https://al3omk.com/417240.html

الفلسفة والعلم .. أوجه التشابه والاختلاف

لطالما كانت الفلسفة أم للعلوم بمختلف تخصصاتها ، و لطالما طورتها تحت غطائها الفلسفي، بحيث أعطت العديد من المعارف التي أسهمت بشكل كبير في إغناء الحضارة البشرية بأكملها في جل الميادين، و لكن ما لبثت أن بدأت تنفصل منها واحدة تلو الأخرى ، و صارت تستقل بشكل تدريجي الى حدود القرن التاسع عشر.

سنحاول في هذا المقال القبض على أوجه التشابه و الاختلاف ما بين الفلسفة التي كانت تعتبر أم العلوم، و لازالت لحد الساعة كذلك ، و ما بين العلم الذي انفصل عن أمه و بحث عن منزل خاص به، و منهج ينتهجه، بعيد عن الغطاء الفلسفي الذي كان يكتنفه.

فالحديث عن الفلسفة من جهة، و عن العلم من جهة أخرى يقتضي منا تعريفهما أولا و قبل كل شيء و بعدها سنفصل في ذكر نقاط التشابه و نقاط الاختلاف، فكما هو متداول و معروف ، فكلمة “فلسفة” تعني محبة الحصول على الحكمة و السعي وراءها، أو بالأحرى محبة الحكمة، و أول من أطلق هذا الاسم عليها هو الفيلسوف “فيتاغورس” ، الذي لقب بالحكيم ، هذا من الناحية اللغوية ، أما من الناحية الاصطلاحية ، فليس بالأمر السهل أن نقبض على مصطلح “فلسفة” و نعرفه تعريفا دقيقا، فكل تعريف للفلسفة رهين بالفيلسوف الذي يعرفها، نظرا لكون كل شخص يود وضع حدود لها من خلال تعريفها فيفعل ذلك حسب مستوى تفلسفه و حسب درجة علمه كذلك، فالفيلسوف العربي “ابن رشد” يعرف الفلسفة على أنها النظر و الاعتبار في الموجودات و كلما كانت معرفة الموجودات أتم إلا كانت معرفة الصانع اتم، بحيث يربطها بالتأمل و التدبر قصد الوصول الى المعرفة التامة بالخالق، و في المقابل يربطها الفيلسوف العربي “الفارابي” فيقول: أن الفلسفة هي علم بالموجودات بما هي موجودة بمعنى أن الفلسفة تطلب العلل البعيدة للأشياء و العلل الأولى، و في السياق ذاته و بالرجوع الى مصطلح العلم في المعجم نجده يعني نقيض الجهل و إدراك الشيء لما هو عليه، و أما في المعجم الفلسفي “لا لاند” فيعرفه بأنه مجموعة من المعارف و الأشياء التي وصلت إلى درجة من الدقة و الضبط و الشمول بحيث تعطي و تفضي إلى نتائج متناقصة فلا يمكن أن تتدخل أيدي الدراسين في ذلك.

قلنا سلفا أن الفلسفة أم العلوم و هي الوعاء الذي كان يضم جميع العلوم، و لكن ما لبثت أن تسللت و فرت من الفلسفة، بحث سلكت العلوم طريقها الخاص، و سلك الفلسفة بدورها طريقها آخر، و لكن في المقابل رغم انفصالهما الا انهما يشتركان في نقاط، و يختلفان في نقاط اخرى، فلفلسفة تبحث عن العلل البعيدة بينما العلم يبحث عن العلل القريبة، بحيث أن الفلسفة مباحثها عامة و شاملة أما العلم فمبحثه جزئي و يبحث في أمور جزئية ، و في مثال يصب في نفس المصب و يوضح المراد من هذا القول سنقول : ظاهرة تكتونية الصفائح، فالعالم المتخصص هنا سيبحث عن المسببات الرئيسة لهذه الظاهرة، يعني أنه يبحث عن العلل القريبة أما الفلسفة فتبحث عن العلل البعيدة، و أيضا تعالج أمور غير محسوسة مجردة ، بينما العلم يدرس أشياء ملموسة و محسوسة وفقا لمنهجية مضبوطة تقيده و تخضعه لها .

بالرغم من الاختلاف الظاهر بين الفلسفة و العلم، و بالرغم كذلك من انفصال جميع العلوم عن الفلسفة، و اختلافهما إلا أن بينهم صلة حميمية و علاقة و طيدة جعلت كل منها يكمل الآخر بالرغم من حجم التباعد بينهما.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك