حزب العدالة والتنمية ... للقصة بقية

حزب العدالة والتنمية ... للقصة بقية

20 أكتوبر 2020 - 16:28

حزب العدالة والتنمية، حزب وطني ككل الأحزاب الوطنية التي عرفتها الساحة السياسية الوطنية، منذ فجر الاستقلال، فلكل حزب قصة انشاء وسياق تاريخي لذلك، و عنوان ومسار سياسي عبر امتداد الزمن السياسي بالمغرب، و مناضلون شرفاء دافعوا على مبادئهم ومبادئ حزبهم بكل ما يمكن أن يصون لهم ذلك… وفق إطار إيديولوجي محدد. وقد لا أستطيع أو نستطيع جميعا، أن نحصي عدا عدد شرفاء الوطن المتحزبين و غير المتحزبين، الذين أفنوا أعمارهم فداء لهذا الوطن، كما هو نفس الأمر لعدد الشهداء بمختلف طرق استشهادهم.

فلكل زمان رجاله ومناضلوه، جاء دور رجالات حزب العدالة والتنمية، بعد مسارهم في مختلف الحركات الاسلامية، واندماجهم في السياسة وخوضهم لتجربة الاصلاح بطعم جديد، وأهداف محددة وواضحة تحت شعار “الإصلاح في ظل الاستقرار”، وفي ظل ملكية برلمانية دستورية اجتماعية، وإمارة المؤمنين، ووفق التوابة المغربية، المدبجة في دباجة الدستور.

لتأتي نسمات رياح التغيير من الزيتونة الخضراء التونسية، مطلقة الشرارة الأولى لمرحلة جديدة في العالم العربي، وتتوسع رقعة الربيع العربي وتشمل عددا من الأنظمة وتسقطها و”تغيرها”، وتصل هذه الرياح الى المغرب، فيجد المغرب أمامه وبكل مكوناته الاجتماعية والمدنية والسياسية، فرصة سانحة وظروف مواتية لتغير حقيقي واستكمال مسار المصالحة والإصلاح، وهذا ما تحقق بعد الخطاب الملكي التاريخي في 9 مارس 2011، ووصولا الى طرح دستور جديد، والمصادقة عليه، يعتمد كأرضية للانطلاقة الفعلية للإصلاح والبناء الديمقراطي وفق الطراز الجديد.

ويكون أمام حزب العدالة والتنمية فرصة تاريخية لتحقيق مكسب سياسي سابق في تاريخيه السياسي، لوصوله للسلطة بعد مسار 2002 و2007، ثم 2011، وليخوض الحزب ومعه كل المغارب تجربة جديدة في الاصلاح وأمل للعديد من المواطنين لمناشدة التغير والاصلاح في مختلف نواحيهم الحياتية، و التحسين من وضعيتهم الاجتماعية …

غير أن نيل المطالب لا يأخذ بالتمني ولكن الدنيا تؤخذ غلابا، ويكون الحزب أمام العديد من التحديات والعوامل لم تكن سهلة أبدا. فتلك سنة الحياة، و طريق الاصلاح لم يكن في يوم من الايام مفروشا بالورود، وتبدأ أول التحديات ذاتية بالأساس لحزب “البيجيدي” في ضعف الحنكة السياسية، وقلة التجربة والخبرة، خاصة عند البعض.

ثم التحدي الأبرز والعامل الأساسي هو السعي من طرف بعض القوى و جهات معينة، يمثلها بوجه مكشوف حزب الأصالة والمعاصرة، وبالحرب بالوكالة، وفق هدف حدد له ومن أجله خلق، حسب ما جاء في العديد من المناسبات على لسان قياداته، وهو اضعاف الاسلاميين ومواجهتهم، والسعي نحو الالتفاف على التجربة الحكومية وإضعافها، بعد أن ضمنت هذه الجهات سكون الشارع، وانخفاض حدة الحراك الشعبي بالمغرب وخارجه. وكأنهم يرون أن حزب العدالة والتنمية قد أتم مهمته بنجاح ولم يعد له دور، وحان الوقت لإرجاعه الى ما كان عليه في حجمه وقوة تأثيره في المشهد السياسي.

توج كل ذلك بإخراج حزب الاستقلال من الكتلة الحكومية والتحاقه بالمعارضة بقيادة الأصالة والمعاصرة، وتستمر لعبة الاضعاف الى أن شاءت الأقدار أن يتم ترميم هذا الضعف وإدخال حزب الأحرار الى الحكومة وإنقادها، وتستمر التجربة ولو بشق الأنفس، ويصاحب ذلك الانشغال بالصراعات السياسية والانشغال عن صلب الموضوع، وعن الأهداف التنموية وانتظارات المغاربة وانشغالاتهم، فتلك هي القاعدة فإن لم أستطع التغلب عليك فعلى الاقل أصرفك عن هدفك، لتكن الحصيلة الحكومية متواضعة، ولا تستجيب لمطالب الشارع سواء على المستوى الحقوقي أو التنموي، رغم المجهودات الجبارة التي أتخدت، ورغم الصلاحيات والمكانة التي أضحت تتمتع بها المؤسسة الحكومية، ورئيس الحكومة وفق الدستور الجديد.

ولم يستطع بطريقة أو بأخرى أن يستعمل بنكيران صلاحياته الدستورية، حتى ان اليساري محمد الساسي أشاد ببنكيران في تطبيقيه لدستور 1996 بشكل جيد جدا !!، وقد نتفهم هذا لكون هذه التجربة فتية وأول تجربة شخصية لكونه رئيس حكومة، وأول تجربة في ظل الدستور والوضع الجديد، ولم تكن تلك أولى الأولويات بقدر ما كان إنجاح تجربة حكومة إسلامية ينظر إليها المغاربة والعالم بطريقة مختلفة، وبقدر تجاوز كل العراقيل و”المشوشيين” بحسب تعبير رئيس الحكومة نفسه.

ونفس الأمر ينطبق على تجربة محاربة الفساد والمفسدين، إد لم يكن ذلك سهلا أبدا، ولطالما صرح بنكيران أنه ليس هو من يحارب الفساد بل الفاسد هو من يحاربه، وليكتفي بنعت المفسدين “بالعفاريت” و “التماسيح”، ويخرج نفسه سالكا بقوله ” عفا الله عما سلف”!. ولكون حجم انتظارات الشارع المغربي أكبر بكثير من الإمكانيات السياسية والمالية للحكومة، فقد كانت النتائج متواضعة على العموم …

لكن قوة هذه التجربة في كون الكاريزما القوية لبعض قادات هذه التجربة خاصة عند حزب العدالة والتنمية، واعتماد الحزب مبدأ الشفافية والوضوح حتى ولو كانت القرارات صعبة فإن قوة الاقناع وقوة الوضوح كانت كافية لإقناع الشارع بالعديد منها، واستعمال اللغة البسيطة في تقريب المفاهيم للمواطنين بمختلف انتمائهم الاجتماعي، حتى أضحى العديد من المواطنين يفهمون ويحللون العديد من المفاهيم لم تكن تفهم وتناقش في عهد قريب إلا في “بلاطوات” ومكاتب المسؤولين، كالمقاصة و العجز التجاري وإكراهات الميزانية … والعديد من القضايا.

والرغبة الجامحة عند بعض الاحزاب والقوى الأخرى في إفشال هذه التجربة واستعمال كل الوسائل الممكنة والغير ممكنة، والاستعانة بالسلطة والأعوان، ومرتزقة الإعلام، والصحف الصفراء، في نشر الأكاذيب والمغالطات، ووصولا الى حد إخراج المواطنين وتسخير كل الإمكانيات اللوجستيكية، لنقلهم من مختلف البوادي، على شكل مسيرات، أشهرها مسيرة “ولد زروال” الشهيرة بغبائها، وبؤسها في استغلال نية المواطنين وتغليطهم على أساس أنهم يتظاهرون ضد الارهاب و”أخونة المجتمع”، و الدعوة الى إخراج بنكيران من الصحراء المغربية !!! … والعديد من المشاهد التي يندى لها الجبين.

وليعد الحزب مستغلا أخطاء باقي الأحزاب وضعفها، وحربها على العدالة والتنمية وينقلب السحر على الساحر ويكافئ الشارع الحزب في انتخابات 2016، سواء الجماعية أو البرلمانية، ويكتسح البوادي والقرى والمدن العريقة لبعض الأحزاب السياسية الأخرى، ويتصدر المشهد، برقم (125) لم يكن حتى عند أشد المتفائلين لدى قيادات الحزب بأنفسهم، ويحقق الحزب نصرا مؤزرا في تاريخه وتاريخ المغرب كأول حزب مغربي يفوز بولايتين حكوميتين متتاليتين.

وبما أن الحرب سجال، وأن السياسة لا صديق دائم ولا عدو دائم، ينقلب المشهد ويصبح صديق الأمس عدو اليوم، وعدو الأمس صديق اليوم، ويصبح حزب الاستقلال الذي كان خرج أو أخرج من الحكومة، عاد وأعلن المساندة النقدية للحكومة حتى وهو في المعارضة “صديق اليوم”، ويرغب حزب العدالة والتنمية الذي وكلت له مهمة تشكيل الحكومة، بعقد تحالف قوي ومعه أحزاب الكتلة الوطنية المشكلة للحكومة السابقة.

ويصبح صديق الأمس حزب الأحرار هو “عدو اليوم”، ويشكل تحالف استعانت به بعض الاحزاب التي لم تحضى برضى المواطنين، والاستعانة بالمثال الشعبي “لي معندو سيده تولدو ليه لاله”، ليصبح تشكيل الحكومة خاضع لشروط حزب الثالث وليس حزب الأول، وهذا ما لم يقبل به بنكيران وحزبه، لينتهي ذلك بالبلاغ الشهير، بلاغ “انتهى الكلام”، ويعلن بذلك تعذر تشكيل الحكومة وفقا لهذا التحالف.

غير أن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن، لتأتي العاصفة من بوابة حزب الاستقلال وتعصف به، إثر تصريحات لأمينه السابق شباط تجاه الدولة الشقيقة موريتانيا، وبذلك يكون حزب الاستقلال خارج الحسابات، واستمرار البلوكاج الحكومي لستة أشهر، ويتعذر تشكيل الحكومة وفق رؤية رئيس الحكومة وقيادة حزب البيجيدي، ووفق التحالف الذي يحترم الارادة الشعبية، فينتهي ذلك بانقلاب أبيض وإزاحة بنكيران، وتعين خلفا له سعد الذين العثماني، وتوكل له نفس المهمة.

فيتغير اللاعبون وتتغير اللعبة، وتشكل حكومة مركبة، وتكون خارج صندوق الاقتراع، وتستمر النكسات والنكبات، على العديد من الأصعدة، رغم بعض المكاسب الماكرو اقتصادية والموازنات المالية التي تحققت خلال هذه الحكومة، وتحسن في بعض المؤشرات الاقتصادية، واستمرار وتكملة لبعض الاصلاحات التي بدأت في عهد الحكومة السابقة ولم تكتمل بعد.

ولتستمر معركة البناء والإصلاح وتشق طريقا صعبا جذا والالتفاف على إرادة الشارع ومطالبه، ومحاولة غلق قوس الانتقال من الانتقال إلى الانتقال الديمقراطي، واستمرار الحرب الشعواء والعشوائية على حزب العدالة والتنمية بحد ذاته برغم من كون الحكومة لا تتكون من حزب واحد أو أثنين بل من ستة أحزاب، وبعدها من خمسة أحزاب، في سابقة من نوعها بالمغرب.

وتتجدد أساليب ووسائل الحرب، وبغاية واحدة هي إضعاف حزب العدالة والتنمية، وتنحيته من المشهد السياسي، حتى ولو كان ذلك من أحزاب عريقة في النضال والدفاع عن الارادة الشعبية، وصون المكاسب الديمقراطية وعدم تقديم أي تنازلات على حسابها.

فإن لم تكف وسائل التضليل والتشويه و المضايقة والبلطجة، واستعمال كل الأساليب المتاحة..، وليصل الدور الى استعمال الوسائل والألاعيب القانونية، آخرها التلاعب بالقاسم الانتخابي، والمساس بطريقة مباشرة بأصوات الناخبين، ومخالفة كل الأعراف الدولية والديمقراطية والقانونية، في احتساب أصوات الناخبين وفق عدد المسجلين في لوائح الانتخابات، حتى إذا اقتضى الأمر الاستعانة بأصوات المغاربة المتوفين رحمة الله عليهم، والمرضى الذين لا يقوون على الوصل الى صناديق الاقتراع، وبأصوات المقاطعين..، بدريعة إفساح المجال للأحزاب الصغير بالظهور، بعد أن فشلت الأحزاب الكبيرة، والوصول الى البرلمان، وكأن البرلمان هو الغاية بحد ذاته، فمن لم يسعفه برنامجه الانتخابي ولا مبادئ حزبه في إقناع الناخبين والظهور، حق له أن لا يظهر، فماذا سيضيف للساحة السياسية ؟ ومن لم يستطيع أن يتجاوز العتبة رغم كل التخفيضات والعرض المغري (3٪) كيف سيتجاوز عتابة التدبير وعراقيلها التي كبرت حتى على الحزب المتصدر ؟.

خلاصة القول أقول للذين يحلمون ليل نهار، بأن يأتي يوم بشكل عاجل غير آجل، وينهزم فيه حزب العدالة والتنمية، نصيحتان، أولها خلوا بينه وبين الشارع، كفوا عن محاربته، كفوا عن التشويه والاستعجال بسقوطه، ولتكن كلمة فصل لشارع، لا تحاربوه كي لا يكافئه الشارع.

والنصيحة الثانية اشتغلوا بالمعقول، وبالصدق والوضوح، ومن أجل مصلحة الوطن والجميع، وبنظافة اليد، قدموا عرضا أفضل من عرضه، فإن الشارع لا يرضي سوى بالأفضل.

والى ذلكم الحين دمتم للبلطجية أوفياء…، وللحزب العدالة والتنمية ناصريين.
بقلم

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سليم منذ شهر

باز

البراء منذ شهر

مقال موفق تطرقت الأمر بشكل شامل.... الله يسر لإخواننا ✅

مقالات ذات صلة

فاس

مستقبل حزب الاستقلال بفاس: بين مخاطر التمديد وفرصة التداول

قراءة في كتاب “أحجار على رقعة الشطرنج”

الفوضى الخلاقة.. زمن كورونا

تابعنا على