الأديبة سناء الحافي: الشعر يبدأ من قول "أحبك" وليس "أخونك"

26 يونيو 2020 - 09:30

تفتح الشاعرة والإعلامية المغربية سناء الحافي،المقيمة في عمان بالأردن منذ سنة 2007، قلبها لقراء جريدة “العمق” لتكشف بعضا من عوالمها الشعرية وتطرح أفكارها حول الثقافة والإعلام.

تتحدث في هذا الحوار عن رسالة الشعر بصفته رسالة إلى المحبوب والعشاق الحالمين، تقارن بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر، تتحدث عن دور الشعر في التعرف أكثر على عوالم المرأة- الإنسان، تقدم رأيها حول النقد الأدبي ودور الجوائز في حياة المبدعين، وأهمية مواقع التواصل الاجتماعي في التوصل مع القراء والمتابعين، تكشف عن بعض من مسيرتها الإعلامية، وارتباطها بقضية الصحراء المغربية.

سناء الحافي من مواليد مدينة وجدة سنة 1983، تركت الوطن في سن مبكرة، حاملة حب الوطن وباحثة عن عوالم جديدة لإثبات الذات، شاعرة متميزة تلقب بـ”خنساء الزمن الجديد”،وتكتب بحس مرهف لها 5 دواوين شعرية منها “قلبي معك” و”عروس الرمان” و”غواية امرأة”. آخر منجزاتها (2020) مجموعة نصوص أدبية تحت عنوان “مكاتيب أنثوية”، وروايتين قيد الطبع.

حصلت الحافي سنة 2013 من الاتحاد الدولي للإعلام على *شهادة التميز الإعلامي، هي رئيسة تحرير مجلة “أصيلة” الأدبية بالبحرين، وعملت محررة صحفية بالملف الثقافي بجريدة “الصباح” الكويتية، ومسؤولة الملف الثقافي بجريدة “الحقيقة” العراقية،ومحررة ثقافية بـ”القدس العربي”، كما اشتهرت بعمودها الأسبوعي بمجموعة من الجرائد العربية منها “أخبار الخليج” البحرينية، وجريدة “الشرق الأوسط”، وجريدة “رأي اليوم” ، و”القدس العربي”، آخرها بـ”الصباح” الكويتية تحت عنوان “عزف منفرد”.

 مرحبا بكم في هذا الحوار وشكرا على قبول الدعوة، وأول سؤال يتبادر إلى الذهن، هل ولدت سناء الحافي شاعرة؟

بالبداية أشكر جريدة “العمق” على هذه الاستضافة الطيبة، وأشكرك أخي الكريم لدعوتك لي لأطلّ على القراء في بلدي الحبيب من خلال أروقة جريدتكم الغراء..

عودة لسؤالك، أود أن أوضح أمرا مهماً ..أننا جميعا نولد شعراء، فحين نتكلّم الشعر فإننا بمحض الطبيعة الإنسانية نتكلّم حبّاَ أو حزناَ أو حماسة أو شجاعة ..أو شكاية …ولا نقوله أبدا ظالمين أو جبناء ..لأن الشعر يبدأ من قول ” أحبك ” وليس من قول ” أخونك ” مثلاَ..لأنه رسالة إلى المحبوب والعشاق الحالمين..والعداء الذي يُخلق في الهجاء يأتي بتأثير مشروع للظرف والزمن والإحساس بالظلم…وإن سألتني عن شعري فسأقول باختصار شديد أنه لطالما كان فكري أوسع من كلامي لأنني أجد نفسي في الكثير من الأحيان عاجزة في خلق سبُل الحديث، قد يكون خجلا أو تفضيل صيغة الإنصات للأخر ..ومادام الكلام مسطحا والفكرة مقعّرة ..حتماُ أجدُني أُختار الغوص في قاع المفردة للتعبير عن مكنونات الأشياء من حولي ببساطة وحرية مطلقة…

   ماذا يعني لكم لقب “خنساء الزمن الجديد”؟

لقب “خنساء الزمن الجديد ” كرّمني به الشاعر اليمني الكبير طلال الدبعي والناقد العراقي نعمة السوداني وشعراء كبار في اليمن والعراق ..وإني لأجده كبيراَ وعظيماَ يفوق قدرتي على الوصف والإيجاز …أدرك أن لكل زمن روّاده ..لكنني ما زلت أتعلّم وأحاول وأجازف …لأن اللقب بالنهاية أصبح مسؤولية كبيرة أحاول دائما جعل القصيدة تتناسب بين لغة القارئ وعين الناقد، لعلّني بذلك أحافظ على ثقتهم ودعمهم ومحلّ فخرهم بي …

   كتبت القصيدة العمودية بجمالية كبيرة بل ومبهرة، هل مازالت لهذه القصيدة مكانة بين محبي الشعر، مع انتشار قصيدة النثر التي تكتبينها أيضا؟

القصيدة العمودية هي نكهة الشعر الحقيقي، والأصل من خلال شكلها الخليلي المألوف، لأنه يُلبّي الحاجة التفاعلية للذات الشاعرة مع الآخر، لكن مع ظهور المسرح والفنون الخطابية الحديثة وتبدّت مع هذا التطور حاجة المجتمع لأشكال أدبية أخرى تستوعب عمق التغيرات التي تحدث أصبح السؤال الأقوى هل تصمد القصيدة العمودية أمام طوفان النثر والشعر الحر ….

شخصياَ أكتب القصيدة العمودية وأحب الغوص في بحورها والحفاظ على رصانتها لكنني أجد النثر وقصيدة التفعيلة ” الطينة ” التي تشكلّني بلا قيود وتجعل الكلمة سابحة في فضاءات غير شكلية ولا تخضع لمعايير النظم الذي أحيانا يفقد الفكرة عمقها المتحرر ..لكن في نهاية الأمر يبقى الأصل ثابت والقصيدة العمودية ثابتة ولها الفضاء والسمو والتقدير ….

حضرت المرأة بكثافة في دواوينك الشعرية، وأتوقع أن تحضر أيضا في روايتيك القادمتين، مسحة حزن الأنثى حاضرة في كثير من قصائدك، كما عشقها وفرحها الطفولي، ما دور القصيدة في التعرف أكثر على عوالم المرأة- الإنسان؟

كأنّك تتساءل : هل أنتِ على قيد الشعر حيّة !!

يا سيدي … بالرغم من أنني أرفض هذا التصنيف والتجنيس الأدبي إلا أن التوجه الفكري أحيانا يُدخلنا متاهة قيمة القصيدة النسائية وقيمتها أمام القصيدة الذكورية …لذلك أقول أن الشعر لا يؤنث ولا يذكر، بل هو التوحّد مع الذات ..لتبقى المقارنة فقط تعتمد على الآليات واللغة التي يستخدمها كل واحد منهما في نتاجه الخاص، حيث لا يجب تجاهل ما قدّمه الادب النسوي للساحة الأدبية العربية حاليا حيث سجل بصماته المميزة والجادة في المجال المعرفي بصورة عامة وثبت أقدامه بتركيز فعلي ومؤثر ..

وبالتالي فإن الكتابة صيغة تجسيدية للأنا الشاعرة ورمزية لها،  والطرح الأدبي في محتواه المعنوي بقلم المرأة سيرتكز حتما على خلجات الروح بحساسية امرأة… وعنفوان طفلة ..وحلم عاشقة، بمعنى أن الهدف هو إيجاد حالة من التوازن قد تقيها مكائد الزمن، عبر استغلال وجودها الاضطراري في مجتمع شرقي بائس، مُحاولةً صياغة ذاتها الإبداعية من جديد…وفق متطلبات الظرف والمكان..

 هل ترين أن الشعر هو دائما لسان الشاعر، أم هو تعبير أكبر من ذلك على حالات إنسانية قد يصادفها الشاعر أو يتخيلها؟

-يقول الشاعر الراحل فوزي كريم ما الشعر إلا زلة لسان.. وعُرف في التاريخ الأدبي أيضا أن الشعر لسان الشاعر ولأن هذا التعبير صورة استعارية تضع الشاعر في خانة الدفاع عن القبيلة والأرض والفكر والمعتقد …تضع ” لسان” كالسيف للمستعار منه( الشاعر )..مغمداً متربصا للذين يتآمرون عليه أو يتربصون به وأنه وسيلة الشاعر للردّ والدفاع والصدّ ..لنؤمن أن الشعر حالة وجدانية أو فكرية تتداخل مع الخير ضد الشر واليقين في مقابل الشك …وبالتالي فإنه تعبير داخلي يولد على شكل قصيدة متعددة الأشكال الفنية في طياته الكثير من الصور والمعاني والاستعارات التي تستدعي منّا القراءة والنقد برؤى جديدة وقابلة للحداثة والتحديث …

 تطلين على قرائك ومحبيك بقصائد جميلة على مواقع التواصل الاجتماعي، في نظرك ألا ينقص ذلك من جمالية القصيدة التي يتوقع البعض أن يجدها بين دفتي كتاب ضمن ديوان شعري ناظم؟

صدّقني …حين أقوم بطرح قصيدة جديدة على وسائل التواصل، أكون سعيدة جدا بأن أشاركها في هذا الفضاء المفتوح، لأن المعلومة أصبح من السهل الحصول عليها والقصيدة أصبحت مادة مستهلكة ..قديما مثلا، كان الشاعر ينظم القصيدة لمدة طويلة قد تمتد لسنة وحين ترى النور يقوم بإلقائها أمام السلطان والنقاد والعلماء الذين ينتظرونها بعين اهتمام وشغف واكتشاف ..أما الآن اختلفت معايير الطرح في زمن السرعة خاصة مع طفرة النص النقدي والفجوة الحاصلة بين الناقد والشاعر لعدم الالتزام أو ظهور الأنماط الشعرية الأخرى …لذلك من الصعب جدا أن تحافظ على القصيدة لحين إصدارها ضمن ديوان شعري ..لأننا للأسف : من جانب نحن أمّة لا تقرأ …ومن جانب آخر تجعلنا مواقع التواصل في اتصال مباشر مع القارئ ..وتصبح القصيدة مُتاحة مجانيا لهم…

تلقبين بالشاعرة الصحفية، عملت محررة ثقافية في عدد من المنابر، كيف يمكن “للإعلام الثقافي” أن يخدم الثقافة عموما والشعر خاصة؟

  الصحافة يا سيدي تقتل الإبداع ..عملت طويلا في الصحافة الورقية، لا أنكر أنها كانت تأخذ الكثير من الجهد والوقت، لدرجة أنني كنت أغيب عن قلمي ومحبرتي شهورا طويلة ..لذلك قررت أن أبتعد عنها لفترة لعلّني أستعيد بعض قوتي في الكتابة وتواجدي في الساحة الأدبية وأتعلّم أكثر!

أما الشطر الثاني من السؤال، بخصوص الإعلام الثقافي ..سأوضح لك أمرا، في فترة عملي في الصحافة العراقية تعلّمت الكثير من كبار الأدباء والمثقفين …تعلّمت الثبات والصبر، والمجازفة والتحدّي ..قرأت كثيرا لأكون مُحاورة جيدة، لأجد أن الجمع بين الإعلام والثقافة رحلة أبدية ..وعلاقة طردية ..عليك أن تكون بحّارا بارعا لِتصل إلى برّ الإبداع …فالإعلام يُكمّل الثقافة في إبراز الأسماء الإبداعية الجديدة وتسليط الضوء على الانجازات الأدبية ولولا الإعلام الثقافي لما عرفنا بشعراء جُدد فرضوا أنفسهم وإبداعهم في الساحة الأدبية بشكل ملفت وقوي ..

ما هي أهم الحوارات مع الشخصيات الأدبية التي بقيت خالدة في ذهنك، وما سبب ذلك؟

سؤال قد يكون تعجيزيا …. لأنني حاورت كبار الأدباء في الوطن العربي وتعلّمت من كلّ واحد منهم درساَ وفكرة وجرأة… لكني أستحضر الحوار الذي أجريته في حلقات طويلة مع الشاعر الكبير كريم مرزة الأسدي الذي رحل قبل أيام ” رحمة الله تغشاه “……حيث لم يقتصر عن الاجابة في فقرة محددة بإجابة نمطية واحدة .. بل جعلني أقف أمام طاقة فكرية عميقة تستدعي مني التعلّم أكثر عن ماهية الشعر والأدب …لأن كل كلمة كان يطرحها في الإجابة كان لها وزن وقيمة وهدف يصيب القارئ في إدراكه الحسي والفني دون استئذان …وبالتالي سافر بي في رحلة بحث واكتساب لأصوغ له الأسئلة بتقنية أكبر وجهد أكثر…تليق بقيمته الكبيرة في العراق والوطن العربي.

 بصفتك ناقدة أدبية، لك رأي حول دور الجمهور في منح الجوائز الأدبية، هل تعتقدين أن “الناقد” وحده، دون القراء، من يمكن أن يحكم على جودة المنجز الأدبي، وبأية معايير في نظرك؟

الجوائز الأدبية هي تكريم للشاعر .. ووجودها ينشِّط حقل الأدب، ويحفِّز على الإنتاج الجيد، ويلفت انتباه الناس إلى الأعمال المائزة، والفوز بجائزة كبيرة، وحتى الترشّح لها يتيح الفرصة لتسليط الأضواء على المؤلفين، الذين نادرا ما يحظون بالاهتمام الإعلامي. لكن في المقابل يجب الاعتراف بأن الجوائز الأدبية ليست معيارا نهائيا لجودة الأعمال دائماً وتفوقها، فقد تغفل الجائزة عن أعمال مهمة وتخطئها.فبغض النظر عن التوصيف الذي تحظى به الجوائز الأدبية، كونها حافزا للتنافس، أو حتى باعثا على الحراك الثقافي، فإنها تدخل في سياق الإعلان عن خطابٍ ما، خطاب يخصّ الجنس الأدبي، أو خطاب يخصّ المؤسسة التي تقف وراء الجائزة، وهذا لا يقلل من قيمتها، ولا من ضرورتها على مستوى إيجاد حراك ثقافي فاعل، أو على مستوى الترويج لجنسٍ معين، لاسيما وأنّ القيمة المادية لهذه الجوائز ستكون دافعا لما يمكن تسميته بـ (الحماية الأدبية) وتعزيز ثقة الأديب في نفسه وبمشروعه..

أما الناقد فدوره يقتصر على المساعدة في عملية الانتقاء، خاصة إذا ما تحدثنا عن حال النقد الأدبي العربي، ودوره الخجول في دفع الأعمال المميزة نحو الأمام، أو في تصويب ونقد الأعمال التي تتكاثر بهول يوما بعد يوم…

تعرضت لمضايقات بسبب مواقفك السياسية من قضية الصحراء المغربية، هل ترين، وأنت تعيشين الآن في العاصمة الأردنية عمان، أن المسؤولية تزداد على المثقف في الدفاع عن “الوطن” وهو في الغربة؟

الشاعر يبقى لسان قبيلته وقد سبق الإشارة إلى ذلك، وعندما يتجاهل الشاعر بيئته ومحيطه وعشيرته فإنه بذلك يتجاهل نفسه ويخون هويته ويُدمي إنسانيته…

وشخصيا …كنت وما زلت أدافع وأكتب وأهتم بقضية صحرائنا المغربية ووحدتنا الترابية في ظل قيادة مولانا أمير المؤمنين، يقيناَ مني بملف الصحراء المغربية وأحقّية مشروعيته …وسيبقى الولاء والعزم حتى الرمق الأخير ..

حاورها عبد الغني بلوط

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مراد حلحول

الرابور المغربي “الحر” يتخطى 9 ملايين مشاهدة بكليب “حس بيا” (فيديو وصور)

ابتسام بطمة

محكمة مراكش تنظر من جديد في قضية “تصوير محاكمة دنيا باطمة”

وفاة أحد أشهر معلمي الدقة المراكشية بقسم الإنعاش بـ”المامونية”

بعد حملة تنمر بسبب تغريدة قبل انفجار بيروت.. الجسمي يخرج عن صمته

الملك محمد السادس

بعد إصابة زوجته.. الملك يتصل بفنان لبناني للإطمئنان عليه بعد انفجار بيروت (صورة)

تابعنا على