الانتخابات الرئاسية التونسية: الأهمية والدلالات
https://al3omk.com/457922.html

الانتخابات الرئاسية التونسية: الأهمية والدلالات مقال تحليلي

تكتسي الانتخابات الرئاسية التونسية لسنة 2019 أهمية خاصة، فهي ثاني انتخابات رئاسية تتم بالاقتراع العام المباشر بعد الثورة. كانت الأولى سنة 2014 وفاز فيها الباجي قائد السبسي. أما تولي منصف المرزوقي في دجنبر 2011 الرئاسة، فقد تم على أساس انتخابات غير مباشرة، إذ تم انتخابه من قبل المجلس التأسيسي، وبناء على توافقات، وقد حصل آنذاك على 150 صوتا من إجمالي 217 صوتا.

وتُنظم هذه الانتخابات على أساس دستوري وقانوني وتنظيمي يُسهم إلى حد بعيد في تحقيق منسوب هام من حرية الانتخابات وشفافيتها ونزاهتها. كما تتم في سياق سياسي متوتر؛ ليس فقط بسبب تجاذبات بين التيارين الإسلامي والعلماني، وبين أنصار الثورة والمضادين لها، ولكن أيضا بسبب الاختلافات والانشقاقات من داخل نفس العائلات السياسية. وكان من أبرز تلك الاختلافات التوتر بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد ورئيس الدولة الراحل. وقد ظهر أثر تلك الاختلافات السياسية على مؤسسات الدولة، وكان قانون التعديلات الانتخابية، الذي صادق عليه البرلمان ولم يوقعه الرئيس إلى أن وفته المنية، أبرز تجليات ذلك. فهل يا ترى ستُشكل الانتخابات الرئاسية الأخيرة مخرجا من هذا التوتر السياسي أم ستزيد من حدته؟ وفي علاقة بهذا التوتر السياسي هناك حالة من الركود الاقتصادي والغليان الاجتماعي، الذي تعرف مجموعة من الفئات والمناطق التونسية. فالثورة إلى حدود الساعة حققت تخمة من الكلام بكل حرية في السياسة، ولكنها لم تحقق الشيء الكثير اقتصاديا واجتماعيا، بل هناك من يرى أنها أحدثت نوعا من القهقرى اجتماعيا واقتصاديا. وربما هذا ما أسهم في انتعاش الأصوات المؤيدة للنظام التسلطي. ورغم أن السلطة التونسية أبدت بعض الأحيان حزما على المستوى الأمني، وأفشلت بعض المخططات الإرهابية، فلا تزال هناك بعض مظاهر الهشاشة الأمنية. انطلاقا من كل ذلك تكتسي الانتخابات الرئاسية أهمية خاصة، لأن من المفترض في الرئيس المقبل، رغم حدود صلاحياته في دستور 2014، أن يُسهم في تحقيق الأمن للتونسيين بكل تجلياته، وأن يفتح الآفاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولعله من السابق لأوانه تقييم الانتخابات الرئاسية بشكل دقيق، فلا تزال هناك طعون انتخابية، ولا يزال هناك دور ثان للانتخابات، لكن مع ذلك يُمكن تسجيل بعض الملاحظات بناء على النتائج الرسمية الأولية لانتخابات الدور الأول.

لقد تم تسجيل نسبة مشاركة في حدود 45.02 في المائة، وهي نسبة ضعيفة إلى حد ما، خاصة إذا ما تمت مقارنتها مع النسبة المسجلة في الدور الأول من انتخابات 2014، والتي بلغت آنذاك 62,91 في المائة. ومعلوم أن تلك النسبة محتسبة فقط من المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس من مجموع من يبلغون سن التصويت. ويُعزي بعض المتتبعين أسباب تدني هذه النسبة إلى تعدد المرشحين، الذي أحدث نوعا من الحيرة لدى بعض الناخبين، ففضلوا في آخر المطاف مكوثهم في بيوتهم عوض التوجه إلى صناديق الاقتراع. لكن هذا الرأي يبقى نسبيا إلى أبعد الحدود؛ إذ يُفترض أن تُحقق كثرة المرشحين تعبئة عامة للمشاركة في الانتخابات وليس العكس، بما أن لكل مرشح جمهوره من الناخبين. ففي انتخابات 2014 بلغ عدد المرشحين في الدور الأول 27 مرشحا، وكانت نسبة المشاركة مرتفعة بحوالي 17 نقطة عن المشاركة في انتخابات الدور الأول لسنة 2019، التي كان عدد المرشحين فيها 26 مرشحا. لذلك يبقى التفسير المرجح، في انتظار تأكيد ذلك من خلال دراسات ميدانية معمقة، أن جزء مهما ممن لم يذهبوا للتصويت أرادوا التعبير بذلك عن سخطهم على ما آلت إليه الأوضاع بعد 9 سنوات من الثورة. ويُلاحظ أن الرأي العام التونسي، ومعه باقي المتتبعين من خارج تونس، انشغلوا بمفاجأة النتائج، التي تمثلت بمرور قيس سعيد ونبيل القروي إلى الدور الثاني، ولم يقفوا كثيرا عند نسبة المشاركة، مع العلم أن المشاركة العامة من الدعائم الأساسية للتحول الديمقراطي، ومن ضمنها المشاركة الانتخابية.

وقد تقدم نتائج الدور الأول قيس سعيد ب 18.4 في المائة من الأصوات متبوعا بنبيل القروي ب 15.58 في المائة من الأصوات، ليُحدث ذلك ذهولا لدى جزء هام من الرأي العام التونسي، خاصة في صفوف المتحزبين. فقيس سعيد، الأستاذ في القانون الدستوري، لم تتحدث وسائل الإعلام عن حظوظه في الفوز، خاصة بالنظر إلى قلة إمكاناته المادية وبساطة حملته الانتخابية، وبالنظر إلى أنه مفتقد لأي تجربة سياسية ولأي سند حزبي، لكن يبدو أن افتقاد التجربة السياسية والسند الحزبي شكل عنصر قوة وليس عنصر ضعف؛ فقد وجده الكثير من الشباب بعيدا عن الخطاب الحزبي، الموسوم في عمومه بالتشنج والزئبقية ولغة الخشب، وقريبا منهم، ببساطته وخطابه الواضح الذي يسمي- في ظنهم- الأشياء بمسمياتها. أما نبيل القروي الذي تم اعتقاله بعد انطلاق الحملة الانتخابية بتهم التهرب الضريبي وتبييض الأموال، فيبدو أنه استفاد من عاملين أساسيين، أولهما: ما كان يقوم به من مساعدات اجتماعية، وثانيهما: خطاب المظلومية، الذي تم استعماله بشكل جيد في حملته الانتخابية. وكلاهما، قيس سعيد ونبيل القروي، استفادا من تصويت عقابي، وإن كان العقاب هذه المرة لم يقتصر على من تولوا تدبير الحكم خلال السنوات الماضية، وإنما شمل أيضا من كانوا في المعارضة. إنه غضب على النظام، أو “السستم” كما يسميه التونسيون، برمته.

وكان من أبرز الخاسرين في هذه الانتخابات رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، ورئيس الوزراء الأسبق مهدي جمعة، وعبد الفتاح مورو، الذي أصبح رئيسا للبرلمان، بعد أن أصبح محمد الناصر رئيسا مؤقتا لتونس، على إثر وفاة الباجي قائد السبسي.

ويبدو أن الأنظار ستنصب أكثر على خسارة عبد الفتاح مورو، الذي احتل المرتبة الثالثة، لأنه يُمثل حركة النهضة، التي شكلت رقما صعبا في مسار ما بعد الثورة. وبالفعل، ورغم عدم دقة المقارنة بين نتائج انتخابات المجلس التأسيسي في 2011 ونتائج الدور الأول في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يمكن القول إن هناك تراجعا واضحا في التصويت على حزب النهضة. وقبل أن يتكرّس ذلك في الانتخابات الرئاسية، تأكد في الانتخابات المحلية العام الماضي، رغم أن النهضة احتلت آنذاك المرتبة الأولى. ومن غير الدقيق ربط خسارة عبد الفتاح مورو بعامل واحد، ولكن تتداخل عدة عوامل وراء تلك الخسارة الداعية إلى مراجعة السلوك السياسي العام لحزب النهضة، من تلك العوامل: الاختلافات في صفوف النهضة بخصوص مجموعة من القضايا، منها قضية ترشح عبد الفتاح مورو، والانشغال بالعمل المؤسساتي، الرسمي والفوقي، على حساب الاقتراب من الشعب ومن قضاياه اليومية. ومن العوامل أيضا الخطاب الزئبقي والمتلون لعبد الفتاح مورو، الذي بالغ في جلد الإسلاميين وحاول الظهور بمظهر يرضي، حسب ظنه، التيار العلماني. كما أن تعدد المرشحين المحسوبين على التيار الإسلامي بشكل خاص، والتيار الداعم للثورة بشكل عام، أدى إلى تشتت الأصوات؛ الأمر الذي تضرر منه عبد الفتاح مورو، كما تضرر منه غيره من المرشحين، وإن بنسب أقل. وقد يكون لخسارة النهضة في الانتخابات الرئاسية، وما ينتج عنها من إحباط معنوي وانطباع لدى الناخبين، تأثير سلبي على نتائجها في الانتخابات التشريعية القريبة.

وإلى جانب حساب الربح والخسارة على المستوى الشخصي للمرشحين، يمكن القول، بعيدا عن لغة التشفي والانتشاء، أن هناك تحديين يهددان مسار التحول الديمقراطي بتونس، أولاهما: النفور الشعبي من الأحزاب السياسية لما تعرفه هذه الأخيرة من اختلالات على مستوى خطابها وتنظيمها وسلوكها السياسي؛ إذ من المعلوم أن الديمقراطية تُحتم وجود أحزاب سياسية، لها قدرة على التأطير والتنظيم وتمثيل المواطنين. لذلك فهذه اللغة الحماسية المضادة للأحزاب السياسية وللعمل الحزبي لا تنسجم ومتطلبات الديمقراطية، ولعل من أهم دروس الانتخابات الرئاسية ضرورة مراجعة الأحزاب السياسية الجادة لذاتها. هذا التحدي الأول، أما التحدي الثاني فيرتبط بما يلاحظ من عودة لأنصار النظام التسلطي. فمن خلال تأمل توزيع الأصوات بين المرشحين يُلاحظ تقارب بين مجموع الأصوات التي ذهبت إلى داعمي الثورة، ومجموع الأصوات التي ذهبت إلى من يُشكلون، بشكل أو آخر، امتدادا لنظام بنعلي. هذا التحدي يفرض توافقا وتعاونا بين القوى الراغبة في التغيير الديمقراطي.

فهل يا ترى سيشهد الدور الثاني من الانتخابات مقدمة لهذا التوافق والتعاون بالتصويت على من يدعم خط الثورة؟ أم ستشهد تونس ما شهدته دول أخرى بانتصار بعض أبناء الثورة لمن يُضاد الثورة، لا لشيء إلا لإقصاء من ليس على هواهم الإيديولوجي؟ وهل يا ترى سيُسهم قيس سعيد، إذا ما تم انتخابه رئيسا، في وضع تونس على طريق التحول الديمقراطي الفعلي؟ مع العلم أنه عديم التجربة السياسية، وأن صلاحياته الدستورية محدودة، وبعض شعاراته التي تصلح لدغدغة مشاعر الشباب قد لا تصلح لتسيير دفة الحكم في ظل الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية.

(*) أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.