ماذا لو لم تكن كورونا ؟

23 أبريل 2020 - 19:18

قديما، كان إذا أراد الله أن يبتلي قوما، أرسل لهم جنوده من الطاعون، والزلازل، والبراكين، وغيرها من ابتلاءات الطبيعة. لكن الله أراد بهذه الأمة الرحمة، فتجد أن ابتلاءاته لها كلها فيها رحمة للعباد وزيادة في الدرجات. وكيف لا تكون رحمة وإن قعدت فقط في بيتك، صابرا ومحتسبا شاكرا، كان لك أجر الشهيد؟ ليس بعد هذه الرحمة رحمة حقا. لا ندري حقيقة ما يخبئه لنا هذا الوباء من خير وبركات، لكن ما أعلمه جيدا، أنه غير حياتنا كثيرا. غير نظامنا الحياتي كله، هدم المقدسات الفارغة، أعاد توازن بعض الأشياء، وجعلنا نعي أن الحياة لا تستقيم إلا بأستاذ يعلم الأجيال، وطبيب يعالج المرضى، وجندي يحرس الوطن.

لابد أن كل واحد منا طرح سؤالا على نفسه، في لحظة ملل، و جميع الأسئلة لن تخرج عن سؤال : ماذا لو لم تكن كورونا ؟

لن يكون جوابي عن السؤال علميا، لذا إن كنتَ ممن يعشق المقالات العلمية، التي تتضمن الدراسات مجهولة المصدر، فهذا المقال لا أجده مناسبا لك حقا، أنا جئت لأكتب لأولئك المجانين مثلي، الذين أرهقتهم الأرقام و الأخبار عن كورنا، فجئت أفتش معهم عن جمال كورونا لا غير ..

كورونا فيروس مجهول الهوية إلى حد ما، يُتعرف عليه يوما بعد يوما، لا يمكن أن يكون مرئيا طبعا. يدع لك مجال الشك. خشيناه جميعا ومازلنا نخشى أن نلقاه، نتوجس خيفة من شيء غير مرئي، وهنا اللامنطق صادف المنطق – الذي لطالما علمنا أنه رياضيا غير ممكن – فهو دحض بعض أتباع علماء الطبيعة الذين لطالما صدعوا رؤوسنا بقول لا يؤمنون إلا بما هو ملموس ومحسوس، وهم الآن كذلك يختبئون ويتبعون التعاليم وهم في حجر صحي، خائفين من هذا الشيء اللامرئي. وهنا تظهر قيمة كورونا التي جاءت معلمة.

مقالي هذا ما كنت لأكتبه لولا وجود كورونا ..

كنا نعتقد أن حياتنا مملة إلا حد كبير قبل الفيروس، فقد اعتدنا على زيارة نفس الأماكن، ونحن نحمل هما عظيما. لطالما دعونا في أنفسنا، أو جهرا، بأن لا يعيدنا الله للجامعة أو المدرسة أو العمل، دون أن ندرك قيمة تلك الأشياء. ففي نظركم كيف ستكون أول زيارة لك للعمل بعد رفع الحظر؟ كيف ستستقبل زبناءك/ تلامذتك؟

وبعد أن أنهكتنا كورونا وحبستنا في المنازل، الواحد منا صار لا يتمنى إلا أن يعود لتلك الجامعة وأن يجتاز امتحاناتها المرهقة، ويصادف أساتذتها الصارمين، وأن يعود لذلك المقهى البسيط، الذي لطالما تذمر من جودة قهوته. وأكثر شيء أفتقده أنا معكم، هو ضجيج السيارات الذي صار الآن عندي مثل سمفونية بتهوفن، أتمنى سماعه في أقرب وقت. لا نلومك يا كورونا لأنه لولاك ما كنا نعلم جمالية الأشياء المحيطة بنا ومدى رقيها.

اجتمعنا أخيرا تحت سقف واحد مع عائلتنا الصغيرة، لا ضيوف تصدع رؤوسنا، ولا خروج اضطراري من البيت متذمرا من ملاحظات الوالدة أو الوالد أو الزوجة.. ما عليك هو التأقلم مع الوضع، لأن البقاء قد يدوم الشهرين، وحتى إذا أردت أن تسبح عكس التيار، وتبقى مكشرا تتجنب الدخول في نقاشات مع عائلتك وتصادمات، فلن تنجح.

فكن رياضيا قليلا واحسب معي كم من الساعات ستقضي مع عائلتك وسترى، و لن يكون لك الحق في أن تعتذر عن الأكل، لأن الأمر ليس بيدك، فلن تفر إلى أصحاب المأكولات السريعة، لأن الأمر مستحيل اليوم، فكل شيء مقفل حتى إشعار آخر، فإما أن تتأقلم أو تتأقلم، وحتى إن بدا لك الـتأقلم صعبا فستتأقلم مع الوقت.
وأنا متأكد أنك ستخرج إنسانا جديدا، فإما ستعود للمنزل، وتهوى البقاء لفترة أطول بعد كورونا أو لن تعود ..

علمتنا كورنا أن المساجد ليست المكان الوحيد للاتصال بربك ومناجاته، فبعد أن زينت وزخرفت وخسرت عليها أموال باهظة، وبطون الجوعى فارغة تغرغرها قد أغلقت.

فبعد أن أصبحت إطالة الصلاة موضة يفتخر بها بعض الفقهاء، والبكاء عادة، حتى يقول الناس هذا فقيه خشوع، جاءت كورنا لتقول لنا إن الأمور ليست هكذا.. وتجد الرجل يحج المرتين والثلاثة، وجاره لا يجد ما يسد به جوعه، ها قد منع الله الحج. من أراد أن يطوف فليطف على بيوت الفقراء والمساكين، وليقصد المتعففين هم من في أمس الحاجة.

الموت عندنا قبل كورونا لا تكاد تميز بينها وبين عرس مغربي أصيل، تجد ما لذ وطاب من المأكولات كأن الذي توفي ذاهب ليلقى صديقا، وتجد المنشدين وآلة التصوير، وأما اليوم لم يعد لديك الحق حتى في أن تغادر بيتك لتشيع جنازة والدك أو والدتك أو عمك. وأما عشاء الميت وتلك الأشياء من سابع المستحيلات. وبعد أن أنهكنا الفقهاء والخطباء والعلماء بجهلنا جاءت كورونا معلمة. فحين قتل هابيل قابيل أرسل الله له غرابا ليعلمه الدفن، ونحن قد أرسل لنا الله شيئا غير مرئي يعيدنا إلى جادة الصواب حقا.

وحتى لا يفوتني ذكر رمضان، وهذا الأخير الذي نزداد سمنة فيه، نملأ بطوننا قبل صحيفتنا من الحسنات، جاءت كورونا لتعلمنا أن رمضان ليس تفاخرا بالأكل والشرب والملابس، والتسابق للمسجد، وكثرة البكاء والخشوع في صلاة التراويح، و تعمير المساجد بشكل موسمي، كأن الله لا يعبد إلا في رمضان، أغلقت المساجد حتى نعلم أن إله المساجد هو نفسه الموجود في بيوتنا، يكفيك أن تناجي ربك لوحدك بصدق، ولن يخزيك الله أبدا.

في الختام أقول، إن كورونا فرصة لن تتكرر، وكتب لها أن تختفي لا محالة، وسنتحدث يوما عن زمن كورونا ونحكي لأبنائنا عنها، استغلال الفرص بشكل إيجابي هو في صالحنا، و الأيام ستثبت ما أخفته عنا كورونا، بالرغم من أننا ذممناها ونتمنى أن تغادر قريبا. وستغادر .

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

تابعنا على