نوابغ مغربية: أبو شعيب الدكالي.. علّامة مغربي نُصِّب مُفتيا للمذاهب بالحرم المكي

29 أبريل 2020 - 19:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات رمضانية بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة الأولى: العلامة أبو شعيب الدكالي.. حلقة وصلِ إصلاحية بين المغرب والمشرِق

العلّامة المغربي الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي الصديقي، محدِّث شهير وفقيه كبير ومُفسِّرٌ غزير ومتكلِّمٌ خطيبٌ فصيح، كان له دور بارز في المسار الإصلاحي العلمي والوطني الذي أنتج عدداً من قادة المغرب العلميين والسياسيين.

كان مولده سنة 1878، في بيت عِلم وورع، بقرية الصّدّيقات بمنطقة الغربية التابعة حاليا لجهة دكالة بالمغرب، وهو من قبيلة أولاد عمرو المعروفة منذ عهد المرابطين.

تلقَّى تعليمه الأوّلي في دكّالة على يدِ فقهائها وشُيوخها، وأتمَّ حِفْظ القرآن والمتون في الريف برهة من الزمن. ومَــثُــل بين يدي السلطان الحسن الأول (1863-1894) تَالِيا محفوظه مِن “مختصر الشيخ خليل” وهو ابن 13 سنة، فأُعِجبَ به وأوصى: “يُضاعَفُ لأبي شعيب لصِغَرِ سِنّه وكِـبَرِ فَـنِّه”.

هاجر الدكالي في طلب العلم مدّة ناهزت عشر سنين، فاجتاز امتحان الولوج إلى أزهر مصر الذي أشرف عليه الإمام الأكبر محمد عبده، ومَكث بها أعواما، ثمَّ انتقل إلى أرض الحجاز، فتَصَدَّر ميدانَ الإقراء والدرس والإفتاء وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة.

جَسّدَ الشيخُ حَلقة رَبْطِ علمي وروحي وسياسي بين المغرب وبلاد الحجاز، فهو الذي مكَثَ في مَكة طويلاً إلى أنْ تبوَّأ مكانة مستشار شريفِ مَكة عوْن رَفيق أمير الحجاز، فكانَ لتأثير “الإصلاحية المغربية المالِكية” نُفوذاً ودوراً كبيراً في الحجاز على عكْسِ ما كان يُرادُ “للوهابية الحنبلية” أنْ يكونَ لها من تأثير في المغرب.

ونُصِّبَ العلامة المغربي إماماً ومُفْتِيا للمذاهب السنية الأربعة في الحرم المكي، ومُفتيا للمذاهب السُّنية الأربعة في الحرم المكي، ومُدرّسا بمكّة، ثمّ بجامع الزيتونة بتونس لاحقا. وكان يجيز الطَّلبة والقادمين إليه من الأمصار؛ إجازات في الفقه واللّغة والدين.

عاد إلى المغرب بطلب من السلطان المولى عبد الحفيظ سنة 1908، وقِيلَ سنة 1910، فاستقرّ بمدينة فاس، مانِحاً وهَجًا علميا للمدينة، ورابطا علاقة متينة بين النخبة العلمية المغربية ونظيرتها المشرقية، ومنهم مَن ذَكَر تَوَلِّيه للقضاء بمدينة مراكش.

وتولّى الدكالي زمَن السلطان يوسف بن الحسن (1881-1927) وزارة العدل والمعارف وبقي في منصبه 12 سنة، وعُهِدَت إليه مهمة الدروس العلمية السلطانية على عهد عبد الحفيظ والمولى يوسف والسلطان محمد الخامس (1909-1961).

ومِن آثاره العِـلمية؛ إحياؤه تدريس تفسير القرآن الكريم بالمغرب، وتدريس السنة النبوية وعلومها، والفقه بالدّليل، والقراءات والنحو.

ومِن آثاره الإصلاحية؛ حمايته لكثير مِن المصالح الشرعية والوطنية للمغاربة، وتثبيت الأراضي المغربية دون استيلاء الفرنسيين عليها (إذ كان يُوَقِّع العقود والبُـيوع يوم كان وزيرا للعدل)، وتَصَدِّيه لمحاولات المستشرقين والمتفرنسين ضرْب اللغة العربية.

ومِن آثاره السَّلفية؛ ترسيخه لمنهج محاربة البِدع والشرك والخرافات ورفض التقليد، واعتماده جانِب اللين والتبسيط والوضوح في الدعوة، وصرف الجهدِ في التعليم والتدريس المباشر بدل تحرير الكتب وتأليف التصانيف، وربط قنوات التواصل مع علماء ودعاة الوقت.

لم يُخلِّف “شيخُ الإسلام” الدكّالي تآليف بخطّ يده، وإنما قام تلاميذه بنشر أفكاره السَّلفية الإصلاحية، وتَمثُّلِ عِلمه ومنهجه الدّعوي، إذ تتلمذ على يديه جيل من العلماء والمفكرين المغاربة الذين أسهموا في بناء المغرب الحديث.

كان ممن تأثّر وواصَل دعوة العلّامة الإصلاحية؛ الشيخ محمد بن المختار الشنقيطي الموريتاني والشيخ القناعي الكويتي (1879-1973) والعالِم محمد بالعربي العلوي (1880-1964) والأديب محمد المختار السوسي (1900-1963) والزعيم علال الفاسي (1910-1974) والفقيه عبد الله كنون (1908-1989).

فارق العلامة أبو شعيب الدكالي الحياة يوم 17 يوليوز عام 1937، بعد حياةٍ حافلة بالعطاء والإصلاح والدفاع عن الشريعة والدعوة للاجتهاد والتجديد، رحمه الله.

الحلقة الأولى من إعداد: عـدنان بـن صـالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

رضى الله عبد الوافي المختار السوسي منذ شهرين

الصورة على اليمين هي لابنه عبد الرحمان الدكالي وليست لوالده الشيخ شعيب

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

كتاب “نظام التفاهة”: هكذا تنسينا الصناعات الفنية ذكرى الأزمات (الحلقة الأخيرة)

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

تابعنا على