رمضانيات

الإشارات السياسية في قصة موسى .. اليد البيضاء لتحرير الإنسان من الطغاة

الحلقة 12

المنطلق، قوله تعالى: “اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك من الرهب”.

وما نزال إلى هذه الحلقة بين لفظي الخوف والأمن؛ الخوف الذي يزرعه الطاغية في نفوس المرعيين؛ فيورث الأسقام والعلل في الذات “ويضيق صدري ولا ينطلق لساني”. ولا غرابة أن يقترن الخوف بهذه المسيرة؛ مسيرة الانعتاق من إرهاب الطاغية. لقد خافت أم موسى ونادى مناد فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني. وخرج موسى منها خائفا يترقب؛ فلما قص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين، وخاف موسى الحية الثعبان فناداه ربه لا تخف إنك من الآمنين.

“اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء”. إن اليد هنا ليست فقط اليد الجارحة؛ وإن كان الوقوف عند هذا المعنى كافيا لمن لا يريد أن يكلف نفسه مؤونة التقاط الإشارات، ولكن اليد هنا وكما تقدم معنا من ألفاظ؛ عامرة بالمعاني على الأقل فيما تحمله اللغة ويتحمله المجاز. فاليد إشارة إلى القوة كما في قوله تعالى: “واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار”. وهي إشارة إلى العطاء والبسط كما في قوله تعالى: “بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء”. وإشارة إلى القدرة كما في قوله تعالى “ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي”. وإشارة إلى الملك كما في قوله تعالى: “تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير”. إنها يد موسى؛ يد المصلح التي تريد أن تكون لبني إسرائيل غيرا ليد فرعون. إنها اليد البيضاء من غير سوء؛ يد ابن آدم “لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك” يد الخير والعطاء والمعروف كما أنشد ابن خفاجة.
فإن الغيث في بيض الأيادي .. وإن الغوث في النصل الخضيب

ولطالما استعير هذا المركب الوصفي في الكناية عن البدلاء وأهل الإصلاح والتغيير، ولطالما استعير لفظ اليد الحمراء في الإشارات إلى المقاومة، ومن ينشد التغيير والتبديل ولو على دماء وجماجم الملايين. فالبياض كناية جميلة عن النقاء والصفاء والسرور.” ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين”؛ بيضاء من نور وليس من سوء.

“واضمم إليك جناحك من الرهب”.. والضم هنا وحده كاف؛ ليس وضع الشيء إلى الشيء ولا رص الجماد إلى الجماد؛ ولكن الضم جمع الحي إلى الحي برباط الود؛ حتى يصيرا جسدا واحدا كما يقول الشاعر: وضممتها ضمة عدنا بها جسدا.. فلو رأتنا عيون ما خشيناها. وقول آخر: وضممته ضم البخيل لماله.. يحنو عليه من جميع جهاته

وضم الكف إلى الجناح بوضعها تحت الإبط فوق الفؤاد بقوة؛ هو عند المشتغلين في علم النفس الحديث ولغة الجسد والتعبيرات؛ رمز للتفاؤل، والثقة، والشعور بالأمن والراحة؛ فعودة الكف الفرع لتحط فوق منبع الحياة فيه من الراحة والطمأنينة ما يُذهب عن موسى الحزن والخوف كما فعل مع أمه من قبل” لولا أن ربطنا على قلبها”. وعندما يحضر الأمن يختفي الخوف والرهب؛ وهو ما عبر عنه بقوله:” واضمم إليك جناحك من الرهب”.

إن الجناح وإن كان يقصد به هنا الذراع تماما بمنزلة الجناح للطائر. فإن استعارة الجناح منه فيه إشارة إلى السلم واللين والمهادنة” واخفض لهما جناح الذل من الرحمة” “فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”. والعرب تقول جنح إلى الشيء بمعنى مال وقبل عن طيب نفس؛ كما في قوله تعالى: “فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”. فدعوة موسى عليه السلام وكما تقدم معنا لم تكن غايتها أن يحل محل الطاغية، ولا طمعا في مبادلة الطاغية؛ ولكن كانت غايته فقط أن يحرر بني إسرائيل من العذاب المهين ثم ينتهي الأمر تحت منطق “فذكر إن نفعت الذكرى” “وما أنت عليهم بمسيطر”.

وهذا هو الأصل الذي غلب على دعوة الأنبياء؛ دعوة، ووعظ، وتذكير، ومسالمة، واعتزال؛ كما عبر عن هذا المعنى البليغ شعيب عليه السلام بقوله:” وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”. والقوة والاعتداد بالقوة والكثرة لم تكن دأب الأنبياء؛ لأنها دعوة ناقصة لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج البؤس؛ ولو تقنعت بقناع الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.