعية الثالثة زمان الذكاء الاصطناعي لم يعد هناك متسع من الوقت للتفكير و التريث. ففي حالة استمرار مثل هذه الأوضاع فبشراكم بمزيد من الكراهية و العنف و الموت… و الحياة على هامش الحضارة الإنسانية…
المصطفى تودي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.