https://al3omk.com/390239.html

التاريخ كيمياء الفكر

إلى الفراعنة الأجلاء أصدقائي في مصر التاريخ والحضارة: أمل كحلة وأحمد الشهاوي وصبري الصاوي.

صحيح أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق. ومن ينظر من عين الإبرة ليس كمن يرى بعين الجمل. ذلك أن الرؤية الأولى تضيق واقعا وتأسر الباطن في الحجم الذي تطوى فيه كل الحدود والمسافات.

هذا المتن الإيتيقي هو عنوان يصح كلما اقتربنا من تاريخنا الواجد. وفيه تحصر الفكرة مجال النظر في الحدث الماضي بالتسجيل والوصف والتحليل. وليس ذلك فقط، لكن بالأساس التأكيد على النظر من زوايا فهمنا للحاضر والمستقبل. وهو الاقتراب الذي يكاد يغيب تماما عن تفكيرنا ورؤيتنا.

عندما نكون مأسورين بالماضي، مقيدين بنواميسه معصوبين بمواقيته، نحاول التماس أعذار الانوجاد تحت سلطاته، ننشد مفازاته تحت قهر الزمن ونثار الأحلام ووهم التجاسر. ولا يترك هذا السوار المأسور بالضغط والاضطراب أن نكون في الراهن، أن نستلذ بطاقة الفعل وممارسة الحياة، بما هي معنى يأتي في تحقيق أعلى شكل من أشكال المعرفة، والذي يعتبر نموذجاللخير والمحبة والسلام، حسب المفهوم الأفلاطوني.

أما المستقبل فلا يحدو هذا الصوت المتحرج دون الإصغاء لروح الأمس واليوم، وبينهما يوجد الخط الواصل الذي لا مفر منه بسبب طفرة الوقت وقوانين الفيزياء.

إذا اجتزأنا التاريخ أحدثنا القواطع بين المخروطات الضوئية وشطرنا الزمن إلى مطلق وغير مطلق، ونفذنا عبر إحداثياته دونما حاجة للتعبير عن الوصف أو التفسير والتحليل.

إننا نبلغ قمة الإحساس بفعل التاريخ عندما نعلن عن قيمة حضوره في الوجود. ومن ثمة لا حاجة للفشل فيه عند الاصطدام به أو الرجوع إليه كما يقول إتيان كلان.

أدركت جوهر هذه المتاهة عند زيارتي الأخيرة لأعرق الحضارات البشرية مصر الكنانة. في التاريخ المصري علاقة تعاقب وتوالي، شكل مسرد جار باتجاه محدد ولا يمكن العودة فيه. ويتمفصل فيه الإنسان كمحور حافر في الكوني المطلق وعلى كل واجهات قياس وحدات الزمن والوقت.

إن لعظمة التاريخ الإنساني أثر عميق في وحدة الوجود، كما الشأن بالنسبة لمفاهيم الديمومة والامتداد الذهني والزمان والمكان. وهو التحول الذي يقتدر بالحضارة الفرعونية كمآلية متفوقة وكرصيد حضاري متفرد، يعجز أحيانا محولات استظهار التاريخ وتوثيقه ورصد معطياته.

لقد فتن العالم بأنثروبولوجيا الثقافات المصرية الغابرة ووصفتها معظم الدراسات بكونها معجزات التحول البشري والعلمي وظواهر غير مسبوقة في التفكير والإبداع والعلم. وهذا كلود ليفي شتراوس يتحدث عن هذه الإلماعة بقوله ” إن الإسهام الحقيقي لأية ثقافة لا يتكوّن من قائمة الاختراعات التي أنتجتها بل من اختلافها عن غيرها، فالإحساس بالعرفان والاحترام لدى كل فرد في أية ثقافة تجاه الآخرين، لا يقوم إلاّ على الاقتناع بأن الثقافات الأخرى تختلف عن ثقافته في جوانب عديدة، حتى وإن كان فهمه لها غير مكتمل، ومن ثم فإن فكرة الحضارة العالمية لا تــقبل إلا باعتبارها جزءًا من عملية شديدة التعقيد. ولن تكون هناك حضارة عالمية بالمعنى المطلق الذي روّج البعض لاستخدامه، لأن الحضارة تعنى تعايش الثقافات بكل تنوعها. والحقيقة أنّ أية حضارة عالمية لا يمكن أن تـمثـــل إلا تحالفـا عالميا تحتفظ فيه كل منها بأصالتها” * على نحو يربط فضيلة الانتماء للتاريخ المشترك والثقافات المشتركة بالعلاقات والجسور المتقاطعة أحيانا والمنسجمة أحايين أخرى.

من لم توغر صدره شظايا الاسترجاع والتماهي في الحفريات التي تتنوع ما بين أوراق النباتات أو الهياكل أو الأصداف وآثار ومسارات البشر والحجر والإنسان والحيوان. لا يحتاج فقط إلا لبوصلة روحية تهديه غمار التشوف والتحليق والإذعان للخيالات المجنحة.

إن أكبر استنارة للتاريخ الإنساني تمجيد النظر في الباطن وتحقيق أبعاد الانتماء إليه. لكن ليس بالتخفي خلف شوارد الزمن وابتداعاته ومظاهر فشله وتحلله. بل التاريخ هو تفكير ممتد عبر كل المسارات والقطائع، حتى ليظن القارئ الرائي أن الفعل الكامن خلف هذا النص التاريخي تأثير الصورة وحركية الزمن. ولعمري إن تاريخ مصر وحده لكفيل بملء كل فراغات المعنى الهارب. وصدق الشاعر العظيم بول فاليري:” إننا لانزال من التاريخ في حالة الاعتبار النظري، والمراقبة المضطربة … التاريخ يبرر ما نريد، إنه لا يعلم شيئا بدقة وحزم لأنه يشمل على كل شيء، ويقدم المثل على كل شيء … التاريخ أخطر محصول أنتجته كيمياء الفكر”.

هامش:

* ليفى شتراوس (كتاب التنوع البشرى الخلاق) مؤلف جماعي ـالمشروع القومىللترجمة-المجلس الأعلى للثقافة-رقم27-عام97-ص29.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)