وجهة نظر

انحطاط الكاتب

09 يناير 2020 - 20:16

من علامات انحطاط الكاتب أن يغادر منطقته الخطيرة و النبيلة ككاتب، وينزلق صوب منطقة التاجر، إذ يروّج لنفسه بابتذال : تجدون كتابي في هذه المكتبة وهذا الشارع. أفدح من ذلك، لم يتبق سوى نسخة في هذا الدكان، فسارعوا للظفر بها. وأما البشاعة نفسها، فحين يرفع عقيرته دون خجل: لمن يودّ اقتناء روايتي فليتصل بي شخصيا على هذا الرّقم …

من علامات انحطاط الكاتب، أن يشنّ حملة هوجاء، أشبه ما تكون بحملات اللعبة الانتخابية الرديئة، محاولا بكل الطرق الرخيصة استدراج أكبر عدد من معارفه إلى حفل توقيع كتابه. إنه يسعى بتلفيق وابتزاز كي يحشد جمهرة حوله، فالجوقة في اعتقاده الركيك هي معيار النجاح. مع هذا النوع من الكُتّاب الرديئين غدت حفلات توقيع الكتب أهم بكثير من الكتابة ذاتها. ومن طرائف ذلك أن يتصيّد كل مُقْتنٍ لكتابه على حدة، دون استثناء، بأن يلتقط معه صورة، حتى ينشر مهرجانا منها في أحد وسائط التواصل والهدف الأحمق : النجاح منقطع النظير للحفل… عجبا كيف غدا الكاتب –هو- من يطلب أن يتصور مع القارئ ، وليس العكس. بل إنه يتصيّد كُتّابا آخرين داخل ممرات المعارض وهم في الأغلب لا يعرفونه، فيجبرهم على التقاط صور فاقعة، كي يزعم بأنهم لم يفوّتوا حظوة توقيعه لهم.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يروّج لحماقة ( الأكثر مبيعا)، مُسلّعا بذلك جمال ما يكتبه ورافعا لقيمته التجارية على حساب قيمته الفنية. بل هناك طائفة من الكتاب يزعمون في كل مناسبة نفاد كتبهم بالمئات، وعجبا كيف لم تنفد الألف نسخة من كتبهم التي ما تزال قيد طبعتها الأولى منذ سنوات عجاف.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يرهن قيمة وجدوى ومعنى ما يكتبه إلى قيمة الجوائز، فكأنّ الجائزة هي المطلب الأول والأخير للكتابة، وكأن الجائزة هي المعيار الوحيد لحقيقة العمل الفني.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يسقط في فخ طائفة ذكية من القراء، يجاملونه فيما يستدرجونه بحذاقة إلى مسرحهم، فيتعرّى أمامهم وهو يظن العكس. دون أن يعي ذلك، يتقزّم تحت الضوء الكاشف، فيفضحه غروره المفرط أو تفضحه قائمة أمراضه وعاهاته المستديمة، ولا يني يظهر بائسا أجوف أمام أنظار العالمين.

من علامات انحطاط الكاتب، أنْ لم ينجح بعد في كتابة نص حقيقيّ بعد يشفع له كي يكون كاتبا بالفعل، وبدل أن يسعى إلى تحقيق ذلك، ينصّب نفسه عرّابا للنوع الذي يحاول أن يكتب فيه، فيبدأ بتوزيع الصكوك.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يرهن قيمة ما يكتبه إلى شيء خارجي : (كثرة الحضور في المناسبات)، لا أن يرهنه إلى شيء داخلي ( القيمة الجمالية لكتابته).

من علامات انحطاط الكاتب، أن يزعم بوقاحة، أنّى اندلعت ثورة، أو صخبت حادثة اجتماعية، بأنه تنبّأ بذلك في كتابه، أو كتابُه كان السبب في حدوثها بالأحرى.

من علامات انحطاط الكاتب وهو في غالب الظن كاتب لاجئ، أن يزعم بأنه ممنوع من النشر عربيا دون استثناء، فقط لأن كتابا أحمق من كتبه ممنوع من العرض في معرض من معارض دول الخليج المظلمة وهذا تحصيل حاصل مع أغلب الكتاب، غير أن كاتبنا الخطير يفردها لنفسه، ويضعها ضمن أولويات سيرته كي يكسب تعاطف الغرب، ويتصيّد بها إحدى جوائزه.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يتحدث بإسهاب عن كتابه قيد النشر، بل ويرتكب حماقة أكثر من حوار يفضح فيه عمله الذي لم يخرج للوجود بعد، ما يشبه عملية إجهاض له في ألطف الصور.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يلجأ إلى سلطته كإعلامي كي يلمّع صورته ككاتب. أبدا صورة الإعلامي المنذورة للجمهور لن تعوّض صورة الكاتب المنذورة للقارئ.

من علامات انحطاط الكاتب، أن يترك حرفة الكتابة، ويمتهن حرفة الكلام
.
من علامات انحطاط الكاتب، أن يراوح المكان في الحديث باستمرار عن كتبه السابقة وقد انفصلت عنه وصارت في ذمة القارئ، بدل أن يهتم بما لم يكتبه بعد…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

المغرب الجزائر وجهة نظر

التطبيع المغربي الجزائري آتٍ لا ريب فيه !

وجهة نظر

التكوين كمدخل إلى التجديد التربوي

وجهة نظر

مواقع التواصل الاجتماعي وغياب الفاعل التربوي

تابعنا على