https://al3omk.com/415051.html

مفهوم الدولة عند مكيافيللي

تمهيد:
يعتبر ميكيافلي من الفلاسفة الذين اهتمو كثيرا واشتغلوا على الاصلاح الفكري في ايطاليا وهو من الشخصيات الذين كان لهم دور في اعادة الاعتبار الى الانسان الايطالي. الذي كان يعش نوعا من الفساد السياسي والاجتماعي ؛ حيث انه اهتم كثيرا بدراسة الدولة حيث ارد ان يستقل بالسيايسة وانظمة الحكم بعيدا كل البعد عنو القيم الاخلاقية ،حيث يرى ان الغرد من انشاء الولة هو الحفاظ عليها بمختلف الوسائل، فالمهم هو وجود الدولة باعتبارها غاية في حد ذاتها.
وعليه إشكالية هذا الفصل ستدور حول التصور المكيافيللي للدولة ، و من أجل دراسة هذا التصور قسمت هذا الفصل إلى محورين ، دراسة لشخصية مكيافيللي في محور أول ، و دراسة لمفهوم الدولة عند مكيافيللي في محور ثان .
المحور الأول : دراسة لشخصية مكيافيللي
المبحث الأول : نبذة عن حياة ميكيافيللي
يعتبر نيكولو مكياڤللي Niccolò Machiavelli، فيلسوفا سياسيا إيطالي و من أبرز رواد الفلسفة السياسية إبان عصر النهضة . ( ولد بـفلورنسا ، سنة 1969 و توفي فيها ، سنة 1927 (و قد أصبح الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبح فيما بعد عَصب دراسات العلم السياسي.
ولد مكيافيللي من أبوين منحدرين من أسرة توسكانية عريقة. وكان والده محاميا من النبلاء ، ولم يتلقى ميكيافيلي تعليماً واسعاً لكنه أظهر ذكاءا مفرطا و نظرا ثاقبا و نباهة قوية . وقد اتبع في بداية الأمر رجل الدين والسياسي الإيطالي ” سافونارولا” الذي كان ينتمي إلى نظام الرهبان الدومينيكان والذي كان قد مُنح لقب خادم الرب، كما كان يخاطِب داعياً الشباب الإيطالي إلى التمسك بالفضيلة ، لكن مكيافيللي لم يلبث أن ابتعد عنه ؛ بحكم سعي هذا الأخير نحو إقرار مبدأ فصل الدين عن السلطة بجعل مدينة ” فلورنسا ” جمهورية.
و مع أن القليل الذي دُون عن فترة شباب مكيافيللي، إلا أن ما يوضح لنا الصورة التي عاشها مكيافيللي أثناء شبابه هو ما يعرف عن فلورنسا في تلك الحقبة ، حيث وُصفت على أنها مدينة ذات نمطين مختلفين من الحياة ، واحدٌ مُسَير من قبل المتشدد الراهب سافونارولا، والآخر من قبل دي مديتشي. و عليه لابد أن يكون تأثير سافونارولا على مكيافيللي الشاب دون أي تأثيرٍ يُذكر، إلا أنه مع تحكم سافونارولا بأموال فلورنسا، فقد أوجد لمكيافيللي مادة في كتابه الأمير عن النهاية المأسوية للنبي الغير مسلح . أما عن روعة حكم ” المديتشيين ” إبان عهد لورنزو العظيم فقد كان ذا أثرٍ ملموس على الشاب، حيث أشار عدة مرات إليهم، وتجدر الإشارة إلى أن كتابه الأمير قد أُهدي إلى حفيد لورنزو (وهذه من الطرائف عند الحديث عن هذا الشاب حيث كان والده وجده من المعارضين لحكم المديتشيين (.
ويعطينا كتابه ، تاريخ فلورنسا، صورة عن الشباب الذين قضى معهم فترة شبابه ، حيث يقول: ” لقد كانوا أحراراً أكثر من آبائهم في ملبسهم وحياتهم، وصرفوا الكثير على مظاهر البذخ، مبذرين بذلك أموالهم ووقتهم طمعاً بالكمال، واللعب، والنساء. لقد كان هدفهم الرئيس هو أن يبدو الشخص فيهم بمظهرٍ حسن وأن يتحدث بلباقة وذكاء، وقد أُعتبر من يجرح الناس بذكاء أحكمهم كما ذكر . ” وفي رسالة لابنه ” غويدو “، يظهر مكيافيللي ضرورة أن تُستغل فترة الشباب بالإنكباب على الدراسة ، وهذا ما يقودنا إلى الإعتقاد بأنه قد انشغل كثيراً إبان شبابه. ويقول مكيافيلي: “لقد تلقيتُ رسالتك، والتي منحتني شعوراً عظيماً بالسعادة، خصوصاً وأنك استعدت عافيتك، ولن يكون هناك خبرٌ أجمل من هذا. فقد وهبك الرب ووهبني الحياة، وآمل أن أصنع منك رجلاً كفؤً إذا ما كنت مستعداً لتقوم دورك.” ومن ثم يُكمل: “سوف يكون هذا جيداً لك، ولكنه واجبٌ عليك أن تدرس، حيث لن يكون لك العذر في أن تتباطأ بحجة المرض، واستغل ألمك لدراسة الرسائل والموسيقى، حيث سيبدو لك الشرف الذي يكون لي بامتيازي بمثل هذه المهارة. إذن، بُني، إذا ما أردت إسعادي، وأن تجلب لنفسك الشرف والنجاح، قم بالمطلوب وادرس، لأن الجميع سيساعدونك إذا ما ساعدت نفسك “.
 جانب من حياته في المنفى :
اعتمد مكيافيللي أثناء حياته في منفاه الريفي على دخل بسيط من ممتلكاته التي توجد في بعض الضواحي. وكان يستيقظ مبكرًا ويخرج إلى الغابة يتحدث للحطابين ويتبادل معهم الأقاويل والشائعات ثم يذهب إلى أحد التلال وحيدًا ، و فيما بعد يمضي إلى الحانة فيتحدث مع الطحان والقصاب وبعض البناءين، ويقضي معهم طيلة فترة الظهيرة يلعبون الورق والنرد ويتشاجرون على دراهم معدودة. وعندما يأتي المساء يعود للمنزل ويغير ثيابه الريفية التي عادة ما تكون قد أصابتها الأوساخ والقاذورات أثناء جولته. ويرتدي ملابس البلاط والتشريفات لكي يكون في صحبة من أحبهم ويدخل إلى مكتبته الخاصة. كان يعتبر ذلك هو حياته الفعلية وكان خلال ذلك الوقت يدون ملاحظات في كتاب صغير أسماه “الأمير”.
مناصبه في الدولة* .
اختير ميكيافيللي عام 1498م سكرتيراً للمستشارية الثانية لجمهورية فلورنسا التي تشرف على الشؤون الخارجية والعسكرية وكان يبلغ من العمر آنذاك 29 عاماً، وفي عام1500 انتهى ميكيافيللي من أولى بعثاته الدبلوماسية إلى فرنسا حيث قابل الملك لويس الثاني عشر. أما في عام 1502 أنهى ميكيافيللي بعثته الدبلوماسية التي زار خلالها قيصر بورجيا والتي شهد خلالها سقوط بورجيا من السلطة عقب وفاة والد القيصر البابا الإسكندر السادس. عاد ميكيافيللي إلى فرنسا مرة أخرى عام 1504م، وفي عام 1506 أرسل ميكيافيللي في بعثة دبلوماسية إلى البابا يوليوس الثاني وعام 1507قام بأولى بعثاته إلى الإمبراطور ماكسيميلان. وقد بقي ميكيافيللي في منصبه كسكرتير للمستشارية الثانية مدة لا تقل عن 14 عاماً حتى سجن في فلورنسا عام 1512؛ وذلك كلن عقب عودة أسرة ميديشي إلى الحكم في فلورنسا والإطاحة بجمهورية سودريني ، وقد نزل قرار بإعدامه عام 1513 إلا أنه نجا بأعجوبة من تلك العقوبة ولكنه طرد من عمله ، وهنا اصطدمت الأقاويل فيما إذا كان قد نفي إلى مدينة سان كاسيانو أم أنه لجأ إليها ، ولكن ما تم تأكيده هو أنه بقي في مقره الريفي في سانت أندريا حيث بدأ كان قد انتهى من كتابه الأمير.
و ماتجدر الإشارة إليه أن الفترة الأخيرة من حياة مكيافيللي الرسمية كانت مليئة بالأحداث مُوجهة غالباً من قبل” تحالف كامبري”، والذي تم سنة 1508 بين ثلاثة قوى أوروبية جرى ذكرها بالإضافة إلى البابا لهدف سحق الجمهورية الفينيسية، والذي نتج عنها خسارة البندقية (فينيسيا) في يوم واحد لما كسبته في ثمانممائة عام. وقد واجهت فلورنسا وقتاً عصيباً في خضم هذه الأحداث المعقدة، لا سيما عندما نشب النزاع بين البابا وفرنسا. وفي 1511، قام يوليوس الثاني بالإعلان عن التحالف المقدس ضد فرنسا، وبمساعدة سويسرا تم إبعاد فرنسا عن إيطاليا، ورضخت فلورنسا لشروط البابا بعد أن كانت تخضع لفرنسا، وإحداها أن لعائلة مديتشي الرجوع للسلطة. وعندما تم ذلك في الأول من سبتمبر، من عام 1512 لحقه سقوط الجمهورية، وإقصاء مكيافيلي ومن معه عن العمل، وتوفي مكيافيلي دون أن يرجع لمنصبه.
عموما ، يمكن تقسيم فترة حياته إلى ثلاثة أجزاء كلها تمثل حقبة مهمة من تاريخ فلورنسا، حيث عاصر في شبابه وطور نموه ازدهار فلورنسا وعظمتها كقوة إيطالية تحت حكم ” لورنزو دي مديتشي”، وسقوط عائلة مديتشي في عام 1494، من ثم دخول مكيافيللي في الخدمة العامة، و تحررت فلورنسا خلالها وأصبحت تحت حكم جمهورية فلورنسا ، والتي استمرت لعام 1512، بحيث استرجعت عائلة مديتشي مقاليد السلطة، وخسر ماكيافيللي منصبه. وحكمت عائلة مديتشي حتى عام 1527، ثم تم إجلاءهم عن المدينة في 22 يونيو مرة أخرى، وحينها كانت الفترة التي تمخضت عن نشاطات مكيافيللي ومؤلفاته، ولكنه توفي، عن عمرٍ يناهز الثامنة والخمسين قبل أن يسترجع منصبه في السلطة.
و من خلال ما سبق ، يتضح جليا أن مكيافيللي لم يكن مجرد كاتب أو فيلسوف أو صاحب نظرية، بل إنه كان مشتركًا بقوة في الحياة السياسية المضطربة وغير المستقرة التي مرت بها مدينة “فلورنسا” في الفترة التي عاش فيها.
و أخيرا ، توفي مكيافيللِي بعدما داهمه المرض ، بعد أيام من عودته إلى فلورنسا عام 1527، حيث كان يأمل في الحصول على منصب سياسي بعد طرد عائلة مديتشي من فلورنسا مرة أخرى، وتم دفنُه بكنيسة «سانتا كروتشي» التي كان ممنوعًا من دخولها في السنوات الأخيرة من حياته.

المبحث الثاني : مؤلفاته السياسية و منهجه الفلسفي
المطلب الأول : المؤلفات السياسية لمكافيللي.
إن الظروف العسيرة و الجو السياسي المصحوب بالتناقضات و الصراع الذي عاشه مكيافيللي جعله يكتسب خبرة سياسية كبيرة و هامة ، فخلف بذلك مكيافيللي ثروة أدبية وفكرية هائلة جدا في شتى المجالات يُقدر عددها نحو الثلاثين كتاباً. أهمها :
أولا: كتاب الأمير ، شرع فيه سنة 1513 و تأتي أهمية كتاب «الأمير» التاريخية من كونه بداية من بدايات وضع أساس فكر سياسي إنساني بعيد عن الدين ودون تدخل من الكنيسة، وتعتبر مقولة مكيافيللِّي الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة» هي المبرر لكثيرٍ من الأفعال القمعية للأنظمة الحاكمة التي اتبعت أسلوبه في فرض السيطرة على الشعوب، ولكن على الجانب الآخر كان مكيافيللِّي حريصًا على وحدة إيطاليا، وطالب بأن تكون دولة وطنية حرة، خالية من الصراعات الإقطاعية القاتلة. لذا يُبرر بعض المحللين رؤيته التي تسمح باستخدام كل الوسائل في الصراع السياسي للوصول لهدفٍ نبيل، بأنها نابعة من صراعات عصره الذي يختلف عن العصور الديمقراطية التالية له ؛نرى أن هذا الكتيب لقد تعرض الكتيب للعديد من التغيرات قبل أن يستقر على الشكل الذي هو عليه الآن. ولسببٍ ما تم إهداء الكتاب ” للورينزو الثاني دي ميديشي “، مع أن مكيافيللي ناقش ” كازافتشيو ” إذا ما كان من الأفضل إرساله أو عرضه شخصياً، إلا أنه لم يثبت أن لورنزو قد استلم الكتاب أو حتى قرأه، وبطبيعة الحال لم يقم بتوظيف مكيافيللي. ولم يقم مكيافيللي بنشر الكتاب بنفسه، وقد اختلف فيما إذا كان النص الأصلي للكتاب لم يتعرض للتحريف، إلا أنه قطعاً تعرض للسرقة الأدبية.
وختم مكيافيللي رسالته إلى ” فتوري ” قائلاً:
” وبالنسبة لهذا الكتاب الصغير، عندما يُقرأ ، فسيترائ لقارئه أني لم أنم أو أتكاسل في دراسة فن السياسة و إدارة الدولة طوال الخمسة عشر عاماً التي قضيتها متنقلاً بين الملوك، وعليه الرغبة في أن ينهل من خبرة هؤلاء”.
وقبل أن يُنهي مكيافيللي كتاب” الأمير ” بدأ مطارحاته بالكتابة عن العقد الأول لتايتوس ليفيوس، والذي يجب أن يُقرأ تزامناً مع الأمير.
ثانيا : المطارحات ، و سمي أيضا كتاب الأحاديث عن العشرة الكتب الأولى ، شرع فيه سنة 1513 و انتهى منه سنة 1517 ، و قد أهداه إلى ” وسانوبي ” ، قائلا له : ” أبعث إليك أعظم هدية أقدمها لك لأنها تشمل كل ما تعلمته بالتجربة الطويلة المستمرة ” و هذه المطارحات قد كتبها في منفاه و قد قسمه إلى ثلاثة أقسام هي : القسم الأول : تحدث فيه عن الوقائع التي يرى بأنها جديرة بالتعليق بالنسبة إلى خصائها العامة و القرارات التي اتخذها الرومان في شؤونهم الداخلية . القسم الثاني :تحدث فيه عن الإجراءات التي اتبعها الشعب الروماني لتوسيع إمبراطوريته . أما القسم الثالث : فقد خصه عما أسهمت به بعض أعمال الرجال في عظمة “روما” و ما حققته من نتائج نافعة . و هذه “المطارحات” قد جمعت أدب القدماء و قوانينهم و طباعهم .
ثالثا : رسالة في فن الحرب ، بدأ تأليفه سنة 1518 أعلن فيه عن دول و قوات و شرائع السلطة العسكرية . و إن كتاب “فن الحرب” لنيقولا مكيافيللي هو واحد من الكلاسيكيات الكبرى في العالم من الناحية النظرية والعسكرية والسياسية وقد أشاد به خيرة العقول العسكرية في التاريخ كما أثر في عظماء كثيرين منهم ” فريدريك الكبير” و “نابوليون” و “جيفرسون” و”فولتير” ، و أيضا “شكسبير”، ويمثل “فن الحرب” قراءة أساسية لأي شخص يريد أن يفهم تاريخ ونظرية الحرب في الغرب.
رابعا :تاريخ فلورنسا ، بدأ تأليفه سنة 1520 بطلب من أكاديمية فلورنسا و التي كانت تحت رعاية الكاردينال ميديشي ، و هو يعرض تاريخ فلورنسا في ثمانية مجلدات بذكر المصاعب التي مرت منها .
و عليه نستنتج أن مكيافيللي قدم مجموعة من الكتب التي تقدم الزخم المعلوماتي الناتج عن الضغط السياسي الذي عاشت فيه إيطاليا .

المطلب الثاني : المنهج الجديد عند لمكيافيللي في السياسة:
يذهب الكثير من المفكرين السياسيين بأن لميكيافيللي دور هام في تطور الفكر السياسي، حيث أنه أسس منهجا جديدا في السياسة ، بأفكار تبشر بمحاولات لتجاوز الفكر الديني ، فنقطة التحول هذه لتجاوز السلطة الدينية التي كانت سائدة في الفكر السياسي الأوروبي في القرون الوسطى أُعقبت بتحولات أخرى أكثر جدية من طرف “فولتير” و “مونتسكيو” و”جون لوك” و ” جون جاك روسو ” وغيرهم من المفكرين التنويريين الليبراليين. وهكذا كان ميكافيللي نقطة تحول هامة في تاريخ الفكر السياسي…
فقد حاول مكيافيللي إتباع منهج جديد مختلف عن مناهج من سبقوه، فعلى الرغم من دراسته للمنطق والفلسفة ، إلا أنه أهمل مبادئها إهمالا تاما وركز على التاريخ ، فقد كانت خلاصة فكرته الرئيسية بأن أفعال البشر تؤدي إلى نفس النتائج دوما ، فحاول الربط بين الأسباب والنتائج والدراسات التحليلية المستمدة من التاريخ ، وعلى ذلك كان أسلوب ميكافيللي في البحث هو : – الاستعانة بالتاريخ لاستقصاء الأحداث ومعرفة نتائجها وارتباطها وإمكانية تكرارها ، أي محاولة التنبؤ بالمستقبل .. – محاولة وضع تعميمات في حالة تكرار الأحداث للوصول إلى قواعد عامة توضع أمام الحكام لتسهيل مهمتهم وتساعدهم على تبني مواقفهم .. – البحث عن إمكانية التدخل في الأحداث مسبقا بعد معرفة أسبابها ومحاولة تحديد السلوك الواجب إتباعه لمواجهة الأحداث..
ومن هنا نرى بأن أسلوب ميكافيللي يبين مدى شغفه بالتاريخ وكثرة استخدامه للأحداث التاريخية للتدليل على صحة أفكاره – كما في كتاب فن الحرب وغيره من الكتب – وبذلك يعتبر ميكافيللي أحد مؤسسي طريقة التحليل التاريخي الحديث .
المحور الثاني : مفهوم الدولة عند مكيافيللي .
المبحث الأول : أنظمة الحكم و موقف مكيافيللي منها .
إن مكيافيللي في حديثه عن أنظمة الحكم لم يتحدث عن المدن التي كانت منذ مستهل عهدها خاضعة لسلطة مدن أخرى و إنما حصر حديثه عن المدن التي كانت تحكم طبقا لرغباتها وحدها بعيدا عن أية عبودية خارجية ، و لما كانت هذه المدن تختلف في منشئها فقد اختلفت أيضا في قوانينها و مؤسيسها ، كما حدث هذا في ” إسبارطة ” ، و عموما فالحكومة الراقية هي تلك الحكومة الشعبية التي تخرج من رحمهما حكيما يستطيع أن يعيش الناس بوجوده في استقرار و مأمن في ظل القوانين القوانين التي يضعها لها ، أما أتعس الحكومات فلاشك أنها تلك التي أخطأت منظماتها طريق الصواب الذي يقودها إلى مصيرها الصحيح ، و حصر أنظمة الحكم في النظم التالية :
أ ـ حكومة الطغيان : تشكل هذه الحكومة عن طريق تجمع الناس و اقترابهم ببعضهم البعض و حرصا منهم على تحسين وسائل الدفاع عن أنفسهم ، شرعوا يتطلعون إلى رجل قوي شجاع بكل معاني القوة و التفضيل ليكون مركزا لهذا الجمع ، الجمع الواحد ، و عندما أخذوا يبحثون عن أمير لاختياره ، لم يكونوا يبحثون عن الأكثر شجاعة كما كان سائدا من قبل ، و إنما شرعوا يبحثون عن أكثرهم حكمة و عدالة ، و عندما بدؤوا في قبول الأمراء بالوراثة بدل انتخابهم ، شرعوا يهجرون أعمال الفضيلة معتبرين أن غاية الأمراء هي أن لا يعملوا شيئا سوى التفوق على الآخرين في الإنفاق و الإقبال على الشهوات مما أدى إلى تركيز الكراهية على الأمراء الذين يلجئون إلى الخوف متى أحسوا بكراهية الناس لهم مما يؤدي بهم إلى أعمال العنف التي تنتج هذا الحكم المتمثل في حكومة الطغيان ، فيكون هذا الحكم في وقت قصير كما تكون هذه النقلة النوعية بمثابة انهيار و أفول الحكم ، و مصدرا لسقوط الأمراء ، فتحمل بذلك الجماهير السلاح من أجل التمرد بتحريض من هؤلاء الذين ينطبق عليهم تعبير الرئيس الفرد .
فبذلك يمكن القول أن هذه الحكومة نتيجة طغيان الأمراء الموالين للحكم عن طريق الوراثة ، بحيث تغير مبدأهم الداعي للعدالة إلى العمل من أجل التفوق على الغير في الإسراف و اتباع الشهوات ، بعيدا كل البعد عما قام به أسلافهم السابقون في حكمهم العادل ، و يمكن أن نستشهد هنا بنظرية بن خلدون في حديثه عن أطوار الدولة ( طور التأسيس – طور الانفراد بالملك – طور الفراغ و الدعة – طور القنوع و المسالمة – طور الإسراف و التبذير ) ففي الطور الأخير أي طور البذخ و التبذير حيث يكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفًا لما جمعه أسلافه في سبيل الشهوات والملذات والكرم على بطانته ، فيكون مخربا لما كان سلفه يؤسسون، وهادما لما كانوا يبنون وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا برء منه إلى أن تنقرض ، ويرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان، ولهذا تنهار الدولة سياسيًا واقتصاديًا.
ب ـ الحكومة الألوليجاركية : حكومة الأقلة التي تهمل فيها الحقوق المدنية ، و هي شبيهة لحكومة الطغيان ، و ذلك راجع إلى الحكم الذي كان قائما على الطغيان و الاغتصاب و الاحتقار ، فيكون الحكام طاغية مستبد ، و لما كانت ذكريات الأمير ما تزال مئلة في عقول هذه الجماهير ، و لما كانت معايبه و مخازيه لا تزال حديثة العهد في وعيهم ،وعندما يحصونا على حكم القلة فانهم يظهرنه بكل وضوح الى نظام اخر الى وهو حكم الشعب الديمقراطي . ومن هذا نرى ان المجتمع يرفض كل عوامل الهشاشة و إهمال الحقوق المدنية للقلة ، الأمر الذي يدعو للبحث عن حكومة عادلة يغيب فيها البطش .
ج ـ الحكومة الديموقراطية: حكومة تتميز بحسن التنظيم ، و تحظى بالاحترام من طرف الشعب ، غير أن هذا الاحترام لا يدوم طويلا ، بحيث سرعان ما تسود الفوضى و لا يظهر ثمة احترام للفرد و لا للموظف ، فتعود الفوضى من جديد بعدما كان الهدوء و السكينة سائدين ، فتعود الإمارة إلى الحكم رغبة في الخلاص من الفوضى التي وقعت ، و تعود الحلقة من جديد مرحلة مرحلة على النحو الذي وصلت إليه حتى تصل إلى الفوضى ثانيا ، تحقيقا لمبدأ الدور التاريخي ، هذه هي الحلقة التي تمر بها جميع الحكومات سواء كانت مستقلة في حكمها تحكم نفسها بنفسها أو تابعة لحكم أجنبي ، كما أن هذه الحكومات لا يمكن لها أن تعود إلى نفس الحكومة من قبل و ذلك أنه ما يحدث عادة هو أن هذه الحكومات تفتقر في هذه الحالة التي يسودها الحرج ، فهي تسعى إلى أن تغدو تابعة إلى دولة مجاورة منها تنظيميا .
إن أشكال الحكومات التي تطرقت لها ، و التي شرحها مكيافيللي في كتابه المطارحات ، ليست من النوع المطلوب أبدا و ذلك لأن الحكومات الطيبة تكون قصيرة الأمد ، بينما عمر الحكومات السيئة يكون طويلا ، و هذا هو السبب الذي يحصل للمشرعين العقليين الذين يعرفون معايبها على الامتناع من تبني أي شكل من أشكال هذه الحكومات و الاختيار البديل عنها يتمثل في الشكل الأكثر قوة و ثباتا إذ لو وجه حكم الأمراء و النبلاء و الشعب في دولة واحدة لاحتفظ كل من هذه الفئات لنفسه بحق مراقبة الفئتين الأخريين .
عموما ، إن هذه الحكومة الديموقراطية هي الاختيار الأسمى و الأفضل لقيادة مجتمع نحو التقدم و الرقي ، و كان قد أشاد مكيافيلي بالنظام الجمهوري لأنه لا يعترف إلا بمظهرين من مظاهر الحكم هما : الملكية و الجمهورية ، و يعود سبب تفضيله للحكم الجمهوري على الملكي لأن النظام الجمهوري يقوم على الحرية التي بدونها لا تستطيع الدولة أن تنمو ثرواثها ، ورفضه النظام الفردي المطلق الذي يقيد الحريات و لا يخدم إلا المصالح الخاصة للحاكم .
و في مقارنته بين النظامين تنبه مكيافيللي إلى المسائل التالية :
o النظام الجمهوري يمتاز بحساسيته السياسية و قابليته للتطور عكس النظام الفردي الملكي الذي يتصف بابجمود و الثبات و محاربته لكل جديد .
o الحكم الجمهوري يفتح المجال أمام الكفاءات و يحقق المساواة ، و النظام الملكي باعتماده على مبدأ الوراثة يتنافى مع الدالة و المساواة كما أنه لا يحترم الكفاءات .
o الحكم الجمهوري الشعبي أكثر احتراما للاتفاقيات و المعاهدات الدولية ، إذا وجد أن المصلحة الخاصة تتضرر حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بمصالح شعبه .
و على الرغم من كون مكيافيللي يفضل النظام الجمهوري على النظام الملكي إلا أنه بقي على فكرته المعادية للأرستقراطية و النبلاء ، ففي نظره هؤلاء عالة على المجتمع ، همهم الوحيد هو جمع المال و زيادة ثروثهم على حساب الناس .
و هكذا ، نجد أن النظام الملكي عقبة في تقدم الشعوب خلافا للنظام الجمهوري الذي يسمح بتطورها و تقدمها .
المبحث الثاني : اساس الدولة عند مكيافيللي .
المطلب الأول : إقرار مبدأ السيادة المطلقة للحاكم .
تؤكد النظرية المكيافيللية على وجوب اتسام الأمير بمبدأ القوة ليصل إلى نجاح حكمه ، لذا عليه أن يتقن فن الحرب بطريقة الحيوان ، روغان الذئب و مكر الثعالب و استبداد الأسد ، فالأمير يلزمه تقليد الثعلب و الأسد ، إذ أن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الاشتراك ، و لا الثعلب يستطيع حماية نفسه ضد الذئاب ، بل التظاهر بهما يكفي لفرض قوته و هيمنة سلطته ، فنجاح الحاكم يتوقف على مروءته و جرأته و على شخصيته ليحقق مصلحته و المصلحة العليا لإمارته ، فقد يرتكب بعض الجرائم السياسية و يبعث الرهبة في قلوب البشر ، من أجل فرض قوته و هيبته ، لهذا وجب على الأمير أن تكون له قوة الأسد و مكر الثعلب .
يرى مكيافيللي بأن السيادة تستمد سلطتها من الدولة نفسها ، و هي سيادة غير قابلة للتنازل ، غير قابلة للتجزيء و التقسيم ، سيادة مطلقة .
– السيادة غير قابلة للتنازل : إن السيادة تكمن في تطبيق إرادة الحاكم على القوة المشتركة بينهما من أجل بقاء و حفظ الدولة ، أما كون السيادة غير قابلة للتجزيء معناه أن السيادة واحدة في يد شخص واحد و هو الحاكم ، لا تقبل التنازع ، تخضع لمبدأ الجمع الواحد ، جمع متجانس كل خروج عنه يعد خللا في هذا الجمع ، أما كون السيادة مطلقة فيعني التركيز على الطابع المطلق لهذه السلطة السياسية سلطة الدولة ثم ينتهي بفرض الحدود التي لا يمكن تجاوزها ، فهي سيادة ذات حرمة لا يجوز انتهاكها لأن انتهاكها ضرب في هذا الجمع ضرب في وحدة الدولة ، و مادامت سلطة تتمي بهذه الخصائص فلابد لها من امتلاك القوة ، قوة شاملة تفرض كل شيء ، مهما اختلفت الوسائل مادامت الغاية محققة ، غير أن الفارق بين السيادة التي سأتطرق لها في الفصل الثاني و هذه السيادة التي تطرق لها مكيافيللي ، هو كون هذه السيادة لا تستمدها الدولة من الشعب .
و لهذا فقد عني مكيافيللي بتدوين أهم الوسائل التي تحقق قوة الدولة و تحافظ على بقائها ، و كذا تمكنها من توزيع سلطانها في الخارج ، لهذا كان ينصح الأمير باستخدام القوة في الداخل و الخارج ، فهي التي ستقيم له حكمه و سلطانه ، فسياسة الأمير مع رعيته و سياسته الخارجية ، أي علاقته مع الأمراء الأجانب لابد أن تكون قائمة على هذا المبدأ ، مبدأ القوة .
المطلب الثاني : إقرار مبدأ فصل الأخلاق عن السياسة .
إن النظرية الميكيافيللية في كتاب ” الأمير ” تقوم على مبدأ الفصل بين الأخلاق و السياسة ، ذلك أن مكيافيللي من خلال مؤلفه هذا أجاز للحاكم أن يتنكر لمبادئه الاخلاقية للوصول للحكم و الاستبداد بالسلطة و الاحتفاظ بدولته ، فالأمير حسب مكيافيللي رجل دولة لا رجل أخلاق أو رجل دين ، كان هدفه توحيد إيطاليا الممزقة بالقوة بالعنف ، فلايمكن الحديث عن الوحدة القومية بدون القضاء على الفساد الأخلاقي و الديني الذي انتشر في إيطاليا في تلك الحقبة ، لهذا قرر أن مسائل الدولة و مشاكلها لا يمكن أن تخضع لقيم جوفاء أو تدور في محراب اللاهوت اللاواعي كما أن مكيافيللي كان أول من رفع شعار ” الغاية تبرر الوسيلة و هذا واضح من معالم فكره ، فإذا ماكانت غاية الحاكم المحافظة على حكمه ، فإن له أن يستعمل كل الوسائل التي تضمن له ما يريد بغض النظر عن مشروعيتها ، و بهذا فالغاية من نشأة الدولة هي المحافظة على قوة الدولة ، و عليه فإن مكيافيللي يفصل بين الأخلاق و السياسة ، فالعلاقة بينهما علاقة فصل لا علاقة تمييز ، فدائرة السياسة لا ينبغي أن تطرأ عليها هشاشة الأخلاق ، مكيافيللي إذن لم يكن مباليا لما للأخلاق و الدين من آثار في نفسية الجماهير على الحياة الاجتماعية و السياسية ، فالمصلحة السياسية عموما أولى من المبدأ الأخلاقي .
لا يمكننا أن نعطي حكما متسرعا على هذه النظرية بمجرد قراءة أولية ، فنحكم عليها بالسلب و على قضيتها بالكذب ، لأن هذه النظرية لها حيثياث و تقوم على منطق رصين ، فالنظرية المكيافيللية تسيطر عليها فكرة ” الغاية ” ذلك أن الحكام يحاولون مهما كان طرازهم المحافظة على مراكزهم السياسية التي يحتلونها ، و يحاول المتآمرون و الراغبون في إقامة الممالك قلب السلطة القائمة ، أما الشعوب فلا تطلب إلا السعادة و الحرية و لا تنشد في حالة تعرضها للاضطهاد إلا الثأر من مضطهديها ، كما أن مكيافيللي لم يتحدث في كتابه الأمير عن الأهداف التي يتوخاها الأمراء من خير وشر ، و إنما يلم فقط بجانب الوسائط التي بحث عنها أهي صالحة للحصول على تلك الأهداف المعينة ، أو أنها غير صالحة لها ، و في هذا يقول مكيافيللي : ” إن من القواعد الصحيحة القول بأن النتائج قد تبرر ارتكاب أعمال قد لا يمكن التسامح بها ، إذا جاءت هذه النتائج خيرة و طيبة فإنها تبررها دائما . و لهذا فقد عني مكيافيللي بكتابة أهم الوسائل التي تحقق قوة الدولة و تمكنها من توزيع سلطانها في الخارج ، فالعبرة بالمقاصد و المعاني لا بالوسائل و المباني .كما أن فصل السياسة عن الأخلاق تظهر بصراحة في كتاب الأمير ، فهي رسالة صريحة غاية الصراحة في إنكارها للأخلاق التي تخص سلوك الحكام . فالضرورة ألغتها من النظرية السياسية .
اقترح مكيافيللي نظريته القائلة بنفي وجود أخلاقية واحدة و مناداته بوجود أخلاقيتين : الأخلاق السياسية و الأخلاق الشخصية ، فما يعد في الأخلاق الشخصية غير جائز إطلاقا كالعنف و الكذب و نكث العهود ، يصبح على صعيد الأخلاق السياسية مسموحا به بل واجب لبلوغ الغاية ، و لهذا نجد مكيافيللي معجب أشد الإعجاب بالسياسة التي انتهجتها جمهورية روما في توسعها على حساب حلفائها و أعدائها ، حيث عرفوا كيف يجدون بفضل عبقريتهم السياسية الصيغة الصحيحة للتعاقد الاجتماعي و للنجاح الخارجي القائم على المزج بين القوة و الحيلة .
انطلاقا من هذا التصور ، يمكن اعتبار مكيافيللي رائد الدعوة لتأسيس الجيوش القومية الوطنية ، و على هذا أيضا نجده يدعو الحكومات على انتهاج سياسة الثعلب في وضع المعاهدات و تطبيقها في معاملاتها ، فمن الحماقة أن تحفظ العهود و هي تضر بمصالحهم ، و لايبني كلامه هذا إلا على منطق قوي حيث يقول : ” لو كان الناس طيبين ، فإن هذا الرأي لا يكون طيبا ، و لكن بالنظر إلى أنهم سيئون و هم بدورهم لن يحافظوا على عهودهم لك ، فإنك لست ملما بالمحافظة على عهودك لهم . إذ ينبغي على الدولة أن تعرف بالإنسانية و الوفاء و العدل ، لهذا من المستحسن إظهار المعتدي و المخادع و الظالم و منتهك الحق و الوعد المقطوع ، وهو الطرف الآخر للعدو ، عدو الأمس و اليوم و الغد ، و هذا ما يكسب الدول عطف الناس في كل من الداخل و الخارج.
المطلب الثالث : إقرار مبدأ فصل الدين عن السياسة .
كان مكيافيللي من أشد المعارضين للسلطة الروحية ، لهذا فصل بين الدين و السياسة ، و بهذا يمكن الاعتداد بمكيافيللي كأول فيسلوف دعا للعلمانية ، حيث نادى بالتحرر من سلطة الباباوات ، و يظهر الفصل بين الدين و السياسة أو فصله للسياسة عن السلطة الروحية في :
أ ـ عداؤه للباباوات : و يعود سبب هذا العداء لتهام مكيافيللي البابوية بالسيطرة على روح القوانين و أيضا السيطرة على الشؤون الدينية و تجاوزها حدود صبغتها الشرعية و الحقيقية التي يجب أن يلتزم البابا بها كالنصح و إرشاد الناس إلى الطريق المستقيم ، الأمر الذي أبعد الكنيسة عن طبيعتها الأصلية ، و التجائها إلى الكثير من الأعمال التي مهدت و ساعدت على دخول الأجانب أرض الوطن تحت شعارات تدعيم السلطة الروحية و نشر الدين ، و بذلك فالسلطة البابوية عامل من عوامل الهدم و الفوضى .
و يستند مكيافيللي في تأكيد مقالته على أن البابوية تلجأ دائما إلى الأقوياء لكي تحمي نفسها و هذا ما كان يحدث في إيطاليا قبل مجيء ملك فرنسا ، حيث كانت تخضع هذه الدول لحكم البابا و الدوق و ملك نابولي ، إذ كان هؤلاء الأمراء يمتازون بخاصيتين : ــ تشمل الأولى منع أي أجنبي من الدخول بجيشه إلى إيطاليا . ــ و تظهر الثانية في منع أي أحد من التوسع .
و إضافة إلى هذا ، فإن البابا كان يظهر من وقت لآخر ذو عزم و شجاعة إلا أنه لم يستطع حل كل الصعوبات التي كانت تواجهه ، فعجز الباباوات كان راجع إلى قصر مدة حكمهم ، بحيث كانت المدة التي يقضيها البابا في الكنيسة و مجيء البابا الذي يخلفه لا يكمل ما بدأه الأول فينقض حكمه ، مخالفة له فيما بدأ ، و على إثر ذلك كانت قوة الباباوات الدينية غير جديرة بالاحترام في إيطاليا ، الأمر الذي جعل مكيافيللي يعادي الكنيسة باعتبار حكمها لا يؤدي إلى النجاح المطلوب فضلا عن المرغوب . و ليؤكد هذا استدل بالبابوية التي تركت روما خاوية على عروشها .
و أخيرا نستتنتج ، أن وجهة نظر مكيافيللي بضرورة فصل الدين عن السياسة ارتأت نتيجة رؤيته للوضع المتخلف لإيطاليا رغم التواجد البابوي في ساحة الحكم ، مما جعله يعتبر هذا التواجد دليل على أن الحكم اللأخلاقي للباباوات و عدم احترامهم لمبادئ الحكم الناجح .
ب ــ فصل الدين عن السياسة : إن حكم البابوية هو الذي جعل مكيافيللي يفصل بين الدين و السياسة دون الاهتمام بالدور الفعال الذي يلعبه الدين داخل السياسة ، فمكيافيللي بنى موقفه انطلاقا من الوضع المتردي في إيطاليا التي انقسمت إلى دويلات صغيرة متناحرة ، الأمر الذي دفع بمكيافيللي إلى البحث عن المسؤول عن هذا الوضع فوجد أن البابا و الكنيسة هما المسؤولان عن تعاسة المجتمع الإيطالي ، فالبابا بدلا من أن يبقى حاكما بين المسيحيين في أروبا بأكملها جعل من نفسه حاكما يسعى للسلطة و النفوذ مثله مثل أي حاكم ، و هذا ما عرقل الوحدة القومية الإيطالية التي كان مكيافيللي يحلم بها و يدعو إليها ، و المسيحية برأيه وهي ترسم الملوك و الأخلاق المسيحية لا تعبر إلا عن الذل و الخضوع .
إن فصل الدين عن الدولة في نظر مكيافيللي لا يعني بتاتا كراهيته للديانة المسيحية ، لكنه عارضها معارضة شديدة ذلك أن تعاليمها لا تتلائم بتاتا مع المطالب السياسية و أهدافها ، و ليس من السهل أن تتكيف مع هذه الغايات ، بخلاف الأديان القديمة التي تدعو إلى عظمة النفس و قوة الجسد و استخدام الدين لتحقيق غايتهم السياسية ذلك أن المسيحية تمجد أكثر الناس الوضعيين الذين يكرسون وقتهم للحياة التأملية ، فالدين المسيحي يضع السعادة القصوى في التواضع و الدناءة و احتقار الأمور البشرية ، و يجعل الشعوب ضحية ليصنع منها فريسة سهلة للأوغاد .
يتضح لنا جليا من خلال ما سبق ، أن مكيافيللي قد أرجع فشل السياسة و العمل السياسي بالدرجة الأولى إلى الدين و ذلك من خلال الممارسات التي يقوم بها رجال الدين على المجريات السياسية ، و على هذا فالنظرية المكيافيللية تعفي الأخلاق و الدين من الساحة السياسية ، في هذا الصدد يقرر مكيافيللي أن مسائل الدولة و مشاكلها لا يمكن أن تخضع بتاتا لقيم أخلاقية جوفاء أو تدور في محراب اللاهوت اللاواعي أو تصطبغ بألوان الطقوس الشاحبة .
و رغم إعلان مكيافيللي القطيعة بين الدين و السياسة ، نجده في المقابل يؤكد على إظهار الحاكم المزيد من الاحترام للدين لما له من آثار نفسية في نفوس الجماهير ، ذلك أن الدولة لا تستطيع ضمان أمنها إلا إذا اعتمدت على الدين و شجاعته لأنه يعتبر من الناحية السياسية أداة يمكن للدولة استخدامه لإقناع الجماهير. و عليه فإن السلطة السياسية لابد أن تتحرر من كل المعتقدات الكنسية و الأخلاقية لتقوم بالهدف الذي جاءت ووجدت لأجله الكنيسة . من هنا ، يمكن القول أن مكيافيللي لم يعلن القطيعة بين الدين و السياسة قطيعة مطلقة ، إنما قطيعة نسبية بحيث يكون الحفاظ على قوة الدولة و سلطة الحاكم هي الغاية ، أما الدين فمجرد وسيلة لكسب الشعب ، و مظهر من مظاهر الإقناع ، و لهذا كان مكيافيللي يفضل ديانة روما القديمة لأن هذه الديانة كان من السهل فرض الإشراف عليها و استخدامها ، و أنه في إمكانها وضع تفسيرات تنفع الغاية الدنيوية المتوخاة ، أما انتقاداته التي كان يوجهها في الغالب إلى سياسة الباباوات ، كانت في رأيه مؤثرة على تعاليم الكنيسة و ليست مقنعة إياها فحسب ، بل كانت مسببة لفضائح تكاد تنزل اللعنة بالنصرانية . و في انتقاداته هذه يشير إلى خطأين بارزين يتعلق أحدهما بالطقوس المسيحية التي يصفها بأنها ناعمة إذا ماقورنت بالطقوس الوثنية التي كانت تتعداها إلى سفك الدماء و المزيد من القوة مشيرا في حديثه هذا على طقوس روما في عهد الجمهورية ، إذ أن هذه الطقوس لم تكن تعرف الدم كثيرا و إنما كانت تقتصر على الفخامة التي انتشرت في عهد الرومان ، و من حسن قوله في هذا المقام : ” لو كان الهدف من الدين هو سفك الدماء و التعطش إليها ، فليس ثمة ما يمكن أن يقال سوى أن هذا الدين مهزلة ليس إلا !
و تنصب شكوى مكيافيللي أن الدين الحقيقي هو الذي يسمح للناس بتمجيد أوطانهم و الدفاع عنها و هكذا يتطلب منهم تدريب أنفسهم و إعدادها للدفاع ، إلا أن هذا العامل في التربية الدينية أهمل إهمالا مؤسفا في المسيحية مما أدى إلى استخداء و مذلة الناس للأوضاع الراهنة فالمسيحية لم تستطع استخدام الدين لتحقيق أغراضه ، بخلاف الديانة الرومانية التي استطاعت أن توافق بين الدين و السياسية .
لكن من جهة أخرى ، ألا يمكننا القول أن وثنية مكيافيلي عميقة الجذور إلى الحد الذي لم يدرك فيه أن هذه الديانة التي ينادي بها لا تتحقق أبدا مع العقائد الأخرى التي يدافع عنها مكيافيلي كحق الشعوب في تقرير شكل الحكومات التي تختارها ؟! ثم إن المسيحية لا تشجع على العنف و تنظر إلى الحيلة بشيء من المقت و الازدراء . أما مكيافيللي فيمجد العنف و الحيلة على الرغم من كثرة حديثه عن العدالة و الحاكم ، و مع ذلك فإننا نجد أن مكيافيللي ينطوي كثيرا باحترام للكنيسة لا عن رجال الدين ، فهو يعترف بأن العناية الالهية ساهرة على الكنيسة ، فمكيافيللي كان يؤمن برسالة الدين و ضرورته للمجتمع .
المبحث الثالث :استشرافات لأفكار مكيافيللي .
من خلال ما تقدم في المباحث السابقة ، يتضح لنا جليا أن مكيافيللي قد انتهى إلى رأي في الفلسفة السياسية يتلخص بالعبارة : ” الغاية تبرر الوسيلة ” ، و الغاية حفظ الدولة ، و من أجل ذلك فلا تهم الوسيلة المتخذة مادامت الغاية المطلوبة لا تتحقق إلا بهذه الوسيلة ، و من أجل ذلك أيضا دعا للفصل بين الدين و الأخلاق و بين السياسة ، و قد استند في بناء منطقه هذا إلى الواقع المنحرف للأكثرية من الناس ، لا إلى مبادئ الحق و العدل و الخير و الفضيلة .
و لذلك يميل الباحث إلى اعتبار أن هذا الموقف الذي تبناه مكيافيللي لمن روح الواقعية ، الاتجاه الواقعي الذي يقوم على مبدأ الواقع .
كما أن مكيافيللي رأى أن أكثر الحكام لم يكونوا شرعيين ، و مع ذلك استطاعوا أن يصلوا إلى الحكم ، و أن يضمنوا استقرار الحكم في أيديهم بخلاف الحكام الشرعيين الذين كانوا يلتزمون بالمبادئ الأخلاقية الفاضلة المستندة إلى العدالة و الخير ، ولخيريتهم لم يستطيعوا تحقيق النجاح المطلوب وتوطيد أركان الحكم ، كاستطاعة الساسة اللأخلاقيين .
بالنسبة للباباوات فقد رأى فيلسوفنا أنهم قد كانوا يضمنون الانتخاب لأنفسهم ، بوسائل غير مشروعة ، لاتتفق مع المبادئ الأخلاقية .
و لذلك ، ينكر مكيافيللي الأخلاق المعترف بصحتها ، فيما يختص بسلوك الحكام ، فالأمير على حد قوله يلزمه أن يكون ثعلبا ماكرا و أسدا مهابا ، لأن تلك الأخلاق قد تعود عليه بالضرر فيحصل منها ما لاتحمد عقباه ، فيسقط الحكم و تزول الدولة ، و هذا مناف لغاية وجودها مخالف لمبدأ عزها فبه يضيع السلطان و تضيع الغاية ، و لذلك كان لزاما اعتبار الغاية بقاء الدولة ، بينما الأخلاق و الدين وسيلتان لتقويض الحكم ، بحيث تكون هذه الأخلاق أخلاقا سياسية مختلفة و متمايزة عن الأخلاق المبدئية ، فالمصلحة أولى من المبدأ ، أما الدين فأداة إقناع لا شريعة حكم .
لكنه يرى في ذات الوقت أنه من الضروري أن يكون الأميرا قادرا على إخفاء هذه الشخصية فيكون دعيا كبيرا و مرائيا عظيما ، و الناس كثيرا ما يصلون في السذاجة إلى الحد الذي يجعلهم ينخدعون بمثل هذا الادعاء كثيرا .
فآراء مكيافيللي في تبرير الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق تدور حول فلكة السياسة ، و أخلاق الحكام ، و ذوي السلطة و السيادة، و لقد أخذ معظم الساسة شرقا و غربا بهذا الاتجاه المكيافيللي وفق أقصى صوره المنحرفة .
و لاشك أن هذا الاتجاه المنحرف الشاذ، مناف و مخالف لاتجاه الكمال الانساني ، إذا أخذ على إطلاقه وهو طريق كل المنحرفين الضالة ، المفسدين قبل مكيافيللي و بعده في السياسة و غيرها ، و لذلك قد وجهت انتقادات عنيفة لأراء مكيافيلي كونها تخطت قواعد الأخلاق و الفضائل المسيحية و لأنه حول الجماهير لأدوات تنفيدية لغايات الحكام ، إلا أن هذه الانتقادات تتناسى في الغالب البراديغم السوسيولوجي الذي عاشه مكيافيللي بكونه وضع هذه الأفكار لتتلائم مع الواقع الذي عاصره في أكثر بلدان أروبا ، لكن الباحث يرى ضرورة استقصاء هذه الجوانب النقدية* فيما سيأتي :
أولا : اعتبار الفكرة الباطلة التي توصل لها مكيافيللي ” الغاية تبرر الوسيلة ” ترجع إلى اعتبار النسبة الغالبة من السلوك الانساني هي المقياس الذي يبرر به السلوك ، مع إهمال جانب الحق و الخير ، و إغضاء النظر عن الشر الذي يشتمل عليه السلوك ، دون مراعاة للواجب الأخلاقي الذي تفرضه حقوق الانسان .
ثانيا : لقد مثل مكيافيللي بتنكره للأخلاق و الفضائل و قيم الدين النقلة الفكرية الحاسمة في الفكر السياسي الغربي من أسر اللاهوت النصراني ، و جذبته إلى حيز العلمانية الصارخة ، فحض الأمراء و الحكام على حجز الدين داخل جدران الكنائس ، و المؤسسات الدينية . و بالطبع لم تحدث تلك القطيعة بمجرد تحرير كتاب الأمير و انتشاره بين الناس ، و إنما حدث ذلك بعد تراكم معرفي عميق و تفاعل مناخي طويل بين تضاريس الفكر الغربي ، و المتبنيات المتطرفة التي روجها هذا الكتاب . و لذلك أصدرت الكنيسة الكاثوليكية أمرا بطباعة تحريمه و توزيعه و قراءته ، كما أحرقت محاكم التفتيش نسخ الكتاب في سنة 1559م ، و لم يتوان رجال الدين حتى البروتستانت منهم ، في إدانة الكتاب المبالغ في غلوه و ثورثه و تعديه على الأخلاق و مبائ الدين .
ثالثا : اعتقاد مكيافيللي بسوء نوايا البشر، وأنهم غالباً ما يركنون إلى الراحة والدعة والتملك بأقل قدر من الخسائر، سواء كانوا مواطنين أو حكاما ، ولذا أوجدت الدولة والحكومات والقوانين، وهي للحد من نفوذهم. ولذا يقول فرانسيس بيكون: “لقد تناول مكيافيللي الناس كما هم، لا كما يجب أن يكونوا.”
عموما ، ألخص النظرية المكيافيللية في اعتبار المجتمع عند مكيافيللي يتطور بأسباب طبيعية، فالقوى المحركة للتاريخ هي “المصلحة المادية” و”السلطة”. وقد لاحظ صراع المصالح بين جماهير الشعب والطبقات الحاكمة، وطالب مكيافيللي بخلق دولة وطنية حرة من الصراعات الإقطاعية القاتلة، وقادرة على قمع الاضطرابات الشعبية. وكان يعتبر من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي، فمكيافيلي القائل “الغاية تبرر الوسيلة” برر القسوة والوحشية في صراع الحكام على السلطة. وكانت أهمية مكيافيللي التاريخية أنه كان واحدا من أوائل من رؤوا الدولة بعين إنسانية واستنبطوا قوانينها من العقل والخبرة وليس من اللاهوت.
ثم اعتبر مكيافيللي أن هدف السياسة هو المحافظة على قوة الدولة والعمل على توسيع نفوذها، وهذا لا يتم بوجود وازع ديني أو أخلاقي، ولهذا فقد أُعجب مكيافيللي بالحكام الذين توسع سلطانهم غير آبهين بأي رادعٍ كان، ولذا قال دوفرجيه عندما قارن بينا أرسطو ومكيافيللي: “لقد أوجد أرسطو الركن الأول في علم السياسة وهو اعتماد منهج الاستقراء والملاحظة، وأوجد مكيافيلي الركن الثاني، وهو المنهج الموضوعي المُجرد من الاهتمامات الأخلاقية.” و مع هذا أكد مكيافيللي على ضرورة الوازع الأخلاقي كوسيلة فولاء المواطن مُرتبط بمقدار خدمته للمجتمع.
في آخر المطاف ، يمكن للباحث أن يستدرك أمرا مهما و هو اعتبار أن الوحدة الإيطالية التي ناشدها مكيافيللي لم تتحقق إلا في غضون القرن التاسع عشر ، و لكنه حقق أمورا كثيرة كإخراج الفكر السياسي الغربي من ثياب اللاهوت النصراني ، و آثار أفكار مكيافيللي تبدو عميقة متجذرة و شديدة التأثير فكرا و ممارسة ، و لولا ذلك لماكان أغلب الحكام الذين داع صيتهم متأثرين بهذا الكتاب أشد الثأثير ففي العصر الحديث تم إنضاج الأفكار الفاشية و النازية على لهب كثيف من كتاب مكيافيللي و خلاصات أفكاره ، فقد بدا تأثير كتاب ( الأمير ) واضحا على كتاب ( كفاحي ) لــهتلر ، و قد نال موسوليني شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية على أطروحة تحليلية قدمها عن كتاب ( الأمير ) في سنة 1942 . حيث خلص إلى أن هذا الكتاب هو كتاب حي ذو قيمة شاملة دائمة رغم تغير الظروف بين عصر و عصر جديد*.
كباحث حاول تقصي أفكار هذا الفيلسوف الدبلوماسي ، يمكنني القول إن أفكار مكيافيللي لها الأثر البالغ في إحداث طفرة سوسيولوجية في المجتمع الذي وجدت فيها ، طالما ظل المنهج الواقعي هو المنهج السائد في عالم الفكر و الممارسة السياسية.

* باحث المغرب جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

تعليقات الزوّار (0)