"أريد أن تنجبي لي ذكرا".. قصة نساء يعانين من أزواج يرفضون البنات (روبورتاج)

17 فبراير 2020 - 17:00

"لم أستطع تحقيق حلم زوجي بإنجاب ذكر"، بهذه العبارات فتحت "أم وداد"، قلبها لجريدة "العمق"، لتسرد تفاصيل قصتها التي تستحق أن تتحول إلى عمل درامي، لما فيها من عزيمة وصمود على الاستمرار في الحياة رغم ما عاشته من ألم ومعاناة من طرف زوجها الذي كان ولا يزال يصر على إنجابها لمولود ذكر.

سمية (اسم مستعار)، عاشت نفس قصة "أم وداد"، لكن بسيناريو مختلف. فقد تعرضت لـ "ضغط يومي وهجران لبيت الزوجية" من أجل دفعها لقبول التعدد، حتى يحصل هو على ذكر وتعيش هي في سلام، مبرزة أنها تزوجت في سن مبكرة وعن قصة حب، ولم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن يطلب منها زوجها الزواج بثانية قصد الحصول على ذكر، بعدما أنجبت له أربع بنات.

تعنيف وترهيب

لم تستيقظ "أم وداد" بعدُ من صدمة رؤية وجه زوجها يَسود عندما رزقت بابنتهما الرابعة. من هول الصدمة، تحول حب حياتها في رمشة عين إلى غريب ينغص يومياتها حتى ندمت عن النظرة الأولى التي قذفت بها إلى هذا الجحيم. لم تعد تريد منه ولا من الحياة شيئا إلا أن يتركها تعيش بسلام والقوة لإيصال بناتها الست إلى بر الأمان، بعدما لم يكتب لرحمها أن تلد الذكور، فصارت تحمل صفة "أم البنات".

كانت "أم وداد"، كما تحكي لجريدة "العمق" تعيش حياة ملؤها الود والطمأنينة قبل أن تنقلب حياتها رأسا على عقب. لم تكن تتوقع أن تكون ولادة ابنتها الثالثة نقطة تحول في سلوك زوجها الذي كانت فرحته بابنتيه الأوليين بحجم الكون. في المخاض الثالث افتقدت فرحة من ارتطبت به عن حب واقتناع ولم تكن تعلم وقتها أن القادم من حياتها جحيم.

"كبرات المشاكل" تقول "أم وداد" بكل أسى وهي تستحضر تغير معاملة زوجها بعدما أنجبت البنت الثالثة وأعقبتها برابعة قبل أن تلتمس من زوجها أن "يكتفوا بما رزقهم الله" من بنات جميلات. كان رد الزوج صادما. إذ رفض المتلمس بشكل قاطع، مُصرا على حمل خامس وسادس إلى أن يرزق بولد: "أنا باقي خاصني الولد، وولادي ماكيخدم عليهم حد من غيري". كان يريد أن يخلف من يحمل اسمه من بعده، وأن يطرد من سجله صفة "أبو البنات".

لكن سوء معاملة الزوج لن يتوقف عند اختفاء الكلمات الطيبة من حديثه مع "أم وداد" التي التقيناها بجمعية العمل النسائي في طنجة. سرعان ما انتقل إلى مستويات أكثر تنكيلا وصلت إلى التعنيف والترهيب مع تلويح لا يتوقف بالتعدد: "خاصني نتزوج".

تفاقمت المشاكل حتى صارا أشبه بغريبين وإن كانا يعيشان تحت سقف واحد. وما لبث أن انتقل الزوج مدفوعا بالرغبة في إنجاب ولد، إلى افتراء حيل لدفع أم بناته الست إلى ترك البيت ليتسنى له الارتباط بزوجة ثانية. وعندما لم ينفع التعنيف والترهيب في إخراجها من منزلها "قطع عليا المصروف".

نفسية محطمة..

بهاتين الكلمتين اختصرت "أم وداد" حالها بعد زواج كانت بدايته مبشرة بالسعادة والأمان قبل أن يتحول إلى شقاء وخوف دائم على بناتها ومستقبلهن.

الندم معول آخر يُفشل كل محاولاتها لاستنهاض الهمم رغم لجوئها إلى طبيب نفسي. لقد تحول اليوم الذي قبلت فيه الزواج به إلى كابوس يسود في عينيها كل ذكرى جميلة. تقول "أم وداد" إنها انتهت كزوجة، لكن تفكيرها الكلي ينصب على بناتها اللواتي هجرهن رجل لاهث وراء ولد. تحكي بمرارة كيف لا تمر ليلة واحدة دون أن تذرف الدموع، متضرعة إلى الله أن يمنحها القوة لتربيتهن وإعالتهن.

من أجل بناتها، تستجمع قوتها في كل مرة يقول لها فيها "أنت مبيقتيش صالحة ليا"، لترد عليه بكل حزم بلهجتها الشمالية: " أنا غي مضيعنيشي، وخليني مع بناتي فالدار وسير تزوج".

طهاري: "المرأة ضحية الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع"

يرى أخصائيو الطب النفسي أن رغبة الرجل في إنجاب ذكر ترتبط أساسا بالثقافة الذكورية السائدة في المجتمع، والتي تكون المرأة ضحيتها.

وفي هذا السياق، أوضح فيصل طهاري أخصائي نفسي اكلينيكي ومعالج نفسي، أننا نتواجد في مجتمع مغربي ذكوري بطبعه، "فالحق الذي يعطى للرجل على مستوى العرف لا يعطى للأنثى، ففي موضوع الإنجاب دائما ما يتم توجيه تهمة عدم إنجاب الذكر للمرأة، مع العلم أن الحقائق العلمية تقول أن الرجل هو من يتحكم نوعا ما في هذه المسألة ولها تسلسلات منها ما هو وراثي أيضا"، على حد تعبيره.

وأورد طهاري في تصريح لجريدة "العمق"، أن مظاهر التخلي عن الطرف الآخر في العلاقة الزوجية له مجموعة من المظاهر، منها المرض المزمن أو عدم الإنجاب بشكل كلي، كما نجد من بين الحالات التي وللأسف تتواجد بمجتمعنا، من يصرون على إنجاب الذكر.

وشدد المتحدث، على أن الأمر يتعلق بفئات معينة، وبعقلية تُلح على أن ضرورة وجود ذكر يحمل نسب العائلة وخليفة لوالده، "ففي كثير من الحالات نجد الحرص والحث الشديدين للرجل على المرأة بأن تنجب، فنصبح في البنت الأولى والثانية مع الاستمرار في البحث حتى نصبح في البنت السابعة أو الثامنة، مع العلم أننا نعرف أنه مع غلاء المعيشة ُتصبح هؤلاء الفتيات يعشن في مستوى ضعيف جدا على مستوى الحياة اليومية".

وتابع أن المرحلة التي تأتي بعد اليأس من أن المرأة لن تنجب ذكرا، هي التفكير في الزواج بأخرى فيتم تحميل المسؤولية للزوجة، لأنها الحلقة الأضعف هنا، فهي ليست من تحدد جنس المولود لأن الله هو من يحدد ذلك، وتتحمل مسؤولية أنها هي من تنجب البنات وبالتالي ليست صالحة، ليبدأ التفكير بالتعدد أو التطليق والبحث عن أخرى.

قبلت التعدد لأعيش بسلام

"ضغط يومي وهجران لبيت الزوجية دفعاني لقبول التعدد، حتى يحصل هو على ذكر وأعيش أنا في سلام"، تقول سمية (اسم مستعار)، تروي هذه المرأة لجريدة "العمق" بصوت متعب من وراء سماعة الهاتف، كيف اختارت ذات يوم أن تأذن لزوجها بالتعدد لتعيش هي بسلام.

ربما تتمنى سمية – اسم مستعار- لو أوتيت قوة "أم وداد" لتصمد أمام ضغوط زوجها حتى لا تقبل زواجه بثانية. لكن طاقتها لم تسعفها لتحمل "الضغط اليومي وهجران بيت الزوجية".

"عمري تخيلتو يتزوج عليا"... تقول سمية التي تزوجت في سن مبكرة بعد قصة حب "جميلة" اعتقدت أنها ستطول العمر كله ولن تذبل أبدا مهما حصل. لكن كل شيء تغير بعد ولادة ابنتهما الرابعة. تحول زوجها من عاشق محب لا يتحمل رؤيتها إلا مبتسمة إلى مهمل دائم التذمر. ولما سألت عن السبب، فاجأها بما لم تتوقع: "أريد ولدا يحمل اسمي".

وهكذا، وجدت سمية نفسها في الثلاثينيات من عمرها أمّاً لأربع بنات من زوج ضالته ولد "لكي لا يضيع تعبه وجهده في العمل وجمع الأموال سدى"، كما يقول في اللازمة التي حلّت محل الكلام المعسول الذي كان ينظُمه في سمية في أول زواجها.

جاء الخبر المنتظر..

أبدت سمية استعدادا مطلقا للحمل مجددا، متسلحة بأمل كبير في الله تعالى أن يهبها هدية تحقق بها أمنية زوجها لكونها "تحبه ولا تريد أي مشاكل معه". لم تكن تتوقع أن يرفض هذا المقترح بشكل مطلق بحكم أنه ميسور الحال ولن يعدم مالا ينفقه على أسرته مهما بلغ عدد أفرادها. لكن أغلق الباب أمام كل محاولاتها لإقناعه بدعوى أن احتمال أن تنجب بنتا خامسة أكبر.

كانت هذه الورقة الوحيدة في يد سمية. جاء الدور على الزوج ليلعب أوراقه. "فاتحني بالتعدد، وأكد لي أنه سيتزوج بامرأة ثانية لتنجب له ذكرا" تقول سمية مستحضرة كيف نزلت عليها هذه الكلمات كالصاعقة. لقد كانت أقرب إلى إخبار بالقادم منها إلى اقتراح.

أخذت سمية وقتا لـ"تفكير طويل وعميق" قبل أن تقبل التعدد، لأنها لا تريد أن تكون "سببا في هدم بيت الزوجية ولحبي الشديد"، على حد قولها.

وبالفعل، بعد أشهر قليلة من الزواج جاء الخبر المنتظر. الزوجة الثانية حاملة بمولود ذكر. لا تخفي سمية أنها شعرت بـ"خيبة أمل كبيرة لأنني لم تتمكن من إنجاب ذكر له". بيد أنه سرعان ما تحولت هذه الخيبة إلى غبطة سرور عندما لمحت في عيني زوجها فرحة عارمة بالمولود المنتظر. "رأيت في عينيه فرحة كبيرا، ورغم أنني شعرت بحزن داخلي، إلا أنه وفي نفس الوقت فرحت لفرحته" تقول سمية مستحضرة لحظة أخبرها زوجها بما ينتظره من بشرى.

ورغم المعاناة التي مرت منها سمية بعد إنجابها البنت الرابعة، إلا أنها متأكدة أن المولود الجديد، وإن لم يكن ابنها، سيكون تذكرة عودتها إلى السعادة الزوجية التي افتقدتها كثيرا تماما مثل "أم وداد".

الشرقاني: "الرجل أيضا ضحية"

تتوافد على اتحاد العمل النسائي بطنجة، حالات عدة لنساء كُنّ عرضة للتعدد أو الطلاق بسبب إنجابهن للإناث وغالبيتهن تعرضن للعنف أو الترهيب قصد ترك بيت الزوجية.

ورغم عدم التوفر على أرقام رسمية في الموضوع، إلا أن حكيمة الشرقاني، مسؤولة الشباك القانوني باتحاد العمل النسائي -فرع طنجة-، أكدت أن هناك بعض الطلبات في المحاكم تقدم قصد التعدد بدعوى الرغبة في إنجاب الذكر.

وأشارت الشرقاني في تصريح لجريدة "العمق"، إلى أن النساء الوافدات على الجمعية، غالبيتهن تعرضن للعنف والترهيب بسبب الموضوع، مبرزة أن إنجاب الذكر من عدمه ليس ذنب المرأة، وليس وسيلة لتبرير العنف ضدها، فهناك "نماذج لنساء عاشرهن أزواجهن بطريقة غريبة، حتى يَملّوا من الحياة رفقتهم ويعلنوا انسحابهن بمحض إرادتهن".

وتابعت بالقول، "أعتقد أن هذه المسألة ينقصها القليل من الوعي، لأنه ما دام هذا الرجل يطلب مثل هذا الطلب، فإنه يجب أن يحال على مختصين لكي يفهموه بأن إنجاب الذكور أو الإناث يتحكم فيه الرجل"، مضيفة نحن "في مجتمع به نسبة مهمة من الأمية، وغير مكوّنين في المسائل العلمية، فيبقى هذا نوع من الجهل".

وشددت الشرقاني، على أن الرجل بدوره ضحية، لأنه بأفكاره وبرصيده الثقافي وجهله بالمسائل العلمية سبب في ذلك، فهو يتملص من مسؤوليته اتجاه زوجته وبناته على أساس أنه كرجل له الحق في الزواج مرة اخرى وطلب ذكور من صلبه".

السكنفل: "قضية عقليات ونوع من التخلف الفكري"

قال لحسن بن إبراهيم السكنفل رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة، إن الأولاد هبة من الله، حيث يقول الله تعالي "لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير".

وأوضح السكنفل في تصريح لجريدة "العمق"، أن الآية تبين بأن الله هو من يهب من يشاء إناثا، وبدأ فيها بالإناث في مجتمع كان يئد البنات، مشيرا إلى أن قضية تفضيل الذكور على الإناث لا أساس لها.

السكنفل شدد على أنه لا فرق بين الذكر أو الأنثى في الإسلام، "فمثل هذا السلوك دال على عقلية متخلفة فيها الظلم والعدوان والتطاول، والشرع لا علاقة له بقضية التفضيل فهذه قضية عقليات فقط، وفيها نوع من التخلف الفكري"، على حد تعبيره.
وتابع بالقول، "المرأة لا تتحكم في جنس الولد فهذا عطاء الله والعلم أثبت حسب الدراسات العلمية المتخصصة أن الذي يتحكم في جنس الجنين هو ماء الرجل".

وبخصوص الرجال الذين يختارون التعدد بحثا عن إنجاب الذكر، أوضح السكنفل أن مسألة التعدد أعطى الشرع فيها له الحق وذلك ضمن ضمانات، وهي أن يكون قادرا على ذلك، بمعنى هل هو قادر على تأسيس أسرة أخرى، وأن يتحمل المسؤولية وألا يترك تلك المرأة معلقة".

واستطرد بالقول: "مبرر البحث عن ذكر ليس مبررا للتعدد، ولكن حتى ولو افترضنا أنه قادر وله إمكانيات فيجب أن يعدل، يقول الله تعالي "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاع، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا".

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

بعد إصابته بكورونا.. نقل رئيس جامعة السعدي بتطوان إلى المشفى العسكري بالرباط

“سيلفي الطلاق”..تونسيان ينهيان قصة زواجهما بلقطة استثنائية

عدد مصابي كورونا بالمغرب يلامس 30 ألفا.. و14 وفاة جديدة (فيديو)

تابعنا على