غزة.. ما بين أمل الانتصار وألم الانكسار
https://al3omk.com/500860.html

غزة.. ما بين أمل الانتصار وألم الانكسار

فلسطين العروسة التي تمت خيانتها… أرضا توجد في قلب العالم يحيط بها أخوتها العرب، ولكن المصلحة أحيانا تكون أهم من الدم والقرابة والعروبة…إلخ، انشغل أخوتها بمشاكلهم الخاصة ونسوا أنه يوجد احتلال غاشم يتسبب بمشاكلهم، وبدون الوحدة وصفاء النوايا وصنع الإرادة والقرار الموحد، لن يتم حل أي مشكلة لديهم، وإن تم حلها ستخلق مشاكل جديدة لهم، لأننا نحارب الفرع وننسى أن نتوحد لنقضي على الجذر، حتى وإن كان هذا الجذر متينا صلبا. غزة نموذج لجزء صغير من الكل الفلسطيني، تعاني كغيرها من المدن الفلسطينية من حالة وجع وانكسار وخيانة، ورغم ذلك يبقى لديها أمل وإرادة بالنصر.

*- حالة الأمل في غزة:

لقد بدء الصراع على الكراسي السياسية فيها قبل أقل من عقد ونصف من الزمن، حيث سيطرت حركة حماس على الحكم في فلسطين بعد نجاحها في الانتخابات التشريعية آنذاك، وبعد عدم مقدرتها على السيطرة التامة على الأوضاع والنظام العام تدهورت الحالة السياسية الفلسطينية، وأصبحت أكثر سوءا مما أدى إلى عودة حركة فتح إلى المشهد السياسي واستلمت الحكم بالضفة الغربية، كما استلمت حركة حماس المشهد السياسي في قطاع غزة، وتم خلق حالة من التعدد في القرارات السياسية داخل الساحة الفلسطينية، وخلف ذلك نوعا ما حالة من الانفصال السياسي والإداري.

حيث سيطرت حركة حماس سيطرة كاملة وتامة على قطاع غزة، واستلمت جميع مقاليد الحكم فيها. في الحقيقة نجحت حماس في البداية في إدارة قطاع غزة من خلال التوظيف والإدارة الجيدة للبلديات والمحافظات الجنوبية. وقد يكون هذا السبب الذي كان في البداية الذي سمح لها بالاستمرار، كما كان لها آنذاك علاقات طيبة كما يعلم الجميع بأغلب دول المحور اليميني كإيران وقطر وتركيا والسودان…إلخ، مما فسح المجال لها لكي تستمر لغاية يومنا هذا في المشهد السياسي داخل قطاع غزة المحاصر.

كما لا يمكن أن ننسى دور الحركة في دعم المقاومة داخل غزة، وقد يكون هذا السبب الأكثر أهمية لبقائها مسيطرة على غزة حاليا، حيث قادت حماس وباقي الفصائل الفلسطينية عدة حروب خلال الأعوام 2008م- 2012م – 2014م، حيث نجحت فقط في صد العدوان الإسرائيلي على غزة، ومازال احتمال استمرار الحروب قائم، وقد خلقت هذه المقاومة عند الشعب الفلسطيني حالة من الوحدة والتكاثف خلال الحروب الإسرائيلية الغاشمة على غزة.

كما إن الشباب الفلسطيني الذي انتفض ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود بين مدينة غزة و “إسرائيل” خلق من جديد أملا، وإن كان هذا الأمل صادقا لدى هؤلاء الشباب فقط على ما أعتقد، لكنه أرهق جنود الاحتلال وأثبت للاحتلال أن الشباب الفلسطيني لم ولن ينسى قضيته وحقه في أن تكون القدس عاصمته، وعلى هذا الاحتلال الظالم أن يفك الحصار على غزة.

رغم حالة القهر والتألم التي تعانيها غزة كباقي المدن الفلسطينية إلا أنها صامدة كغيرها من مدن فلسطين، وفهم الاحتلال أنه شعب لا يمكن أن يستهان به، وعليه أن يحترم حقه أجلا أم عاجلا في تقرير مصيره. فرغم الأوجاع في غزة إلا أنها مازالت تعلمنا الصبر، فالصيادون يصطادون رغم محاولات الاحتلال لتضييق حريتهم واعتقالهم، الموظفون والعمال ما زالوا على رأس عملهم رغم رواتبهم المالية الهزيلة، أهل فلسطين يعلمون تماما أن قضيتهم الأولى والأهم من كل شيء هي فلسطين، ومعركة الشعب الأساسية يجب أن تكون لتحرير أرضه من أيادي الاحتلال بشتى الطرق والوسائل المتاحة له. فشعبنا في هذه الأرض المباركة يرى باشتياق حار القدس وصفد ونابلس وحيفا وعكا وأريحا وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة، فيقوم الشعب الفلسطيني تلقائيا بالتغاضي عن أي مشاكل حياتية يمكن أن يتعرض لها.

*- حالة الانكسار والمشهد السياسي المحير في غزة:

لا يخفى على أحد حالة الوجع التي تعيشها غزة نتيجة استمرار الحصار، فقد خلفت العدوان الإسرائيلي المتكرر عليها حالات بشعة من دمار المباني السكنية والمؤسسات، وإغلاق للمعابر التجارية وعدم مقدرة فلسطيني واحد السفر للخارج سواء للعلاج أو السفر، كما تم استشهاد الآلاف من الفلسطينيين وإصابة عشرات الآلاف، مما أدى إلى خلق حالة من العجز الشبه كامل لعلاج هذه الأوضاع، فتحتاج غزة لوضع سياسي داخل مستقر ودعم بمليارات الدولارات لإعادة الإعمار فيها.

وما زاد من تعقيد الأمور إغلاق معبر رفح البري بين مصر وقطاع غزة، فلم يتمكن عشرات الآلاف من الفلسطينيين من السفر للعلاج من آثار الحروب، وقد فرضت ضرائب عالية جدا لمحاولة تسيير الوضع الإداري داخل القطاع رغم انقطاع الرواتب المالية وهزلها بنفس الوقت، فأصبح وضع المواطنون الفلسطينيين في غزة معدم ماليا وبالتالي أعدم اقتصاديا، وإن هذا الوضع سيخلق لا محالة حالة من عدم الرضا السياسي داخل القطاع، حتى وإن تم إخماد العديد من الهبات الشعبية لتحسين الحالة الاقتصادية ووضع الشباب في غزة، فإن الإخماد هنا لا يعتبر حلا إطلاقا بل هو تخدير لبركان قادم، فما المتوقع من شعب محاصر إسرائيليا وإقليما أن يفعل؟ هل سيبقى ساكتا؟ وإلى متى؟ هل التخدير حلا؟

جميع المناحي الحياتية معدمة فأغلب المصانع أقفلت وشرد ألاف العمال نتيجة تدهور الحالة الاقتصادية، وألاف المصابين في حالة الخطر ينتظرون العلاج في الخارج دون أمل، فبالتالي الحالة الاجتماعية ستدهور أكثر فأكثر، وهذا عبارة عن انفجار تم تأجيله قليلا فقط.

أما الحالة السياسية فهي مشرذمة جدا، جميعنا نعلم بأن حركة حماس كانت في عهد رئيس مكتبها السياسي العام خالد مشعل تحاول أن تبتعد نوعا ما عن إيران، وأن تكون علاقتها معها في أقل حالات قوتها نظرا لرؤية الحركة آنذاك تقوية علاقتها مع السعودية، فقد تم في عهد مشعل إغلاق العديد من المؤسسات والجمعيات الإيرانية داخل غزة، كما تم إعلان موقف الحركة عن رفضها لبقاء الأسد في سوريا، وأن تبقى الحركة ضمن إطار تنظيم الإخوان المسلمين، مما أدى ذلك إلى عدم تحسن علاقات الحركة مع النظام المصري الحالي، كما كانت حماس في ذلك الوقت لا تعترف بأراضي 1967م كدولة فلسطينية مؤقتة.

لكن بعد الانتخابات الداخلية الأخيرة للحركة، واستلام إسماعيل هنية رئاسة مكتبها السياسي العام، تم تغيير السياسة الخارجية للحركة بشكل شبه جوهري، فقد تم تحسين العلاقات مع إيران بشكل كبير، فأصبحت تتلقى الدعم منها بشكل شبه واضح ومعروف للعالم أجمع، وتحصل حاليا إيران بشكل دائم على تأييد من الحركة وتعاطف كبير منها، فقد قام رئيس مكتبها الحالي بزيارة إيران وتعزيتها بمقتل سليماني، وبنفس الوقت مكتب الحركة في سوريا، استنكر هذه التعزية ورفضها فأصبح الأمر السياسي داخل الحركة غامضا وغير مفهوم ومتعدد القرارات، رغم محاولة إيران بالفعل في دعم المقاومة الفلسطينية في غزة، وتدعي أن “إسرائيل” عدوتها الأساسية، ولكن هذا كلام غير منطقي، فإيران موجودة من خلال حزب الله في جنوب لبنان الذي تطل على فلسطين المحتلة، وموجودة بقوة على الحدود السورية مع حدود شمال شرق فلسطين المحتلة، إذن فلماذا لا تقوم إيران بضرب ومحاربة إسرائيل؟

كما إن موقف الحركة من الأسد في سوريا في طريق التغير، فتعيين صالح العاروري كنائب رئيس عام للمكتب السياسي للحركة، وهو معروف بتوجهه السياسي لصالح المحور اليميني المتمثل في إيران والأسد، فهو شخصية مقبولة لدى حزب الله اللبناني، ومن الممكن أن يقوم بتحسين العلاقات مع سوريا من جديد.

أما الموقف الحالي من الحركة تجاه مصر فهو قد تبدل، فبمجرد إعلان حماس عن وثيقة حركتها، واعترافها بأنها ليس جزء من تنظيم الإخوان المسلمين، وقد أبدت موافقتها عن حدود 1967 كدولة فلسطينية مؤقتة، ولو كان بدون الاعتراف ب”إسرائيل”، فهذا يعتبر تطور كبير جدا للحركة، فقد خولها هذا التغير والتطور بتحسين علاقتها مع مصر، ولكن للأسف حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي خول لمصر أن تضع ملف قضية فلسطين والمصالحة الوطنية الفلسطينية الداخلية داخل درج مخابراتها، وهذا يعتبر تقزيما لقضيتنا، فمن المفترض أن تطالب الحركة والسلطة الوطنية الفلسطينية تحويل ملف فلسطين إلى وزارة الخارجية المصرية، بما أننا دولة معترف بها من قبل مصر، ولا يمكن أن تكون قضيتنا في درج المخابرات، فنحن دولة لها تمثيل دبلوماسي من خلال السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، ولا يمكن اختزال وضعنا وتحويله لمجرد قضية داخلية مصرية توجد بدرج في مقر المخابرات المصرية، فلابد من احترام السياسيين والدبلوماسيين الفلسطينيين وأن يكون الجهاز الدبلوماسي مسؤولا عن ملف قضيتنا بكل نواحيها وليس الجهاز الأمني المصري، كما أن العمل الدبلوماسي ولباقة العبارات وحسن التوصل لاتفاقات، هذا كله يمكن أن يبدع به فقط الجهاز الدبلوماسي لا غير. لذلك لابد من القيادة المصرية الحكيمة الحالية أن تنظر لهذا الأمر وتعالجه، فتاريخنا وعلاقاتنا مع مصر لا يمكن أن تنطفئ أبدا.

أما بالنسبة لعلاقة الحركة مع السعودية فهي قد تراجعت بشكل كبير نتيجة دعم الحركة لإيران، وهذا أدى إلى إزعاج السلطات السعودية من الحركة. أما الموقف الحركي من الإمارات ينتابه بعض الغموض، فهي ترفض في العلن أن يكون لها علاقات مع حماس، ولكن تقوم الإمارات من خلال محمد دحلان بعمل مشاريع وجمعيات داخل غزة وترسل الدعم بشكل متكرر، كما سمحت الحركة لدحلان بعودة بعض كوادره، وعمل جلسات صلح وطنية مع عائلات ضحايا الانقسام الفلسطيني أثناء سيطرة دحلان على القطاع قبل أكثر من عقد ونصف من الزمن.

أما موقف الحركة من تركيا وقطر ثابتا نوعا ما، فهي تسمح لقطر وتركيا بإنشاء مشاريع ودعم المؤسسات العامة في غزة، ولكن لا يمكن اعتبار موقف تركيا هنا لصالح الفلسطينيين بشكل دائم، فتم قبول تعويض “إسرائيل” لضحايا سفينة الحرية من قبل الحكومة التركية بعدما كانت تطالب تركيا بفك الحصار بشكل نهائي، فقد وافقت على إرسال بضائعها ومساعداتها إلى الموانئ “الإسرائيلية” لتصل إلى غزة بعد ذلك، وهذا أمرا طبيعي فالعلاقات التجارية بين تركيا و”إسرائيل” كبيرة للغاية، ولا يمكن أن يتم توقيفها بسبب حادثة السفينة، فالطبيعي أن تستمر المصلحة فوق كل اعتبار. أما قطر فكانت ومازالت تدعم حماس داخل القطاع ولكنهل تدعم حماس مقابل توفير الهدوء على الحدود أو صنع تهدئة أو اتفاق غير مباشر بين الحركة و”إسرائيل”، وهذا لا يخفى لأحد فيوجد مكتب تجاري ل”إسرائيل” في الدوحة، مما جعل لقطر علاقات مع “إسرائيل” تمكنها من قيادة هذا الأمر وتحقيق الوساطة بين الطرفين.

الخاتمة:

إن العبرة العامة التي يجب أن نفهمها أن الأحزاب السياسية داخل أراضي السلطة الفلسطينية لا تختلف في غايتها إطلاقا، فالسلطة الفلسطينية وحماس حاليا تعترف بحدود 1967م، وعلاقات السلطة بسوريا وإيران قوية، وعلاقات حماس بهما أصبحت قوية نوعا ما، وعلاقات حماس والسلطة الفلسطينية حاليا قوية بمصر، كما يوجد تنسيق بشكل غير مباشر بين الحركة و”إسرائيل” عبر مصر أو قطر لتحقيق تهدئة بين الطرفين وتسهيل وضع الحالة الاقتصادية داخل غزة، فالسؤال الجوهري، (أين الاختلاف بين الطرفين؟)، لابد من نخجل من أنفسنا وأن نتحد ونقوم بعمل الانتخابات التي تمثلنا بأسرع وقت، فالاختلاف بين السياسيين غير قائم على ايدلوجية دينية بل هو اختلاف ناجم عن إرادة بعض الأطراف السياسية للسيطرة على الكراسي السياسية. لذلك على الحركة والسلطة أن يتنازلوا قليلا لكي يسير المركب، وخصوصا في وقتنا الراهن، في ظل وجود صفقة قرن أمريكية تريد أن يستمر حالنا هذا المشرذم والحزين.

* باحث فلسطيني في القانون الدولي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.