درس في السينما والسياسة
https://al3omk.com/437798.html

درس في السينما والسياسة

عملية ارهابية لها علاقة بجماعة للتفوق العرقي، تتسبب في تفجير مبنى الكونغرس الأمريكي، ووفاة رئيس الدولة و كل اعضاء حكومته، باستثناء وزير الاسكان، مهندس في الخمسينيات من عمره، تقنوقراط لا علاقة له بالسياسة، كان الرئيس قد اخبره بنبأ اقالته قبل يوم وحيد من حادثة تفجير مبنى الكونغرس، فجأة يجد نفسه -اي الوزير- بعد وفاة الجميع، رئيسا لأعرق دولة ديمقراطية في العالم، وهو الغير دارس للسياسة ولا الممارس لها .

ان تتحول من وزير لقطاع صغير الى رئيس دولة تتحكم في قطب كامل من العام، أمر صعب جدا، خصوصا و أنك لا تنتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، رئيس غير منتخب قابع في المكتب العلوي للبيت الابيض، يحل مشاكل أمته و العالم، دون حزب وراءه ولا لوبي من لوبيات الظغط، ولا نقابة تدفعه لاتخاذ قرارات متجذرة شعبيا، من هنا ينطلق “توم كريكمان” رئيس الولايات المتحدة الامريكية المستقل، ليحكم البلد الأكثر احتواء للجنسيات في العالم، ضمن معترك سباق سياسي صادق لأول مرة تعيشه أمريكا .

توم كركمان، هو رئيس الولايات المتحدة الامريكية الوحيد، الذي كان مظطرا ان يقاوم الجمهوريين حينما يتعلق الأمر بالهجرة، ويقارع الديمقراطيين حسنما يتعلق الأمر بالتسيب، في ثلاث سنوات، يخوض رئيس خاطبه الجميع بأنه “غير شرعي” صراعا ضد التمييز والعنف وامتصاص دماء المواطنين، بحنكة غريبة، لكنها واقعية وصادقة ومؤمنة تماما بالتفاصيل، حتى يظن المرء أنه يعيش داخل البيت الابيض لا داخل مبنى تصور فيه أجزاء مسلسل سياسي اسمه “Designated survivor” .

ان أردت ان تعرف امريكا، وطبيعة مشاكلها، وتفاصيل بيروقراطيتها، وكيف يمكن لجماعات الظغط ان تؤثر في قرارات رؤسائها وحجم السخط الذي تولد لدى شعب هذا البلد الذي كان وظل وسيبقى حلم كل راغب في الحياة و الترف والفرص، لكنه جهنم ساكنيه، فهو حيث يقتل السود فقط لأنهم سود، ويخاف البيض من اقتلاعهم من أماكنه فقط لأن الديمقراطيين يدعون الى المناصفة واعتماد نظام “الكوطة” لاظهار أمريكا أمة يعتنق مذهبها الجميع غير آبهين بالكفاءة ولا بالأحقية، المهم ان تكون أسودا لتأخذ مكانك .

مع قصة توم كيركمان، الذي حكم بلاد العم سام لثلاث سنوات استطاع فيها تجاوز كوارث طبيعية وأزمات خارجية و احتقانات داخلية، بخاصية وحيدة، هي “الصدق”، نعم الصدق الذي جعله مرجعا لكل خطواته السياسية، وهذا ما يظهر المسلسل ان جميع رؤساء الدول يفتقدونه، أو يفتقدون الاحتكام له في اتخاذ قراراتهم، وهو ما سيدفع هذا الرئيس الغير منتخب، الى الفوز بأصوات الشعب مرة اخرى ليستمر في الوجود.على رأس البيت الأبيض، ليس كرئيس ” غير شرعي” بل كمترشح رئاسي يفوز بالرئاسة في أول انتخابات يخوضها، وكل هذا بسبب الصدفة و الصدق .

الدول التي اختارت ان تعيش على وقع ثنائية قطبية، والدول التي ظنت شعوبها ان السياسة لعبة قذرة تمارس في الخفاء لالتهام أموال الصناديق السوداء و البيضاء والخمراء، يجب عليها جميعا ان تتبنى ما تبنته أمريكا، وتمارس النقد لتجارب حكامها على رأس هرم السلطة، لا بكتاب كبير لن يقرأه أحد، ولا بخطابات للنقد الذاتي قد لا تهم الجميع، لكن بانتاج سينمائي، يضع التجربة في المشرحة، ويقف عند الأخطاء ويعطي الحلول، دون النزوح عن خاصية الواقعية والإيمان بأن للعمق الانساني دورا في تحديد مصير الشعوب، وليست السياسة وحدها من تحدده، وهذا هو ما خلصت إليه بعد انتهائئ من الغوص في مشاهد وأجزاء المسلسل السياسي الأكثر واقعية وأناقة “Designated Survivor”

أن تنحى منحى الصدق، وتمارس السياسة بقواعدها المتعارف عليها، مضيفا شيئا من الرونق الطبيعي الصافي المنبثق من الارادة الانسانية الصافية على ممارستك السياسية، هذا هو أصل الدرس، ليس في السياسة فقط بل في السينما أيضا، وما حملته قصة توم كيركمان، هي مثال صادق للدرس الأكبر، درس الصدق .