لحاق

لحاق

02 يوليو 2020 - 15:42

كان الشارع فارغا الا من بعض الكلاب الضالة والقطط المتشردة؛ والعربات المركونة على امتداد طوله؛ حتى النوافذ كانت مغلقة؛والحركة منعدمة؛كان يبدو كأن حربا دارت فيه أو اكتسحه وباء قاتل؛فيما كان هو يسير بخطى متسارعة؛ ويلتفت من حين لآخر ليتأكد انها لا زالت تسير خلفه؛ نظر الى ساعته اليدوية التي كانت تشير الى الواحدة والنصف ظهرا؛ وهو يتصبب عرقا؛ من كثرة الحر في ذلك اليوم من منتصف شهر غشت؛ والاسفلت الأسود يلتصق بحذائه بعدما أذابته الشمس الحارقة؛بينما كانت هي تحاول الاسراع للحاق به؛كان هو يسرع ولا يبالي بالعذاب الذي تعانيه لتسير بجانبه؛ فقد كان يتعمد أن تظل خلفه حتى لا تسير بجانبه؛مدججا بوصايا قديمة كانت تجبره على أن يرى النور ظلاما رماديا؛ والعواصف الشمسية أشد عنفا من العواصف الرعدية؛ كانت قطرات العرق تتساقط من على جبينه؛ وكأنها حبات برد لاسعة؛ ما كان يشغل باله؛ إصرارها اللامتناهي بأن تصبح بجانبه؛وإصراره اللامتناهي بأن تظل خلفه.

وكان في أول منعرج يصادفه أمامه؛ يلوي رأسه من جديد نحوها؛ويتابع سيره؛ بينما كاد نفسها أن يسقط وراءه؛كانت تجهد قلبها المتعب لمسايرته؛وهو يجهد قلبه القوي لتظل خلفه؛ ما أعنف شدة الحر المقرون بالمشي السريع؛إنه عذاب شديد لا يشعر و يحس به إلا الذين خبروا العواصف الرملية وغياب الماء؛كانت نظراته الحائرة عندما يلتفت اليها؛ توجعها وتسبب لها مغص معوي؛لا يتوقف عن لسعها الا حينما يلوي رأسه مرة أخرى الى نهاية الشارع المهجور؛كانت الاستقامة خلفه؛ و لا يدري أن التعثر أمامه. وهي تلاحقه؛ لاح امامها أفق ضبابي كسر روحها؛ وتسارعت نبضات قلبها الذي لم يعد يقوى على التوازن؛ وهو لا يرى في سيرها بجانبه سوى إذلال لكرامته.

اشتدت عاصفة الحر؛ وازداد سيلان العرق الممزوج برائحة العنف الجاهلي؛واختفت الحركات الخفيفة؛و تعالى ضجيج القهر؛ لكنه ما زال يسرع ويلتفت خلفه؛ثم يلوي رأسه -كما اعتاد- الى نهاية الشارع التي لم يلحقها بعد؛وبدت له وكأنها تتمدد ضدا عنه.

ظل متمسكا بالسرعة ذاتها ظنا منه أنه قد يلحق نهاية الشارع قبل المغيب؛ ويستريح من النظرات الخبيثة التي تحاصره رغم العواصف الحارة التي استنزفت كل المياه التي افرزتها مخاوفه المتسارعة.

رغم ما اكتسبه من خبرات وتجارب في طي الزمن؛ استعصى عليه هذا الزمن المحاط بالأشواك الملتوية كما هو حينما يتفقدها خلفه؛ و هي لا تنتظر منه سوى السير بجانبه والظفر برضاه قبل المغيب؛ كانت التناقضات تتصارع بسرعة جنونية داخله؛ وهو يراقب ما سينتجه ذاك الصراع المحتدم؛ ظل ايقاع سرعته ثابتًا؛ وكأنه على بينة بما ستحسم به الأمور؛ لكنه ظل محافظا على هدوء خجول؛ كما السحاب الرمادي الداكن غير الممطر؛كان له همُّ واحدُ يشغل باله؛ ويعتقد أنه سيخلصه من المتاهات التي ولجها ولم يستطع ايجاد مخرج لها؛ كان يريد فقط بلوغ نهاية الشارع قبل المغيب.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الأزمة الإسلامية: هذيان من ماكرون أم واقع؟

السطحية و إدريس الأزمي

ستالين الحديدي باني الاتحاد السوفيتي

تابعنا على