يوميات متسول في زمن كورونا

28 أبريل 2020 - 18:27

قضى معظم ليلة أمس في مطاردة الفئران داخل غرفته في سطح العمارة ؛ بالكاد نام سويعات قليلة ، قبل أن يرن هاتفه بقوة .. إنها السادسة صباحا. بمجرد ما استيقظ من نومه تفقد فخاخه المدسوسة .. حصيلة ذلك الصباح ؛ فأر واحد عالق تحت السرير المهترئ ، وأخرى في عداد الهاربين .. تأمل الكدمات في ما تبقى من مرآة متشظية ثم زفر بقوة .. طفق في فتل شاربه الكث..

حك صدغه ومطّ شفته السفلى حتى تورّدت .. أطبق شفتيه المتدليتين على السيجارة ورشف ما تبقى من قهوة الليلة الماضية .. سعل بقوة حتى كاد يختنق .. كورونا فرضت عليه طقوسا جديدة في التسول .. يتوجب عليه مغادرة البيت باكرا والعودة باكرا كذلك .. لا مطاعم ولا مقاهي ولا أسواق هذه المرة… خلال الحقبة الكورونية التسول محدد زمكانيا .. وكل دقيقة يضيعها في المكان غير المناسب ، ستكلفه المكوث يوما كاملا بأمعاء فارغة .. وفي هذه المرة بالذات ، ينبغي عليه إخفاء سعاله المستمر .. وأي هامش خطأ سيجر عليه حنق المارة .. مسار الذهاب والإياب محدد سلفا، حتى لايقع في شرك مساءلة رجال السلطة..

كانت وجهته هذا الصباح سوق بيع الخضار والسمك.. وفي طريقه داخل الأزقة الملتوية المحاذية للشارع ، عشرات الأفكار كانت تتراقص ، على نحو طفولي ، في ذهنه .. هنا كان يستجدى الناس على أطراف السويقة ! أمام هذا المطعم كان يتناول الحساء وبقايا الدجاج المشوي ! أمام بوابة المسجد تلك كان تنهال على كفه الممد عشرات الدراهم ..

عند آخر لفة قبيل أن يعرج على الشارع الرئيس ، استل الكمامة ، ثم أخذ مسافة الأمان من أول شخص صادفه في طريقه.. أخذ يطوف ؛ على نحو لولبي ؛ حول المارة ، قبل أن تخور قواه من فرط الإرهاق ..

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

تابعنا على