أزمة الثقافة بين تخلف المثقفين وتدني النخب السياسية

29 أبريل 2019 - 12:24

لا يخفى على أي أكاديمي أو فاعل اجتماعي يشتغل داخل حقل الثقافة في عالمنا العربي، أننا نعيش أزمة ثقافة، وبطبيعة الحال، فالثقافة الهشة تنتج أنصاف المثقفين وأرباع المثقفين، على أي، ليس هناك مثقف مثالي، ما معنى أن تكون مثقفا؟ كيف يساهم رجال الثقافة في صناعة الواقع وتغييره إلى الأفضل؟ هل نحن بحاجة إلى السياسي أم المثقف لتسوية الأوضاع العربية؟ هل ما نعيشه من تخلف وتدهور على كل المستويات هو نتاج تخلف المثقفين أم تدني النخب السياسية؟

تعد الثقافة من بين المفاهيم الجديدة، التي غالبا ما كانت مرتبطة بكلمة حضارة، فمثلا نجد في التعريف الجامع والشافي للثقافة؛ وهو تعريف إدوار تايلور الذي يقول بأن الثقافة هي” ذلك الكل المركبالذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الانسان باعتباره عضوا في المجتمع”، انطلاقا من هذا التعريف الذي قدمه تايلور للثقافة، سنكتشف أنها تعبر عن شمولية الحياة وتداخل مجالاتها، فالمثقف إذن يستطيع أن يؤثر في مجتمعه ويساهم في تطوره من خلال رؤاه الشمولية والتي غالبا ما تتصف تلك الرؤية بحد معقول من المصداقية نظرا لاستخدام المثقف لأدوات فعالة لبناء معرفته عن الواقع؛ هذه المعرفة حتما أنها ذات صبغة علمية، وستكون المعرفة أكثر واقعية إن كان هذا المثقف واعيا بثقافته، مدركا لقصورها، دارسا لعلوم مختلفة حتى يتمكن من بناء رؤية نسقية، بعيدا عن المثالية الزائدة، وعن الرؤية الضيقة محدودة الأمد؛ من هنا ينبغي أن نعير اهتمامنا بالشخص المثقف ونمنحه المكانة التي يستحقها، أخدين بعين الاعتبار أن الاختلاف رحمة؛ فربما كان اختلاف الطروحات نوعا من الشطط الذي عاشه العالم العربي في فترات مختلفة من الزمن؛ تلك الطروحات التي غالبا ما كان مصدرها، إما الطرح المحافظ؛ الذي ينطلق من تراثنا الإسلامي ومنغلق في حدوده، وفي مقابله نجذ الطرح المتخذ من الغرب مرجعية يتبانها بتفاصيلها الدقيقة؛ وهذا التيار غالبا ما يحدث نوعا من القطيعة مع تراثنا الإسلامي ومع ثقافتنا المحلية؛ هذين التيارين هم الأبرز في عالمنا العربي؛ وقد نذهب بعيدا ونحمل تخلفنا لرواد هذين التيارين، ولكن هل من العدل أن نقول لهم أنتم سبب التخلف؟ أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى القول بأن كل فرد في مجتمعنا مسؤول عن تخلفنا؟

بطبيعة الحال، هناك أسباب كثيرة وراء تخلفنا، سنذكر في هذا الصدد، سببين رئيسين: السبب الأول هو وجود نخبة مثقفة لا تقوم بدورها على مستوى التأطير والتوجيه والبناء الثقافي، أما السبب الرئيسي الثاني، هو تدني النخب السياسية، بحيث تجد أشخاص لهم نفود وسلطة، وليس لديهم علم ولا معرفة بالحياة، بل لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن أشياء تؤهلهم للقيام بمهامهم على أحسن وجه، لذلك من الضروري، أن يكون كل فرد مدركا لقدراته ولإمكاناته الذاتية وواعيا بما يقوم به وما ينبغي أن يقوم به، بحيث تكون المسافة بين ما نحن عليه وما نأمل أن نصل إليه قصيرة، نكون حينئذ قد قطعنا أشواطا في التميز الشخصي، لذلك فكل فرد فينا مسؤول بطريقة أو بأخرى في ما نعانيه من تخلف وتأخر على مختلف الأصعدة والمستويات، ولابد أن يكون اختيارنا للنخب السياسية اختيارا جادا حتى نحصل على نتائج مرضية على مستوى الإدارة والتسيير، فالذي لا يستطيع إدارة شؤونه الذاتية بكفاءة، فلن يستطيع إدارة شؤون العامة بكفاءة، لذلك فمن الواجب علينا كأشخاص فاعلين داخل حقل السياسة والاقتصاد والاجتماع، ألا نشجع التفاهة مهما كانت أغراضنا منها، لأننا سنجي نفس النتيجة معا، ولن نستطيع تحقيق لا التميز الشخصي ولا الجماعي.

ومن الضروري بمكان معرفة الفرق بين التخلف الفردي والجماعي، إذ لابد من إدراك الفروق بينهما، فالتخلف بشكل عام هو ظاهرة حضارية، نتيجة لتقاعس فئات كبيرة من المجتمع؛ وهنا يلزمنا الحديث عن التخلف الفردي والجماعي؛ وأي هما يشكل خطرا على مجتمعاتنا؟، فالتخلف الفردي هو عجز المرء عن رؤية المستقبل وتخيله ورسم صورة واضحة عنه، ومن أعراضه؛ أن المصاب به، يحمل فشله وتعاسته وعدم إنجازه للآخرين، ويكون مشتكيا من الدرجة الأولى، ويحمل تخلفه لأشخاص غير معنيين بفشله وتقاعسه، أما التخلف الاجتماعي فهو إشكالية كبرى ينبغي أن نستكشفها وندرك تجلياتها في الواقع المعيش، وهو نتاج لمنظومة من الأفكار والمعتقدات والقيم والرموز التي غالبا ما تكون مرتبطة بالجهل والفقر، هذه المنظومة لها مبرراتها ودواعي الانتشار والتكاثر، فالتخلف قد يكون مقصودا من جهة ما لتقزيم جهة معينة أو أشخاص ما، ولكي نكون منصفين في طرحنا، لابد من تبيان خطر التخلف الاجتماعي؛ وهو فعل تمارسه الدول العظمى على الدول السائرة في طريق النمو، أو المنظمات الكبيرة على المنظمات الناشئة، يمارس لأغراض تجارية وسياسية واقتصادية، ويستعين هؤلاء الذين يمارسون هذا الفعل الشنيع بخبرة الخبراء من مختلف التخصصات، وقد يمررنه من خلال الماركات التجارية أو من خلال السلع والخدمات الجديدة التي صارت تسهر عليها الشركات المتعددة الجنسيات، لهذه الأسباب وغيرها، نحن بحاجة إلى مثقفين أفذاذ، لا يهمهم المال ولا المنصب، همهم الوحيد هو تنوير الشباب وفتح الآفاق لهم، ومنحهم ما يكفي من الخبرة والتجربة لإدارة شؤونهم الذاتية ولتجاوز كل نتائج التخلف الجماعي صغيرها وكبيرها، فالشباب قادر على مواجهة كل العقبات إن كانت الأمور والأشياء بزمامه.

* مدرب متخصص في تطوير الذات

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

لحاق

تابعنا على