وجهة نظر

الأم لا ترمي أبناءها

21 أكتوبر 2019 - 20:18

مهما قيل عن الأسباب الدافعة لتلك الأم كي تلقي بأبنائها الثلاثة من الطابق الثالث بحي أناسي بالدار البيضاء، فإن السبب الوحيد الذي يمكن أن يكون مقنعا جدا هو أن تكون هذه الأم فاقدة لعقلها. لأن الأم، وما أدراك ما الأم، ترمي بنفسها في كل المخاطر كي تنقذ أبناءها دون أدنى تفكير، لأن عقلها العاطفي لا يعرف المنطق عندما ترى أن أبناءها على وشك أن يؤذون.

عندما وضع علماء التربية والاجتماع قواعد ضابطة وموجهة في التعامل بين الناس، وقفوا عند استراتيجتين اثنتين فوجدوهما تنكسران عندما يتعلق الأمر بالأم، وهما استراتيجية “بنك العواطف” واستراتيجية” الحب بدون شروط”.

إن مبدأ أو استراتيجية “بنك العواطف” تجعل الناس يتعاملون مع بعضهم كأنهم أرصدة بنكية، وكلما أودعوا في أرصدة بعضهم تعاملات راقية كتقديم خدمات أو تلبية حاجيات، أو تفريج كربات، والتصرف بأدب وأخلاق، إلا ووجدوا هذه الأرصدة شفيعة لهم يوم يقعون في أخطاء في حق بعضهم البعض. فالتلميذ مثلا الذي يجتهد ويتميز بأخلاق عالية ويشارك في القسم يكون قد أودع في بنك أستاذه كل هذه الأفعال الجميلة، وبالتالي إذا ما وقع منه خطأ ما سيجد الأستاذ نفسه عاجزا عن عقابه أو توبيخه، وحتما سيقول له “والله لو بذر هذا السلوك من أي تلميذ آخر لكان لي معه شأن آخر” فخطأ التلميذ هو عبارة عن عملية سحب من البنك الذي لدى الأستاذ، ومهما سحب فإن رصيده كبير يسمح بعملية السحب هاته، بخلاف التلاميذ الذين لهم أرصدة فارغة تجعلهم في مشكلة في حالة إجراء أي عملية سحب.

إن الأم من خلال تعاملها مع أبنائها، تعد الشخص الوحيد الذي لا يحتاج أن يكون لديهم عندها حساب أو أرصدة كي تعفو وتغفر وتتجاوز. فحتى الابن الشقي الشرير الذي يجلب مشاكل للأسرة، ولديه أرصدة دائما تحت الصفر، عندما يتأخر ليلا، فهي الوحيد الذي لا يغفل لها جفن، ولا تغمض له عين، ولا يرتاح قلبها، إلا عندما يطرق الباب ويأكل وينام، حتى ولو كان الوقت متأخرا من الليل، فحينها فقط يمكن أن تنعم بنومة هنية ويجد خدها مكانه الطبيعي على المخدة.

أما الاستراتيجية الثانية والتي هي استراتيجية “الحب بدون شروط” فمعناها أن الناس عادة ما يجدون أنفسهم عاجزين عن الحب عند ما يصدر من الآخرين أفعال مشينة أو مؤذية في حقهم، لتبقى الأم هي الكائن الوحيد الذي يقف كالصخرة الشامخة التي تنكسر عليها هذه الاستراتيجية. أي إن الأم ليست في حاجة إلى شروط كي تحب أبناءها، فهم فلذات كبدها في كل الظروف وفي جميع الأحوال، ومهما فعلوا ومهما صدر عنهم من سلوكات قد تغضبها ولا ترضيها.

إن ساكنة وجدة لازالت تتذكر ذلك المجرم الذي اعترض أما وبناتها قرب حديقة لالة عائشة وهو يحمل سيفا، فتذخل شرطي وأطلق عليه رصاصة في الصدر فأرداه قتيلا، إن التصريح الذي صرحت به أمه هو : ” ما كان على الشرطي أن يضربه في صدره كي يقتله، بل كان يكفيه أن يضربه في رجله أو يده كي يصيبه بعاهة فلا يموت” إن العقلاء وحدهم من فهموا هذا التصريح، ولم يعقبوا عليه لأنه صادر عن أم، ولا يمكن لأي أحد أن يصدر عنه مثل هذا التصريح إلا الأم لأنها لا تتصرف بعقل عندما يتعلق الأمر بأبنائها حتى ولو كانوا مجرمين.

وعودا على بدء، فمهما قيل عن تلك الأم التي ألقت أبناءها من الطبق الثالث، فإن من المؤكد أنها فعلا كانت فاقدة لعقلها، لأن أما سوية لا يمكن على الإطلاق أن تقدم على فعل كهذا وهي في كامل قواها العقلية.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

صالح العَبْدي الآسَفي.. صحفي وسياسي طواه النّسيان

وجهة نظر

المغرب الذي يفاجئنا

موكب الشموع بسلا وجهة نظر

الجمعيات المدنية وسؤال إحياء المولديات المغربية (2/2)

تابعنا على