https://al3omk.com/372133.html

سنتكم غير سعيدة مقال رأي

ليلة الاحتفال بالسنة الجديدة التي يصفها المسيحيون بليلة عيد ميلاد عيسى عليه السلام تميزت عن ليالي السنوات الماضية، في كافة المدن وفي أحيائها الفقيرة والغنية، بإقبال لافت لآلاف الشباب على الكحول والمخدرات والسهرات الصاخبة، وما صاحبه من اضطرابات وحوادث ومشاكل أمنية وخسائر مادة بالملايير..

يدل حجم المراقبة الأمنية للحانات والفنادق وتعقب الحوادث على أن آلاف الأطنان من الكحول ومئات الأطنان من المخدرات قد تم ترويجها خلال تلك الليلة وقبلها بيوم واحد؛ وهي ليلة “مربحة” للوبي الفساد ولوبي تخدير الشعب، في ليلة جندت لها كل الإمكانات التجارية والإعلامية والسياسية والأمنية لإقامتها.

انطبعت هذه الليلة أيضا بخرجات قادة سياسيين بأفكاروسلوكاتمستفزة غير معروفين بها، ويتقزز منها محيطهم الاجتماعي ويتأسف لها؛ تهدف إلى تسجيل مدىتحررهم من قيود مجتمعهم أو حتى تنظيماتهم، ومدى انفتاحهم على حضارة المحتفلين بعيد الميلاد؛ كل ذلك في سياق الاحتفال بحلول السنة الجديدة أو بعيد ميلاد عيسى عليه السلام!

لقد استدعت ظاهرة احتفال هذه السنة، كظاهرة إنسانية واجتماعية، استعمال أدوات التحليل العلمي بدل الاقتصار على التحليل الديني أو الوصف الإعلامي أوالأدبي؛ من الأدوات المنتجة والمفيدة في هذا المجال “التحليل النفسي” كما عرفه فرويد وتطوره تلامذته .

لقد أمكن للشباب تلك الليلة ولأصحاب تلك السلوكات،في منظور التحليل النفسي،تحقيق التفوق الوهمي الذي ينزعون إليه والذي لم يستطيعوا تحقيقه واقعيافي وسطهم الذي يعانون فيه من الكبت أو الحرمان بكل أصنافه. إنها قصة أوديب، كما تروى في التحليل النفسي، تتكرر في تلك الليلة بشكل يجعل أولئك الشباب والشابات يقدمون على القتل الرمزي لوطنهموقاداتهم ولآبائهم وأصحابهم وبنيهمبطريقة لاشعورية وهم يعانون من اضطرابات حادة وعقد سيكولوجية غير مرئية…

وحسب هذا التحليل دائما، يعود تعاطي الشخص للكحول والمخدرات والسلوكات الغريبة عن وسط المجتمعي إلى فشله في حل الصراعات التي يعيشها في طفولته المبكرةوحاجته إلى الأمن أو إثبات الذّات أو الإشباع الجنسي النرجسي الخ…

إلا أن الأمر بالنسبة لاحتفالات هذه السنة أكبر من الحالات الفردية التي تنتج عن الاضطرابات التي يتعرض لها الفرد في طفولته المبكرة وفي علاقاته العاطفية الفاشلة معوالديه، والتي يسقطها مستقبلا على حب المشاكسة لقيم وسطه المجتمعي، ويسقطها على ممارسة العنف المادي أو الرمزيعلى ذاته من خلال الانحراف الأخلاقي والتعاطي للكحول والمخدرات والانتحار، حسب مستوى المرض النفسي، وعلى الآخرين بارتكاب جرائم الرشوة ونهب المال العام والقتل والتدمير للممتلكات، حسب مستوى المرض النفسي ومنسوبه دائما .إننا أمام حالة عامة وواسعة الانتشار، انتقلت من ظاهرة اجتماعية إلى مشكلة اجتماعية منذرة بالخطر وتعبر تعبيرا لاشعوريا عن حالة إحباط ضخم فوق حل جماعي ملائم.

لا يمكن تفسير هذا المستوى من الاضطراب العاموالمفاجئ وبهذه الضخامة التي فاجأنا بها حلول السنة الجديدة إلا بتأثر المواطن بالظروف القاسية التي تواجهه، وشعوره بصدمة عدم الإصلاح والانتقال الديموقراطي، وبعدم تحقق الحقوق التي وُعد بها لسنوات طوال؛ بل ازدادت الأحوال سوءا باختلال الأمن المادي والروحي، وتزايد الأزمات السياسيةوالاقتصادية والبطالة وغلاء المعيشة؛ كلها عوامل ساهمت في ارتفاع منسوب الإحباط النفسي والخوف من المستقبل.

إذا استمر هذا الواقع السيئ وهذا المناخ السياسي المتأزم و المتذبذب فيالخيار الإصلاحي الديموقراطي، وإذا استمرت النخبة السياسية المتحكمة في نسج خيوط إدارة الشأن السياسي على نفس المنوال من البؤس والتعاسة،بدل الانشغال بالانتقال الديموقراطي وسبل توفير المناخ الطبيعي للتطور وتخطّي الأزمة الاقتصادية الخانقة،فإن من شأن كل ذلك أن يزيد في تعقيد الاضطرابات النفسية وانتشار حالة الاضطراب الجماعي التي تعقبها فوضى عارمة يصعب التحكم فيها حتى بالأدوات القمعية؛ وهي حالة، أي الاضطراب الجماعي، يمكن ترقبها وملاحظتها مباشرة بقياس علامتها النفسية وهي اضطرابات النوم بسبب الخوف من المستقبل.

* دكتوراه في العلاقات العامة – ماجستير علم نفس الطفل

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)