كلام لابد منه للفصل بين وهم تفضيل التخصصات العلمية على الأدبية
https://al3omk.com/435621.html

كلام لابد منه للفصل بين وهم تفضيل التخصصات العلمية على الأدبية

اعلم أن درجة اليقين بلغت مستوى عال في تفضيل التخصصات العلمية على الأدبية، بل امست قضية لا تقبل النقاش وتحظى بتأييد الأدبيين بشكل يجعلنا نتسائل عن السبب. قبل الشروع في تسجيل بعض الملاحظات بخصوص هذا الشأن، لابد من التنبيه إلى أن التصنيف الحاصل نتيجة خطأ ترسخ في أذهاننا ووهم اعتبرناه حقيقة مطلقة، بل تم ترسيخه بواسطة التقسيم المعتمد في الوزارة المعنية بذلك. وكل هذا محسوم عندنا ولم نتسائل عن السبب يوما، بل كل ما في الأمر هو اعتبار بعض المواد أو التخصصات سبب تقدم الدول، وما المواد الأدبية إلا للاستئناس والترويح عن النفس.

إن معالجة هذا الموضوع يقتضي بالإضافة إلى ازالة الوهم بشكل علمي الاستشهاد بالتجربة والواقع المعيش.

لا شك أننا جميعا اشتركنا في تلقي نفس التعليم وبنفس المنهج مع اختلافات طفيفة، حيث كنا وما زلنا نعتقد أن تلاميذ وطلاب التخصصات العلمية أكبر شأنا من غيرهم، حيث يتم الاهتمام بهم لكونهم أذكياء، لاسيما أن هناك من تحصل على معدلات عالية في التخصصات الأخرى ولا يلقون نفس الاهتمام. بحكم التجربة، يمكن القول أن أكبر خطيئة ارتكبت في حقنا وحق من سبقنا هي الإيمان بوهم منكشف ظاهر، لكن الاغترار المفرط حال دون تدارك الموقف، بل كل يوم نزداد التعلق به.

لذا استسمح منكم مناقشة تجربة متواضعة أكدت لنا زيف الوهم الحاصل لنا، انطلاقا مما عايشته شخصيا معه. كان يوسم بالذكي في صفوفنا من يتحصل على أعلى المعدلات في الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة والأرض، ولا نجد أي قيمة إضافية لمن كان يدرس المواد الأخرى إلا في التنافس على الرتب الأولى من حيث المعدلات العامة في أخر السنة. واستمر الأمر معي إلى أن تخرجت من الجامعة حاصلا على دبلوم في أحدى التخصصات العلمية طبعا. ولكن شغفي وحب الاستطلاع كان يجعلني أطالع كتب الفكر والفلسفة، إضافة إلى البحث في كتب الفقه الإسلامي لاعتقادي ضرورة التفقه في ديني حتى لا اعبد الله بجهل وأكون ألعوبة في يد كل من هب ودب. بل وفقني الله عز وجل استكمال الدراسة في الجامعة بتخصصين آخرين أدبيين، بل كان الأدبيون يعتبرونهما الملجئ لظنهم سهولة دراستهما (الدراسات الإسلامية والعلوم القانونية)، لأدرك مكانتهما بل الصعوبة التي يجدها الطالب المجد والمجتهد. حيث أن حل المعادلات في مادة الرياضيات أهون بكثير من حل بعض القواعد الفقهية أو القانونية، أما إدراك وفهم منطق الفلسفة وبعض فروعها يحتاج إلى مستويات عالية من الذكاء للتشعب والتداخل بين المعادلات الفكرية، حيث أن المعادلات الرياضية والفيزيائية يمكن حصرها وتجريدها بطريقة أو اخرى دون الوقوع في اختلافات وخلافات كبيرة.

رغم كل هذه التجربة المتواضعة لم تكن السبب الوحيد الذي غير النظرة، بل تجربة الحياة ومتابعة شؤون السياسة وتدبير الأزمات، كان لها الحظ الأوفر في اكتشاف أن المواد العلمية عاجزة عن تقديم الحل، ليصل الأمر إلى اعتقاد أنها إحدى الوسائل المستعمل في صناعة القرارات -لا غير- من طرف من كان اغبى الناس حسب ادعاء العلميين، بل إن أبسط معادلة في الحياة يعجز عنها أمهر رياضي أو فزيائي، ليس لأنه ذكي أو غبي، ولكن لأنه لم يعتقد أن ما تعلمه صنف من العلوم وليس كل العلوم وأن التخصصات الادبية علوم من بين العلوم بل ربما أفضل منها.

وختاما يمكن القول: إن الوقت حان لتغيير نظرتنا واهتمامنا المفرط بالتخصصات العلمية حسب ما يتم التداول حوله، بل لابد من اعادة التقسيم والترتيب بخصوص هذه التخصصات، لان العلمية صفة تصلح لكلا التخصصين العلمي والأدبي، وأن الشرف ليس في دراسة المواد المعتقد فيها انها علمية بل يشمل جميع المواد، ولعل المواد الادبية ( حسب ما يصطلح عليها والأصل ان كل المواد علمية) اولى بالاهتمام لكونها القادرة على إيجاد حلول لمشاكلنا، وما المواد العلمية إلا وسائل تقنية خادمة للرؤى المنتجة من خلال أصحاب المواد الأدبية. بل إن الذكي منا حسب الوهم السائد يكون خادما لسياسة الظلم والقهر والطغيان، ولنا في علماء الذرة وغيرهم خير دليل. وتقدم دولتنا متوقف على مدى اهتمامنا بالعلوم الانسانية، لأن كل سنة يتخرج عباقرة في تخصصات مختلفة ولا يجدون من يُنظر لهم ويوفر الأجواء المناسبة لخدمة الوطن، ما يجعل الهجرة الباب الوحيد لتحقيق أحلامهم، بل ما يحز في النفس استغلالهم من طرف دول تحمل مشاريع استعمارية.
اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.

* فاعل جمعوي وباحث في القانون