https://al3omk.com/393067.html

اللغة.. لم تكن يوما سببا في إنتاج البطالة ولا مفتاحا لنجاح الاقتصاد

مؤخرا ، صدر عن وكالة الأنباء العالمية “رويترز”، مقالا شبه مطول ، خُصّص للحديث عن وضعية التعليم بالمغرب في ارتباطه باللغة العربية الفصحى ، كلغة معتمدة في التدريس . ثم مدى تأثير ذلك على سوق الشغل و ما يعرفه من ركوض ، مقرون بنسبة البطالة الجد مرتفعة ، في صفوف الخريجين الجامعيين .

هـــذا المقال ، و هــذا الاهتمام ، من طبيعة الحال ، وروده في هذا الوقت بالذات ، لم يكن بلا سبب ، أو أنه جاء في وقت غير مناسب ، و إنما أتى بمناسبة الجدل القائم اليوم حول هذه المسألة ؛ مسألة استعمال اللغة العربية الفصحى ، كلغة تدريس ، و فرضية استبدالها باللغة الفرنسية ، خاصة فيما يتعلق بالمواد العلمية . و هو المقترح الذي يروّج له اليوم ، داخل أروقة البرلمان ، و الذي أحدث جدلا ، بين فريق موافق و آخر معارض .

و قد كانت المعطيات التي جاءت في أحد التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي بهذا الخصوص ، المنهل الأساسي الذي اعتمد عليه في صياغة هذا المقال . كما أنها هي نفسها التي ارتكز عليها المناهضين ، ضد اعتماد اللغة العربية الفصحى كلغة تدريس . حيث أجمعت أمرها على التأكيد ، من أن اللغة العربية ، هي السبب الرئيسي وراء ما يعرفه المغرب من أزمة في سوق الشغل ، كما أنها هي أيضا ، وراء ذاك الارتفاع الكبير لعدد العاطلين عن العمل .

فحسب التقرير/الحجة ، الشركات الموجودة على أرض المغرب ، خاصة كبرياتها ، جنسيتها تعود إلى الدولة الفرنسية ، كـــ”بوجو” و ” رونو”.. ولأنها كذلك ، فهي توفر العديد من فرص الشغل ، لا توفرها غيرها من الشركات الصغيرة و المتوسطة ، لكن من طبيعة الحال ، لا يمكن أن تقوم بتشغيل أفراد لا يتقنون لغتها الفرنسية .

فاستعمال اللغة العربية في التدريس بشكل أولي ، ثم اعتماد اللغة الفرنسية في التعليم الجامعي ، خاصة في المواد العلمية ، تضع الطالب أمام ارتباك ، سببه عدم إتقانه للغة الفرنسية . و أمام هذا ، و لأن التخصصات العلمية الجامعية ، بعد الحصول على شواهد ، هي التي تتيح إمكانية الحصول على عمل ، فإن الطالب يجد نفسه أمام خيارين ، إما أن ينقطع عن الدراسة ، و هذا هو الحاصل ، و إما أن يتبع تخصصات أخرى ، تدرس باللغة العربية ، لكنها لا تضمن بشكل كبير ، فرصة الحصول على عمل ما . ثم هناك خيار ثالث ، لكنه حكرا فقط ، لأبناء الأثرياء ، و هو الدراسة في المدارس و الجامعات الخصوصية ، من البداية إلى النهاية .

لكن هذه الحجج ، حتى و إن كانت صحيحة في أحد أوجهها ، فهي تبقى محدودة زمنيا . إذ أن صحتها ، تبقى مقرونة بعمر افتراضي ، لذلك المكون الاقتصادي ، الذي يتأثر بظروف الزمان و المكان ، و لا يستقر على حال من الأحوال مهما طال الزمان . و لا يمكن و الحالة هذه ، أن يتم اعتمادها و الاستناد إليها ، للقول بطمس لغة حية ، كانت في وقت ما ، مهد كل العلوم . و من رحمها تولد علم الخوارزميات ، و منها و بها أتى ابن سينا و ابن الهيثم و غيرهم من العلماء كثير .

ثم إن هؤلاء ، الذين ننتظر منهم اليوم ، أن يوفروا لنا فرص شغل ، حتى لا نذل أمام مذلة البحث عن لقمة عيش ، بأن نفرض على أنفسنا لغتهم ، و ليتنا فعلنا ذلك فقط و انتهى الأمر ، بل تعدّاه إلى الدرجة التي أردنا فيها أن نطمس لغتنا بشكل نهائي ، فقد كانوا في زمن تخلفهم ، يستجلبون و ينقلون علوم كل الحضارات ، و يجتهدون في ترجمتها إلى لغاتهم ، فأصبحوا على الحال التي نراهم عليها اليوم .

إن الفشل أو النجاح في السياسة و في التدبير و التسيير و الاقتصاد .. لم يكن في يوم ما بسبب اتباع أو عدم اتباع لغة معينة في التدريس و التعليم . أو أننا ، إذا ما غيرنا لغة بلغة أخرى مختلفة عنها ، سنضمن لأنفسنا النجاح و التوفيق و القضاء على البطالة و الأمية التعليمية . فكم من تجارب عالمية ، أثبتت عكس ذلك . و إلى وقت قريب ، كانت هناك دول بعينها ، ترزح تحت نير التخلف ، لكنها أصبحت في وقت وجيز ، في مصاف الدول المتقدمة . و هذا ، لم يتأتى بسبب أنها استبدلت لغتها بلغة أخرى ، لكنه أتى حينما أتى الرجال المناسبين في الأمكنة المناسبة .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)