أجيال إعلامية: الغربي.. من الرواد الإذاعيين الأوائل الذين تخصصوا في الإعلام الرياضي

10 مايو 2020 - 02:00

تقف وراء وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، طاقات بشرية هائلة تسهر على إدارتها وتشغيلها والقيام بكل المهام الإعلامية، بهدف إيصال رسالتهم النبيلة في تبيلغ المعلومة للمجتمع عبر وظائف الإخبار والتثقيف والترفيه، وهو ما يُسهِم في تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للأفراد والمجتمعات.

فالإذاعة المغربية التي تعود سنة انطلاقتها إلى 1928، والتلفزة المغربية التي شرعت في بث برامجها سنة 1962، وعلى مدار تاريخهما، مرت أجيال وأجيال من الإعلاميين أثرت وتأثرت بهذا لكيان الذي ترك بصماته عليهم وعلى ذاكرتهم، وكلما احتاجوا لغفوة منه رجعوا بذاكرتهم للخلف ينهلون منها أجمل الحكايات.

وتبرز في هذا الإطار، أطقم البرامج والنشرات الإخبارية من مخططي البرامج ومذيعين ومحررين ومنشطين وفنيي الربورتاج والتوضيب وتقنيي التصوير والصوت وعمال الصيانة ومسوقو الإعلانات التجارية الذين يقومون بتنظيم الأعمال التجارية، إلى جانب مسؤولي العلاقات العامة والأعمال الإدارية المرتبطة بإنتاج البرامج والسهر على إعداد النشرات الإخبارية من اجتماعات التحرير إلى بثها عبر الأثير.

فطوال شهر رمضان الأبرك، تسترجع معكم جريدة “العمق” من خلال مؤرخ الأجيال الإعلامية محمد الغيذاني، ذكريات رواد وأعلام بصموا تاريخ الإعلام السمعي البصري المغربي عبر مسارهم المهني والعلمي وظروف اشتغالهم وما قدموه من أعمال إبداعية ميزت مسار الإعلام الوطني، وذلك عبر حلقات رمضانية يومية.

الحلقة الخامسة عشر: عبد اللطيف الغربي

يعد الراحل عبد اللطيف الغربي من الرواد الإذاعيين الأوائل الذين تخصصوا في الإعلام الرياضي، ولج العمل الإذاعي سنة 1945، تولى على مدى أربعين سنة تغطية العديد من الأحداث السياسية والثقافية والرياضية، من أبرزها المفاوضات المغربية الفرنسية سنة 1955، ودورة الألعاب الأولمبية الرياضية في هلسنكي سنة 1952.

المرحوم عبد اللطيف الغربي كان له الفضل في إحداث خلية الرياضة في الإذاعة المغربية، والتي التحق بها ثلة من الاعلاميين أمثال احمد الغربي وعبد اللطيف الباشا والحسين الحياني وفيما بعد محمد بناني ومحمد طارق ونورالدين اكديرة ومحمد الزوين.

عين عبد اللطيف الغربي سنة 1962 ، متصرفا بمؤسسة الاذاعة والتلفزة، كما اشتغل رئيس تحرير بوكالة المغرب العربي للأنباء سنة 1975، قبل أن يلتحق مجددا بالاذاعة والتلفزة المغربية، دون نسيان رئاسته للجمعية المغربية للصحافة الرياضية، خلال الفترة ما بين 1971 الى 198 .

يقول عبد اللطيف الغربي عن ظروف بداية عمله بالاذاعة المغربية”: ”كنا لا نعرف عن الإذاعة الا” آلو آلو هنا راديو المغرب”، وقدر لي الإنخراط في العمل الاذاعي يوم 12 سبتمبر 1945، بعد اجتياز امتحان على يد المرحوم حميد بنزكري المذيع المرموق الذي كان يشغل إذ ذاك منصب نائب رئيس الاذاعة العربية والبربرية”.

ويضيف: “ولا زلت أتذكر موضوع المباراة حيث طلب مني ترجمة موضوع عبارة عن نداء الرئيس الأمريكي إزنهاور للقواة الحليفة التي شاركت في الحرب العالمية الثانية، وبعد عملية التصحيح طلب مني اجراء تجربة صوتية امام المكرفون ونالت رضا السيد حميد بنزكري، اشتغلت في البداية كمحرر، وكانت ظروف العمل الاذاعي غريبة علي، اشتغلت إلى جانب أشخاص سبقوني ببضعة أشهر أمثال الأخ محمد ادريس الأزرق الذي كان بالإضافة الى التحرير يشارك أيضا في الأعمال التمثيلية التي كانت تقدم في القاعة الكبيرة بوزارة البريد، إلى جانب ابراهيم النظيفي وعبد الحفيظ الفاسي والحسين الصنهاجي وعبد الله شقرون وسي احميدة من القسم البربري ومحمد الأممي.

وتابع: “وكبرت اللائحة لتنضاف إليها أسماء أخرى أمثال شقيقي أحمد الغربي الذي عمل أولا كراقن على الآلة الكاتبة ثم مذيعا وممثلا ومحررا بالدارجة، وعبد المغيث الفاسي الذي كان مكلفا بخزانة الكتب وعبد الحق السرايري ومحمد بنددوش وحسن الكتاني الذي أصبح كاتبا عاما بوزارة العدل وابراهيم السايح، وكل هؤلاء كانوا يعملون محررين في القسم العربي، وكان قيدومنا الذي كان يبهرنا بجودة وسرعة تحريره للنشرات هو الراحل محمد المريني الذي غالبا ما كان لا يحضر الى قسم التحرير الا نصف ساعة قبل موعد الأخبار اعتبارا لتجربته وتمكنه من عملية الترجمة حيث كانت أغلب القصاصات المتوفرة بالفرنسية، لكون أغلب فترات البث والبرامج كانت تقدم بالفرنسية خلال فترة الاستعمار”.

في هذه الأجواء يضيف عبد اللطيف الغربي: ”بدأت عملي كمحرر ولم يكن يخطر ببالي التخصص في القطاع الرياضي، فآنذاك من الصعب الحديث عن التخصص في مجال صحفي معين، نظرا لقلة العاملين في الاذاعة، بحيث كان الجميع يعمل في التحرير والتذييع والتمثيل والمساعدة الفنية من وراء الزجاج، ومن الذكريات التي نحتفظ بها أنه حينما يصل أحد المحريرين المذيعين متأخرا الى قسم الأخبار، ولم يكن عنده الوقت الكافي للإطلاع على القصاصات وقرائتها وترجمتها الى العربية، نضطر الى عملية الترجمة الفورية والمباشرة لقصاصات الأخبار التي نحصل عليها من القسم الفرنسي، وغالبا ما كنا نوفق في العملية اعتبارا لإتقاننا للترجمة الفورية”.

وبعد تجربة العمل كمحرر ومذيع للأخبار، انتقلت الى التخصص في القطاع الرياضي بحكم الإهتمام، وافتقارنا لخلية تهتم بالشؤون الرياضية، ولا ننكر أن بعض الإخوان كالسيتل العيساوي واحمد بنعبد الله ومحمد بلمفضل، سبقوني في تقديم الأخبار الرياضية، إذ كانوا يقدمون يومي السبت والأحد، برنامجا حول كرة القدم يتضمن نتائج المباريات، فاتفقنا على توسيع هذا النشاط وتقديمه في حلة جديدة، فتسلمت المشعل من هؤلاء الزملاء، ففي تلك الحقبة لم يكن هنالك وصف حي للمباريات ولكن كنا نكتفي بالإخبار والتعليق وتسجيل استجوابات مع الرياضيين وتقديمها فيما بعد.

وأضاف: “ولكن لابد من التذكير أن الاذاعة قامت بالنقل المباشر لبعض مقابلات فريق الوداد البيضاوي الذي كان يتزعم الرياضة في المغرب وشمال افريقيا، مستنيرين في ذلك بتجربة الصحفي الفرنسي آنذاك راولي لوكران، حيث بدأت التجربة سنة 1947، بروبرطاجات مباشرة عن فريق الوداد من ملعب فليب بالدار البيضاء، وانتقلت تجربة هذا الوصف خارج الوطن من وهران والجزائر وقسنطينة وتونس، بحيث كانت آنذاك ما يسمى بالعصب التابعة للجامعة الفرنسية، فكان لكل دولة عصبة وكانت تنظم بطولة افريقيا الشمالية وكأس افريقيا الشمالية”.

وفي هذا الإطار، يقول الغربي: “كانت الوداد هي الشبح المخيف لجميع الفرق، وهكذا بدأت عملية تأسيس نواة القسم الرياضي بالإذاعة المغربية، فظروف العمل يمكن القول انها كانت عشوائية، إذ كنا نسعى الى تنظيم وسائل وهياكل قارة تؤطر العملية، ولم يتأت ذلك إلا في البدايات الأولى للاستقلال، حيث شرعنا في البحث عن الكفاءات التي لها استعداد للعمل في هذا الميدان، حتى وإن كانت تعمل في ميادين أخرى غير الإذاعة، والتي تسمح ظروفها لها بالتعاون معنا، خاصة أيام السبت والأحد، ففي سنة 1956 التحق بالقسم شقيقي احمد الغربي بعد ان كان يشتغل في قسم التحرير، واحمد الغربي كان معروفا بميولاته الرياضية حيث كان حارس مرمى لفريق الفتح وكانت رغبته كبيرة للعمل في القطاع الرياضي”.

وأشار بالقول: “وبعد ذلك التحق بنا الحسين الباشا صاحب برامج التداريب الرياضية التي كان يقدمها في الفترة الصباحية، الحسين الباشا تخصص في النقل الحي للمباريات من الدار البيضاء، وهناك ايضا محمد بناني الذي يعتبر في الحقيقة من أحسن الواصفين الإذاعيين الذين عرفهم القسم الرياضي، ومحمد بناني اعتزل المجال الرياضي بالرغم من مكانته المتميزة في المجال، إضافة الى عبد الحق السرايري الذى كان يتعاون معنا في التعليق والوصف وتقديم الأحاديث”.

بالإضافة الى محمد الزوين، ظهر الحسين الحياني الذي اجتاز تجربة صوتية مباشرة من ملعب الفتح، بمشاركة ضابط الصوت آنذاك التقني امبارك بوربوح. وهكذا كان إنشاء القسم الرياضي تحدي كبير، حيث كان الأخ عبد الله بنيخلف الذي كان يعمل بالقسم الفرنسي يقول لنا أن العملية شبه مستحيلة نظرا لعدم وجود أطر متخصصة قادرة على العمل وضمان استمراريته، وبالرغم من ذلك تحدينا كل العراقيل ومما شجعنا على خوض التجربة تطمينات القسم التقني الذي وعدنا بتوفير التقنيين ووسائل العمل لإنجاز الربورتاجات الحية والمباشرة والحمد لله أعطت التجربة ثمارها ولقيت استحسان المستمعين الذين تصلنا أصدائهم عبر مختلف الوسائل وخاصة المراسلات البريدية وتم توسيع مجال بث البرامج الرياضية حيث أصبحت الإذاعة صلة الوصل بين المستمع والممارسين والمسؤولين عن قطاع الرياضة بصفة عامة”.

ومن الذكريات التي تحدث عنها عبد اللطيف الغربي، تغطيته لدورة الألعاب الأولمبية بهلسنكي سنة 1952، يقول الغربي إنه لم يحضر فعاليات الألعاب كلها حيث كان بمعية مجموعة من شباب الشبيبة والرياضة، قضوا حوالي خمسين يوما بالدول الإسكندنافية بدءا بالدانمارك والنرويج والسويد وصولا الى هلسينكي بفنلندا، يقول الغربي: “قمنا بتغطية بعض الألعاب وحضرنا مراسيم وصول متسابقي المراطون التي فاز بها زاطوبيك متبوعا بميمون وحضرنا المباريات النهائية في كرة القدم بين هنغاريا والسويد، المقابلة حضرها حوالي 70 ألف متفرج وانتهت بانتصار هنغاريا بـ6 لصفر، ثم حضرنا المقابلة النهائية في كرة السلة بين عمالقة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

* المصدر: كتاب “للإذاعة المغربية.. أعلام” وكتاب “للتلفزة المغربية.. أعلام” – محمد الغيذاني 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

كتاب “نظام التفاهة”: هكذا تنسينا الصناعات الفنية ذكرى الأزمات (الحلقة الأخيرة)

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

تابعنا على