أما النوق فأنا ربه

28 مايو 2020 - 19:44

غالبا ما تواجهنا على العالم الافتراضي هبات تأخذ شكل عواصف قوية متقلبة الاتجاهات يصعب معرفة من يحركها، وقد يكون ذلك متاحا بالتكهن والتخمين، لكنها تبقى مجرد تخمينات. ولعل ما يجعل مهمة تفسير هذه الهبات ومعرفة محركيها، الاتجاهات المتناقضة التي تأخذها، فمن أقصى اليسار حينا، إلى أقصى اليمين أحيانا أخرى.

قبل أسابيع وقف رواد الفايسبوك وقفة رجل واحد للتصدي لقانون أُريد له أن يمر في غفلة عن الجميع، في ظل الانشغال بجائحة كورونا وأجواء الحجر الصحي، يتعلق الامر بقانون 22/20 الذي عُرف بقانون تكميم الأفواه. محاولة تمرير هذا القانون الذي أوقفته هبة العالم الافتراضي وتصدى له نشطاء الفايسبوك بقوة أحدثت هزة في العديد من المؤسسات من حكومة وأحزاب. لقد ظهر وقتها الشعب المغربي عاشقا للحرية حتى النخاع، مستعدا للنضال من أجلها بكل ما يملك من قوة، وأنه لا يمكن باي حال من الأحوال أن يقبل بما يمكن ان يكبح الحرية داخل الفضاء الأزرق في أجواء ذكرتنا بموقف الكتلة من قانون: كل ما من شأنه الذي تم طيه بشكل نهائي في تسعينيات القرن الماضي.

إلا أنه، وضدا على مسار الأحداث، تحرك تدوينة امرأة قيل إنها أستاذة للفلسفة، وممثل مخمور، تحرك الرياح في اتجاه معاكس بتسعين درجة بشكل يمثل نكوصا عما سُجل في قضية قانون تكميم الأفواه، فأصبح من كانوا بالأمس يطالبون بإعدام هذا القانون، يطالبون بتنفيذه، وتم رفع عارضة المطالب بما يفوق العقوبات التي وردت في القانون المعدم، وأصبحت المدونة والممثل مطلوبين ومتهمين بتهديد الدين والمس بالأمن الروحي للمغاربة. وكأني بهذه العبارة التي تتكرر كلما جد في الأمور جديد، أن هذا الدين هش قد يتهاوى عند أول لخبطة يأتي بها متهور أو لاه، متناسين الضربات القوية التي وجهت له ولنيبه، منذ أن أمره الله تعالى “فاصدع بما تومر وأعرض عن الجاهلين” (الحجر الآية 94 ) إلى ما بعد ذلك من حروب صلبية وموجة فوبيا الإسلام التي لا تزال إلى الآن تشتعل نيرانها في عدد من المواقع في أوروبا وغيرها. والغريب في كل هذا أننا نحن المسلمين نؤمن أننا نحظى بالعناية الربانية وأنه إن لم يحمك الله فليس هناك من هو قادر على حمايتك، إلا أن هؤلاء يعتقدون أنهم، هم من يحمون الله، حاشا لله، هو الحافظ لهذا الدين: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر:الآية 9). ويحضرني هنا الحوار الذي دار بين أبرهة وعبد المطلب جد النبي، فقد طلب عبد المطلب من أبرهة في حادثة الفيل أن يرد له نوقا له وجدها أبرهة في طريقه، ويترك الكعبة، فلبى مطلبه الأول ورفض التفاعل مع مطلبه الثاني، وأمام مفاجأة ابرهة للأمر قال عبد المطلب، أما النوق فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه، وبقية القصة معروفة لدى العموم.

لنعد إلى الحادثتين اللتين حركتا هذه الردة الحقوقية بفضاء الفايسبوك، فأما تدوينة أستاذة الفلسفة، فقد عالجت ظاهرة جديدة، وربطتها بكلام ليست اول قائل به، ولا هي الأخيرة، فذلك موضوع يتجدد باستمرار منذ أن اثاره مستشرقون معتمدين على أخبار مبثوثة في كتب متداولة لدى الباحثين والفقهاء عندنا عن علاقة الرسول بالنساء، وهو كلام ووجه ويُواجه بسيل من الردود. وبالتالي فإن إثارته لا تعني أن هذا سب وقذف ولا تستدعي كل هذه الحمية، إلا إذا كان لدى مثيريه غرض غير ذاك المعلن عنه.

أما بالنسبة لكلام الممثل رفيق بوبكر فقد تم في جلسة يمكن أن تكون خمرية، لكنها بالتأكيد حميمة، وهوما يُدخلها في باب السري الخاص، وأن المحتوى المرتبط بها، يندرج فعلا في مجال المعطيات الشخصية. هناك تجارب سابقة تعرض فيها فنانون لتسريب فيديوهات إما ماسة بصورتهم، أوتضمنت كلاما ضد شخصيات عامة، توبع فيها المسرب أو المصور، إلا أن ملف الفنان رفيق بوبكر تم التعامل معه بطريقة مغايرة، لحد الآن…. وبالمناسبة، فإنه غالبا ما يصادف المرء مخمورا بكلام شبيه او أشد اثرا، فنكتفي بالدعاء له بالهداية ونغير طريقنا، دون أن نجعل من الحبة قبة.

وبالمقارنة بين الموقفين المتناقضين بين الدفاع عن الحرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبين الدعوة إلى معاقبة من مارسها بالقول والفعل، نتساءل عن الموقع الحقيقي للراي العام داخل هذا الفضاء؟ هل نحن مقتنعون بالحرية ممارسة وترافعا؟ أم نحن مستعدون لإهدار دم من مارس هذه الحرية، أو حتى ممن هذر وثرثر؟

ودعونا نستعير من الاقتصادي آدم سميث مفهوم اليد الخفية ونتساءل إن كانت هناك أيادي خفية تتحكم في الفايسبوك عندنا لأغراض ابعد من الطوندونس ورفع المتابعة، توجه شراعه برياح متضاربة، متعاكسة يتهاوى ذات اليمين وذات اليسار، غير ثابت على موقف محدد

والسؤال الأعمق، هل لدينا معايير نقيس بها المواقف وتكون مرجعا لنا للحكم عليها؟ هناك من الدول التي تمتلك تقاليد في الديمقراطية تكرست بفعل الممارسة، وضعت موازين تلجأ إليها إذا اختلطت عليها الأمور. في فرنسا مثلا، أي نقاش يمر عبر علمانية الدولة ومبادئ الجمهورية من حرية ومساواة وتضامن، في بلدان أخرى، يكون المطلوب ممن أرادوا وضعه داخل إطار، أن يحدد موقفه من قضايا معينة كزواج المثليين أو الإجهاض، وما شابه ذلك من قضايا خلافية، لكنها على تحديد مع من تتكلم وبيان موقفه وبالتالي، تصنيفه. عندنا لا شيء من ذلك لدرجة تتشابه المواقف وتتشابك فاليمين يضمنون برامجهم أفكار اليسار، والعكس بالعكس.

* إعلامي

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

طَريق الوحدة في ذِكراه الـ 63

تمثيلية المسلمين في إسبانيا ومعضلة تأسيس “إسلام إسباني”

الإعلام الورقمي بالمغرب.. وجيوب المقاومة

لُعْـبـة الأُمـم والـمنظمات الدولـية الغيـر الــحكوميـة…

ظاهرة تخريب الآثار وإحراق المكتبات في تاريخ المسلمين

تابعنا على