https://al3omk.com/378729.html

من التنبيء بالأسماء إلى نظرية النشوء والارتقاء عند داروين

سيكون من الجيد ، لو ثم البدء هنا في هذا المقال ، ببعض ما جاء في التقديم الذي وضعه الأستاذ ” سمير حنا صادق ” للنسخة المترجمة للعربية ، الصادرة عن المشروع القومي للترجمة ، لمجلد داروين في ” النشوء و الارتقاء ” . و ذلك لأخذ فكرة شبه عامة ، عن حجم الزخم الكبير ، الذي أحدثته هذه النظرية ، و ما نتج عنها من تغير إيجابي على مستوى العيش الإنساني ، منذ صدورها في القرن التاسع عشر إلى حد الآن .

فعند قراءة هذا المجلد الشيق و الممتع ، و عند الأخذ بالاعتبار ما وصل إليه اليوم ، العقل البشري ، و بتقليب الفكر و لو بشكل قليل ، لا محالة سيحصل اتفاق ضمني حول ما قيل عنها في التقديم ، بأن سفينة ” البيجل ” – السفينة العلمية البريطانية ، التي انطلقت في رحلة حول العالم ، امتدت لخمس سنوات ، لغرض البحث العلمي و كان على متنها شارلز داروين -، يدين لها كل مريض تجري له عملية في القلب ، و كل مريض يتعاطى أنسولين بشري لعلاج السكر ، و كل مريض يتعاطى أنترفيرون : بروتين تنتجه خلايا لمفاوية ، لمنع انتشار و تكاثر الفيروسات في الجسد ، و كل مريض تنقل له كلي أو كبد أو قلب أو رئة . ثم يضيف ، و هكذا يكون حب الإنسانية و التفاني في خدمتها .

هذا العبارات المقتطفة من التقديم ، تبرز بوضوح ، المزايا الطبية التي جلبتها هذه النظرية ، كما أنها في نفس الوقت ، إشارة يجب أن تلتقطها كل حضارة ، لكي تجعل البحث العلمي و التشجيع عليه ، في أولويات اهتماماتها . و فضلا عن ذلك ، فإن هناك مزايا أخرى عديدة ، لا نهاية و لا حصر لها . فقد نستطيع من خلال الكم الكبير من المعلومات و الأفكار و المعارف التي تتضمنها ، أن نمسك تاريخ الكون من خصره ، و ننظر إليه بعدسة مجهرية مكبرة ، ليظهر لنا عندئذ ، الوضوح التام ، و تنجلي الغشاوة عن نشأة هذا الكون العجيب الغريب ، الذي كان قبل هذه النظرية و حتى بعدها ، مبني على الخرافات و الأساطير .

شارلز داروين ، مثله مثل العديد من الفلاسفة ، و علماء التاريخ الطبيعي ، يكادوا يتفقون ، على أن جل الكائنات الحية ، خضعت خلال الملايين من السنين، إلى نشوء ثم ارتقاء ، أو ما يسميه البعض ، بالبقاء للأصلح ، أو الانتقاء أو الإنتخاب الطبيعي . فعندهم ، كل الكائنات الحية ، و كذلك النباتات بجميع أنواعها و أصنافها ، إنما هي في بحث دائم و مستمر ، عما يمكن أن يضمن لها القوة في البقاء . و طبعا ، هذا لن يتأتى لها ، إلا باختيار بعض العناصر القوية ، بواسطة التعضية ، حتى تتكيف مع الأجواء ، و مع ما يمكن أن ينافسها و يغالبها على البقاء .

و يعطي هنا ، مثال بالزرافة ، و هو مثال في منتهى البساطة و الوضوح ، في تقريب و فهم معنى مبدأ النشوء و الانتقاء . حيث يقول ، إن الزرافة كونها تتغذى فقط على أوراق الشجر ، و لكون الأشجار غالبا ما تكون مرتفعة و سامقة ، فإن الزرافة ، لكي تضمن لنفسها البقاء ، وتتجنب الانقراض ، وجدت في مبدأ الانتقاء ، الوسيلة المثلى لذلك ، عبر اختيار التزاوج مع الأفضل منها ، المتمتع بقوائم و أعناق طويلة ، تمكنه من الوصول إلى أوراق الشجر المرتفع . فصارت بذلك عبر الزمن ، على الشكل الجميل ، الذي نراه اليوم ، بأعناق و قوائم عالية طويلة .

و إذا كان هذا حال الكائنات الحية ، من نباتات و حيوانات ، فإن داروين أسقط نفس القانون على البشر ، و قال أن البشر كان في الأصل ، قرد . فالشكل الحالي الذي نراه اليوم ، لدى القردة ، خضع للتطور بسبب الحاجة ، ليصير عبر الزمن ، الإنسان الذي نراه اليوم . و قد لاقى ببحثه هذا ، استهجان كبير من قبل العديد من الرجعيين ، الذين لا يؤمنون بالعلم . لكن المشكلة التي لم يوجد لها حل لحد الساعة ، و التي اعتبرت الحلقة المفقودة في النظرية الداروينية ، هو ذلك العقل البشري . فإذا كان جسد و شكل القردة قد تطور عبر الزمن ، و صار من الشكل المعقوف إلى الشكل المستقيم عبر مراحل تطورية معينة ، فكيف تطورت غريزة ( عقل ) القرد ، إلى هذا الحد الإعجازي الذي يوجد لدى البشر ؟ ثم ما الذي منع غرائز (عقول ) باقي الحيوانات الأخرى ، رغم اختلاف تعضيتها عن البشر و القردة ، من التطور العقلي/ الغرائزي ، لتصل إلى ما يتمتع به البشر من مميزات العقل و التفكير ؟

غير أنه باستخدام التفكر قليلا ، نجد أن في الدين الإسلامي كما في باقي الأديان الإبراهيمية الأخرى ، هناك اتفاق تام ، على أن الله سبحانه و تعالى ، حينما أراد أن يخلق البشر ، أجابته الملائكة ، بأن هذا البشر ، سوف يتسبب في سفك الدماء و الفساد .. لكن الله تعالى أجابهم بعكس ذلك ، و خاطبهم بأنه سبحانه و تعالى ، يعلم ما لا تعلمه الملائكة و لا غيرها من المخلوقات . و قد اتضح هذا ، عند الاختبار الذي نجح فيه الكائن المجادل عليه ( البشر ) . عندئذ ، علمت الملائكة بالعلم المطلق لله سبحانه و تعالى ، فقالت سبحانك لا علم لنا ، إلا ما علمتنا .

هذا الاختبار الذي خضع له البشر ، لم يكن منصب على القوة الجسدية أو غيرها من القوة التي يمكن أن تتمتع بها كائنات أخرى ، فمن الواضح كما هو ظاهر من المحاورة و المجادلة التي تمت على إثره ، و كما هو متفق عليه لدى جميع المفسرين ، أن قوة البشر تكمن في عقله و فكره ، و ليس في أي شيء آخر، سواه.

و ما يعطي لهذا الاتجاه تصديقا أكبر ، هو ما يمكن ملاحظته اليوم ، لما وصل إليه العقل البشري . فبعد أن كان من قبل ، منذ ملايين من السنين خلت ، يتلمس عبر العديد من الاختبارات ، سبل التوصل إلى ما يمكن أن يعتبر نجاته من آفات الطبيعة ، ها هو اليوم ، قد استحكم بقوته على جميع عناصرها ، و صار يعرف متى ستقع الزلازل ، و متى ستتساقط الأمطار ، و صار على دراية تامة بالأمراض ، بل صار يعرف حتى منشأ الكون . و في الحقيقة ، لم يكن هذا ، إلا استرسالا في الاختبار الأول ، لكنه في كل مرة كان ينجح في الاختبار . و لم يكن هذا برمته و مجمله ، سوى تطورا للعقل البشري .

العالم الفيزيائي ” ستيفن هوكينغ ” ، يقول في كتابه ” تاريخ موجز للزمن ” ، إنه من المستحيل تفهم علم الفيزياء الآن ، دون أخذ تطور المخ البشري و خواصه الأساسية و مقدراته التي تكونت خلال ملايين السنين من الانتخاب الطبيعي بالاعتبار ” . كما أن هناك من يقول ، على أن العقل البشري سوف يبقى في تطور دائم ، إلى الحد الذي سوف يكون معه بالإمكان ، الحصول على بشر طائر( سبايدرمان ) . و هو لا يعني بهذا ، نمو أجنحة لدى البشر ، و إنما يقصد التطور الفكري إلى أقصى حدوده ، على الرغم من عدم وجود حدود للفكر . و لعل هذا ، كل المؤشرات الموجودة الآن ، تدل على جوانب حقيقية فيه ، كما أنه سوف لن يكون إلا تحقيقا للنبوءة التي كان بمقتضاها البشر .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك