“الحكومة المغربية في واد.. ووزارة الثقافة في واد آخر
منذ اللحظات الأولى التي أعلن فيها عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد في المغرب بتاريخ 02 مارس، سارعت الحكومة المغربية باتخاذ مجموعة من التدابير و الإجرائات والقرارات في سبيل مواجهة تداعيات الجائحة.
تحت شعار “التقشف” أصدر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني قرارا موجها إلى مختلف القطاعات الحكومية لاقتطاع أجرة يوم عمل عن كل من أشهر أبريل وماي ويونيو من الأجرة الصافية من الضريبة على الدخل بالنسبة للموظفين. ويمكن فهم هذا القرار في إطار سياسة “التقشف” التي تعتمدها الحكومة لمجابهة التداعيات الإقتصادية التي خلفها انتشار فيروس كورونا في المغرب.لكن النهج التقشفي لم يقف عند الإقتطاع من اجرة الموظفين بل تجاوزه إلى أبعد من ذلك.
بحيث أصدر من جديد رئيس الحكومة منشورا يفيد أنه تقرر تأجيل تسوية جميع الترقيات المبرمجة في ميزانية السنة الجارية،وجميع مباريات التوظيف،ماعدا تلك التي سبق الإعلان عن نتائجها، وأيضا استثنى الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي ومهنيي الصحة.وقد علل رائيس الحكومة هذا القرار بأنه يدخل ضمن استراتيجية لمواجهة الإنعكاسات السلبية لانتشار جائحة فيروس كورونا على المملكة،الأمر الذي يقتضي تظافر جهود الجميع،وتعبئة كل الموارد المتاحة لتجاوز هذه الظرفية الصعبة.
أثار قرار تأجيل مباريات التوظيف جدلا واسعا بين صفوف الطلبة خاصة والشباب عامة، وقد أظهرو سخطا عارما وواسعا على مواقع التواصل الإجتماعي،بحيث كان عدد كبير من الشباب يهيئ و يستعد لهذه المباريات التي تعتبر أخر قشة يتمسكون بها طمعا في الحصول على وظيفة تحفظ لهم ماء الوجه وتحمل أسرهم من مستنقعات الفقر والحاجة.
وقد استحضرتني تدوينة بالعامية لأحد الشباب المتذمر على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” يقول فيها ” قرا نتا أو تكرفص وتسلف وحرق أعصابك وصحتك وحفي عينيك مع المراجع وحياتك كلها كدوز فقسة وعصاب وفقر، وعيش بعيد على واليديك والحرارة والبرد والجوع وفالأخير تسمع ” 3 سنوات عجاف بدون توظيف”.
لكن بعد مد وجزر وأخذ ورد واستنكار وانتقاد كبير من صفوف الشباب للحكومة تفهموا أخيرا أن الوضع الراهن والمصلحة العامة والمواطنة الحقيقية تقتضي تقديم التضحيات والصبر والتضامن من أجل الخروج بالمغرب من أزمة قد تؤدي إلى “سكتة قلبية اقتصادية”.
المناخ العام في المغرب يوحي بوجود أزمة اقتصادية خانقة تستدعي نهج “سياسة تقشفية شديدة” وهذا ما اعترفت به الحكومة حيث أقرت بأنه خلال سنتي 2020 و 2021 ستفقد حوالي مليون منصب شغل،وسيؤدي هذا إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى 15% هذا يعني اننا مقبلون على “سنوات عجاف”.
بتاريخ 17 يونيو 2020 وفي عز الأزمة أطلقت وزارة الثقافة والشباب والرياضة (قطاع الثقافة) برنامج دعم استثنائي بمبلغ مليار و 400 مليون يرمي إلى تشجيع المشاريع الفنية والثقافية في مجالات الموسيقى والأغاني وفنون العرض،كان هذا القرار بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس..
سارع رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى مهاجمة الحكومة المغربية بتدوينات شديدة اللهجة استنكروا خلالها العبث الذي تقوم به الحكومة. فكيف بحكومة أن تمنح الدعم للمغنيين والموسيقيين بينما تقتطع من أجور الموظفين وتقوم بإلغاء الترقيات ومباريات الوظيفة العمومية؟
هل يمكن القول أن الدعم المبالغ فيه الذي منح للفنانين والموسيقين في هذه الفترات الصعبة يعطي رسائل يجب استقرائها ودلالات يجب فك رموزها؟
أم هي قرارات عادية؟
قبل الغوص في التحليل إليكم بعض الأسماء المستفيدة من دعم وزراة الثقافة:
عبد العالي الغاوي: 18 مليون سنتيم
نعمان لحلو: 16 مليون سنتيم
حاتم إدار: 16 مليون سنتيم
سعيد مسكر: 11 مليون
زينب أسامة: 15 مليون سنتيم
حمد الله رويشة: 4 مليون
عصام السرحاني: 14 مليون
حمزة لبيض: 8 مليون
سارعت المطربة المغربية “لطيفة رأفت” المعروفة في الأوساط الفنية العربية بالتعليق على هذا الموضوع من خلال فيديو لها انتشر سريعا على مواقع التواصل الإجتماعي، بحيث جاءت تعليقاتها عبارة عن انتقاذات لاذعة لوزارة الثقافة حيث قالت: إن الحديث عن دعم استثنائي يوزع على الفنانين في هذه الظروف الإقتصادية الصعبة التي يعيشها بلدنا لهو موضوع تذرف له الدموع حسرة، ولكن ما يحز في النفس أكثر ويدفع إلى الحيرة و الجنون هو أن أغلب الأسماء الواردة في لائحة الدعم هم فنانون غير معروفون بتاتا، والخطير في الأمر هو ورود اسم شركات إنتاج فني استفادت من الدعم، ولكنها في الواقع تمارس نشاطا تجاريا (البناء) ليس له علاقة بالإنتاج الفني لا من قريب ولا من بعيد.
واستنكرت الفنانة المغربية “لطيفة رأفت” والذموع تملأ عينيها،وضعية بعض الفنانين المنسيين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الأغنية المغربية في فترات ليست ببعيدة.واليوم يعيشون في وضعية مادية مزرية تدفعهم لممارسة السعاية!
نحن كمغارية اليوم لم نعد نفهم إرادة الحكومة، عندما بدأت الإقتطاعات من الأجور وتأجيل الترقيات ومباريات الوظيفة العمومية، وتم إطلاق حملات إعلامية لتعبئة القطاع العام و الخاص والمواطنين للمساهمة في الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا،كلها إجرائات أعطت الضوء الأخضر بأن المغرب يستعد لمواجهة “سنوات عجاف” وبهذا يكون المغاربة قد تهيأو لذلك والتقطوا الإشارات.
لكن في سياق متصل تمنح وزارة الثقافة لمجموعة من الفنانين البعض منهم غير معروف والبعض الآخر لديه مشاريع ضخمة ولا يحتاج حقيقة لأي دعم مالي،على سبيل المثال نجد المغني “عبد العالي الغاوي” قد أمسك 18 مليون سنتيم وهو الذي يملك عدة مطاعم ليلية و عدد من العقارات.وهذا يظهر لنا جليا بأن هناك عشوائية وارتجالية في التدبير المالي للأزمة من طرف الحكومة و عدم التنسيق بين مكوناتها..
وبينما كان الرأي العام المغربي ينتظر تحفيزات مادية من الحكومة المغربية لصالح مهنيي قطاع الصحة وذلك لتواجدهم في الصفوف الأمامية في عز الأزمة.لكن بدل ذلك تفاجأ الجميع بمنح دعم “سمين” لمجموعة من الفنانين قضوا فترة الحجر الصحي في رفاهية!
*طالب باحث في العلوم القانونية والسياسية
اترك تعليقاً