https://al3omk.com/383452.html

مثقف السلطة وهبي يكتب

“مهمة المثقف والمفكر تتطلب اليقظة والانتباه على الدوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار” إدوارد سعيد.

كثيرا ما تسمع هنا وهناك اتهامات وانتقادات على أن ذلك الشخص أو غيره مثقف للسلطة، وحتى حينما يعصف بها أحد ما في وجهي، أبتسم وأساله عن أي سلطة تتحدث؟ وما حدود علاقة المثقف بالسلطة؟

صحيح أنه في الماضي حينما لم تكن هناك وسائل للاتصال بشكلها المتطور كما هو حاليا، كان لمثقف السلطة دور كبير في الدفاع عنها، وتارة أخرى في التفكير لها، وفي ظل ظلم السياسة يقوم بمهمة تبرير الكثير من قراراتها المنحرفة ما دام يلعب دور الحارس لها، أما اليوم فمن الصعب الاستمرار في الحديث عن دور مثقف السلطة بهذا المفهوم، لانفتاح الدولة ومغازلتها للفكر الحقوقي، وخلق بدايات أولى للمسار الديمقراطي.

إلا أنه بعدما انتفض المحافظون في زمننا، وفرضوا أنفسهم في الساحة السياسية، لم يجد المثقف طريقا واضحا في مساره السياسي، هل يقف في مواجهة السلطة التي في بعض من مطباتها تعصف بالديمقراطية إما لأسباب اقتصادية أو للدفاع عن نفسها أو رغبة منها في استرداد السلطة التي فقدتها إبان الحراك؟ أم يعانق المحافظين لأنهم هم كذلك يرفعون شعارات الديمقراطية التي بواسطتها وصلوا إلى السلطة، ولكن سرعان ما انقلبوا على الديمقراطية بوعي أو بدونه؟

وهكذا، نلاحظ أن بعض المثقفين قد انزووا إلى دواتهم في محاولة لاسترجاع ماضيهم، لأنهم رفضوا الارتماء في أحضان السلطة ضدا على المحافظين، والبعض الآخر اعتبر أن التحالف مع السلطة ضرورة مرحلية لمواجهة الفكر المحافظ، وآخرون شتموا الجميع (المحافظين والسلطة) لكنهم لم يجدوا موقعا في ساحة المعركة، لأنهم فقدوا القدرة على تحديد الموقع.

وفي اعتقادي، أنه إذا كانت الخطوات الخجولة للسلطة نحو الديمقراطية، تفرض علينا سياسيا القبول بهذا التدرج، فإننا كمثقفين يجب أن نعززها بمشروع حداثي ذا بعد مستقبلي، دون تغييب الأصالة حتى لا يختزل البعض هذه الأخيرة في مشروعه بهدف احتكارها، خاصة وأنهم يقدمونها كعنصر مشترك يقربهم إلى السلطة أكثر من الآخرين، ليبرروا انصهارهم في السلطة التي وصلوا إليها من خلال نقذها.

و مهما يكن، فلم يعد من المقبول أن يتحول المثقف إلى ببغاء يردد ما تقوله السلطة، أو حتى دمية تحرك خيوطها كما تشاء، لأن الدفاع عن الدولة هو في نهاية المطاف دفاع عن الدولة في بعدها الديمقراطي وفي احترامها للمؤسسات وحمايتها للحريات، وفي استقلالية تامة للمثقف نفسه.

ومن جهة أخرى، فإن دفاع المثقف عن الدولة في مواجهة الفكر المحافظ، لا يجب أن يمنع حق هذا الأخير في التعبير عن رأيه وعن حقه في الوجود، شريطة أن يتوقف على توظيف العقيدة أو التهديد بالمساس بالحريات الفردية والجماعية، لذلك أعتقد أن أزمة الخلاف الموجود في الساحة السياسية حاليا، حلها هو القبول بالآخر والانفتاح عليه والدخول في حوار عريض معه، حتى نستطيع معا أن نجد حلا وسطا، ومجالا نلتقي فيه حول الثوابت والخيار الديمقراطي.

إن هذا الحوار يحتاج إلى شجاعة، ويتطلب تقديم تنازلات كبرى سواء من المثقف، أومن طرف السلطة، أو حتى من طرف القوى الحداثية، وكذلك من طرف القوى المحافظة، وذلك من أجل ضمان بناء دولة حداثية وديمقراطية تستند على بعدنا الوطني التاريخي الزاخر بحسن إدارة الاختلاف.

إن الوضع السياسي والاقتصادي لبلادنا، أصبح يفرض علينا التعامل بنوع من السمو عند ممارستنا لخلافنا الديمقراطي، ويمنع على المثقف الذي يدافع عن السلطة بأن يكون موظفا لديها يبرر لها أخطائها، ويفرض كذلك على الحداثيين أن يفتحوا حوارا بينهم بعيدا عن الحسابات الصغرى، ويتطلب من المحافظين القبول بشجاعة اتخاذ خطوات جريئة وتنازلات قوية ومؤلمة، من أجل المساهمة في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وذلك لن يتم إلا بمراجعات فكرية و إعادة النظر في الكثير من الممارسات السياسة.

إن مساهمتنا جميعا في بناء مستقبل المغرب، تكمن مشروعيته في حسن إدارة الاختلاف، وكذلك في مدى قدرتنا على اتخاذ قرارات جريئة تسمح ببناء مستقبل أفضل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك