المتساقطون في زمن كورونا

23 أبريل 2020 - 19:07

يعيش العالم اليوم، على وقع أزمة صحية غير مسبوقة، جراء تفشي فيروس كورونا المستجد، أزمة تنذر بإنهيار وشيك، في كل المجالات، والأيام القليلة المقبلة، كفيلة لإظهار هول الكارثة، التي تهدد مستقبل العالم بأسره.

لم يكن في حسبان الجميع، في بداية ظهور فيروس كورونا المستجد، في مدينة ووهان الصينية، أن يتحول هذا الفيروس القاتل، إلى فيروس عابر للقارات، وغازي ومحتل لكل دول العالم، القوية والضعيفة منها على حد سواء، لا أحد كان يتوقع أن هذا الفيروس الفتاك، بهذه القدرة الرهيبة، على عزل الدول عن بعضها البعض، وإرغامها وإجبارها على إغلاق حدودها ومنافدها البرية والبحرية والجوية، لا أحد كان يبالي بخطورته ويعتقد أن هذا الفيروس الذي لا يرى حتى بالعين المجردة، قادر على بث الرعب والهلع في زعماء أعتى الدول وأقواها في العالم، كما فعل وحدث اليوم.

لم يكن أحد منا يتوقع أن يظل حبيس جدران منزله، منعزلا بشكل إجباري، عن أصدقائه وعن العالم الخارجي، يترقب بخوف وفزع ما ستئول إليه الأحداث، وما ستسفر عنه الأيام القادمة، ويعد بقلق وإرتباك، ما تبثه وسائل الإعلام المختلفة، من إحصائيات المصابين والمتوفين من ضحايا فيروس كورونا القاتل.

كان الجميع يظن أن الأمر، مجرد لحظة عابرة، لا تستدعي الخوف و القلق، ولا تستوجب إتخاذ ما إتخذ اليوم من الإجراءات والتدابير الإحترازية، بل كان من ينكت ويسخر على مختلف وسائل التواصل الإجتماعي، من هذا الفيروس في بداية ظهوره، منهم من يتشفى في الصينيين ويسخر منهم، لم يكن أحد يتخيل أن كارثة حقيقية حلت بالبشرية جمعاء، ولم يكن أحد يتخيل أن تتوقف الحياة، بهذا الشكل المخيف، الذي نراه اليوم، بعدما كانت مدن وعواصم مختلف دول العالم تضج بالحياة، وليلها شبيه بنهارها، أصبحت اليوم مدن أشباح، خالية من المارة يسودها الهدوء والسكون، أغلقت المتاجر والمحلات أبوابها، وعزلت المدن والبلدات عن بعضها البعض، منع السفر والتنقل بينها، وأعلنت حالة الطوارئ، وفرض حظر التجوال، منعا لتفشي الفيروس، وإنتشاره زيادة على ما هو عليه اليوم في كثير من الدول.

تجاوز عدد الإصابات في العالم اليوم، سقف المليون إصابة، وحصيلة الوفيات نتيجة هذا الفيروس اللعين، في تزايد مستمر.

لم يشفع للعالم تطوره، وتكنولوجيته، وتفوقه العلمي، أمام قوة كورونا، وها هو يتحدى كل يوم غطرسة وجبروت العالم أجمع.

لم يخشى قرارات مجلس الأمن وحق الفيتو، ولم يحسب لحلف الناتو أي حساب، لم يأبه لعقوبات أمريكا، ولم يركع لتهديدات إيران وروسيا، بل داس على الجميع، وتفنن بوحشية غير معهودة، في حصد مزيد من الأرواح، ومضاعفة أعداد المصابين بين سكان العالم، دون إعتبار لجنسهم، وعرقهم، ولغتهم، ودينهم، ومكانتهم الإجتماعية.

بالرغم من قساوة الحياة وصعوبتها، في ظل زمن فيروس كورونا، إلا أنها أسقطت ورقة التوت، عن أشياء كثيرة، في وقت قياسي كذلك، أسقطتها عن مجموعة من المصطلحات، من قبيل التحالف الدولي، وفضحت زيف مجموعة من المسميات، من قبيل الدول الصديقة، والدول الحليفة، وعرت مجموعة من الإتحادات والتكثلات السياسية والعسكرية، جعلت أزمة كورونا كل دولة من دول العالم، تحارب وتواجه وتعمل، من أجل شعبها، مجندة من أجل مصلحته، وصحته، وسلامته، معتمدة على إمكانياتها الذاتية، ومواردها، وأطرها، في محاربة جائحة كورنا.

على المستوى الوطني، كان فيروس كورونا المستجد في الموعد، رغم خطورته ووحشيته، وقلة ذات اليد، وضعف الإمكانيات لدينا، نبهنا كدولة ومواطنين، إلى تقصيرنا وإهمالنا لأشياء نتحسر اليوم، ونبكي حالنا على إهمالها، وعدم إهتمامنا بها، فضح هشاشة منظومتنا الصحية والتعليمية، حدد لنا قائمة من الأولويات، التي يجب الإهتمام بها والإستثمار فيها، على غرار الصحة والتعليم، حدد مقابل ذلك قائمة من الأشياء التي لا قيمة لها، إستنزفت جهدنا، وطاقتنا، وثراوتنا، دون أهمية، وجدوى منها، وشغلتنا عن ما هو أهم منها، فرض علينا فيروس كورونا إسقاطها من قائمة أولوياتنا وإهتماماتنا.

جائحة كورونا أسقطت اليوم، الأحزاب السياسية، من أولوياتنا، وأظهرت لنا في عز إنتشارها، عدم أهمية الأحزاب السياسية، والحاجة إليها، في ظل الوضع الذي تظهر به اليوم وقبل ذلك، كما أسقطت الجائحة الخطيرة البرلمان، ومعه مجموعة من الحقائب الوزارية والنخب السياسية، والزعامات الحزبية على كثرتها، والتي تبين في زمن كورونا، أن مهمتها تقتصر على، إتقال كاهل الميزانية العامة، وإلتهام ما لذ وطاب من التعويضات، والمرتبات الدسمة.

لم تكتفي جائحة كورونا بهذا، بل أظهرت لنا اليوم، أن ما لم تنجح فيه الأحزاب السياسية، والحكومات المتعاقبة، على تسيير شؤوننا منذ 60 سنة، نجح فيه اليوم، القواد، والباشوات، ورجال السلطة، ورجال الدرك، والقوات المساعدة، وعمال وولاة جهات المملكة بسبب كورونا.

في زمن كورونا إنضم إلى طابور المتساقطين وركبهم، زمرة من الفنانين ونجوم السوشيال ميديا التافهين، والسافلين الذين يروجون للتفاهة، في وسائل الإعلام، ومختلف وسائل التواصل الإجتماعي، ويقيمون لها فيها وزنا.

لم تكتفي جائحة كورونا، بتحديد قائمة المتساقطين هؤلاء، بل أعادت ترتيب قائمة الأولويات، أعادت الجميع إلى حجمه وموقعه الطبيعي، فرفعت من قيمة وقدر رجال التربية والتعليم، وأعادت الإعتبار للأطباء والممرضين، وأعلت من شأن رجال الأمن، وعمال النظافة، وغيرهم من الجنود المجندة، التي تحارب وتجابه كورونا، في ساحة المعركة.

صحيح أننا اليوم قد يضيق بنا الأمر ذرعا، من تبعات جائحة كورونا، ونتذمر من العزل الإجباري الذي نعيش على وقعه اليوم بسببها، ونشتكي من تغير نمط حياتنا رأسا على عقب، غير أن الغد سيكون مشرقا بعد زوال هذه الأزمة، يكفي أن نعتبر من أزمة كورونا، ونتخذها دولة ومواطنين، فرصة لجلد ذواتنا، لنفتح بعدها صفحة جديدة، لتصحيح المسار، والإهتمام بالأولويات، لعلنا نتمكن فيها، من الإعتماد على الذات في كل شيء، نتمكن من صنع دواءنا، ونؤمن لقمتنا، ونصنع سلاحنا، نعلي من شأن العلم، ونقيم وزنا للعلماء والمعلمين، ونشجع المبتكرين والمخترعين، ونضع في سلة المهملات التافهين، والجاهلين.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

قراءة في كتاب تنبيه معاشر المريدين على كونهم لأصناف الصحابة تابعين

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

تابعنا على