المراحل الانتقالية وتعقيدات التغيير في السياقات الثورية

المراحل الانتقالية وتعقيدات التغيير في السياقات الثورية

03 فبراير 2017 - 02:40

يقدم لنا النظام العالمي مجموعة من "براديغمات" وتجارب الانتقال الديمقراطي والذي عرفته العديد من دول العالم، ففي التجربة الاسبانية مثلا كان الانتقال عبر توافق تعاقدي بين الجناح العسكري المتمثل في الجنرال " فرانكو" والملك العائد، إلى جانب النخب اليسارية واليمينية التي أدركت أهمية التغيير السياسي. وفي البرتغال كان الانتقال الديمقراطي عبر انقلاب عسكري أبيض أو ما سمي بثورة القرنفل، حيث حاصر الجيش مقر الرئيس المخلوع الذي تنازل عن الحكم بشكل سلمي، ثم جابت القوات العسكرية الشوارع حاملة وريقات القرنفل على فوهات بنادقها، أما بأمريكا اللاتينية فكان الانتقال إلى الديمقراطية من خلال عودة الجيش إلى ثكناته وترك مؤسسات الحكم لأحزاب السياسية، وفي جنوب إفريقيا تم الانتقال عبر المدخل الحقوقي بترك نظام التمييز العنصري للبيض على السود أو ما سمي بنظام " الأبرتايد"، وإقرار المصالحة الوطنية وتصفية ملفات الانتهاكات الحقوقية، بإنشاء نظام سياسي يتضمن المساواة في الحقوق والتداول السلمي على السلطة .

إن هذه الموجة الموجهة نحو تلمس الطريق إلى الديمقراطية شقت طريقها بدءا من النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، واستمر مدها وجزرها إلى حدود بداية العشرية الثانية من القرن الجاري وتحديدا سنة 2011 حيث انطلقت عواصف ثورية جديدة في مجموعة من الأقطار العربية فاجأت الأنظمة السياسية والأحزاب التقليدية، ومكنت مجموعة من القوى الإسلامية من الوصول لمراكز صناعة القرار، غير أن وصولها فرض تحديات جديدة لم تكن مألوفة لدى هذه الحركات التي كانت تشتغل بالحقل الدعوي الذي لا يخضع لمسائلة صارمة عكس الحقل السياسي المتسم بالتعقيد والشابك مع اللوبيات الاقتصادية الداخلية والخارجية وكدا تداخل المصالح الإقليمية والدولية، والأكثر من ذلك أن الحركات الإسلامية التي تعوزها التجربة وجدت نفسها في مواجهة أنظمة متمرسة خبيرة في إدارة الأزمات والانحناء للعواصف، وفي هذا السياق وجدت جماعة الإخوان المسلمين نفسها وسط أمواج عاتية بخصوص مسألة تدبير المرحلة الانتقالية أي الحقبة التي أعقبت سقوط مبارك، لكن التساؤل يبقى قائما حول ماهية المرحلة الانتقالية وأسس هذه الأخيرة.

أولا: مفهوم المرحلة الانتقالية:

يصعب الحديث عن نظرية تاريخية خاصة بالمراحل الانتقالية عموما، فما يقال عن المراحل الانتقالية عموما يمكن قوله عن مراحل " غير انتقالية" إذا صح التعبير. المسألة فقط أننا قمنا بتحديدها كمرحلة تاريخية من منظور التحقيب التاريخي الذي يتفق عليه المؤرخون في كل مدرسة فكرية .

لكن على العموم هناك اجتهادات كثيرة قاربت مفهوم الانتقال والذي له دلالة مهمة في السياق السياسي عندما يتعلق الأمر ببعض المراحل المفصلية في تاريخ الشعوب، أي عندما نكون بصدد مرحلة تخلخل فيها مؤسسات الدولة وتظهر فيها أعراض الاضطراب والمقاومة والارتداد من أجل الانتقال من وضع سياسي مأزوم إلى وضع أكثر رحابة.

ويشير مفهوم الانتقال في أوسع معانيه إلى العمليات والتفاعلات المرتبطة بالانتقال أو التحول من صيغة نظام حكم غير ديمقراطي إلى صيغة نظام حكم ديمقراطي، ومن المعروف أن هناك عدة أشكال أو أنماط لنظم الحكم غير الديمقراطية، فهي يمكن أن تكون شمولية أو تسلطية مغلقة، مدنية أو عسكرية، حكم فرد أو حكم قلة...إلخ. كما أن هناك حالات ومستويات متعددة للنظام الديمقراطي الذي يتم الانتقال إليه، فقد ينتقل نظام تسلطي مغلق إلى نظام شبه ديمقراطي يأخذ شكل ديمقراطية انتخابية، ويمكن أن يتحول نظام شبه ديمقراطي إلى نظام ديمقراطي ليبرالي أو يكون قريبا منه، كما أن الانتقال إلى النظام الديمقراطي يمكن أن يتم من أعلى ، أي بمبادرة من النخبة الحاكمة في النظام غير الديمقراطي أو الجناح الإصلاحي فيها، أو من أسفل بواسطة قوى المعارضة المدعومة بتأييد شعبي واسع، أو من خلال المساومة والتفاوض بين النخبة الحاكمة والقوى المعارضة لها ، أو من خلال تدخل عسكري خارجي ، وكل ذلك يؤكد على مدى التعدد والتنوع في تجارب وخبرات الانتقال الديمقراطي .

ومن خلال ما سبق يمكن أن نستخلص أن المرحلة الانتقالية تعني من الناحية النظرية تلك المرحلة التي تتوسط مرحلين، الأولى توسم بالاستبداد ويكون بدرجات متفاوتة حسب طبيعة النظام السياسي ومرحلة أخرى يرجى الانتقال نحوها وتوصف بالديمقراطية وتبقي هي الأخرى نسبية تحدد بناءا على طبيعة القوى المشاركة في عملية الانتقال وطبيعة المجتمع المعني هل هو مجتمع قبلي أم مديني، فهي باختصار ذلك الجسر المعلق بين ضفتي التحكم والديمقراطية، وتعرف هذه المرحلة صراعات وتجاذبات بين مختلق الفرقاء والفاعلين داخل المجتمع، كما تعرف تدخلات أجنبية في الشأن الداخلي إما باسم الحفاظ على المصالح الاقتصادية والدفاع عن طائفة معينة (الحالة السورية)، أو تقوية مركز تفاوضي في قمم ومنتديات دولية(التدخل الروسي في الشأن السوري)، إذ بالنظر لحجم تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية بين مختلف القوى الإقليمية والدولية أصبحت سيادة الدولة مهددة وفي كل وقت وحين بالاختراق والتشظي.

ثانيا: ضوابط تدبير الاختلاف خلال المرحلة الانتقالية

تمتاز المرحلة الانتقالية بدرجة كبيرة من التوجس والخوف وعدم الاطمئنان لأخر المخالف في الرأي والفكر والايدولوجيا خاصة في السياق العربي الذي شكل مختبرا لتجريب مختلف الأطاريح الفكرية والسياسية، الشيء الذي ترك تأثيرات عميقة على النسيج السياسي المجتمعي من خلال استضمار بنية اقصائية بين مختلف القوى المجتمعية، والتي وجدت تعبيرات عنها من خلال بنية تصورية قامت على التخوين الديني أو الوطني أو الطبقي أو القومي .

ولهذا فإن المرحلة الانتقالية صوب الديمقراطية في حاجة لضوابط تكبح أي انزلاق من شأنه تشتيت الجهود وصرفها لقضايا هامشية، لا تخدم مصالح الانتقال السلس، ومن هذه الضوابط ما يلي:

أ‌) العمل المشترك ونبذ الإقصاء:

إن العمل المشترك ليعد بحق من المداخل الأساسية لإنجاح المرحلة الانتقالية، ومعنى العمل المشترك هو القبول بالأخر رغم الاختلافات الفكرية والسياسية التي غالبا ما تطفوا على السطح خاصة أن القوى التي تشارك في تدبير المراحل الانتقالية في السياق العربي، تعاني من التنافر الناجم عن طبيعة الأنظمة السلطوية التي تسعى دائما لتخويف القوى من بعضها البعض وزرع ثقافة الإحباط والتشظي، فهي تستخدم الاختلافات الإيديولوجية لأجل فك كل تقارب للقوى المضادة للنسق السياسي الرسمي حتى تستفرد بكل طرف على حدة، مما يخلق هشاشة لدى قوى المجتمع في مقابل صلابة النظام السياسي والتي تستمد في الغالب من أجهزة الجيش والأمن، ولهذا فإن بناء أرضية صلبة للعمل المشرك يعد مطلبا شرطيا لإنجاح أي تدبير ناجع للمراحل الانتقالية.

ب‌) الاتفاق على شكل الدولة المرجوة:

إن من الأخطاء الكبرى التي سقطت فيها ثورات الربيع العربي هي البدء بإشكالية من سيحكم، في سياق سياسي من الأجدر أن يطرح فيه تساؤل كيف سنحكم، لأن الشروع في البحث عن إجابة على سؤال من المؤهل للحكم سابق لأوانه إذ نحن بصدد مرحلة انتقالية تأسيسية الأولى فيها البحث على أكبر نسبة ممكنة من التوافق والتقارب في وجهات النظر، مدخله الأساسي هو استكشاف الكيفية الصحيحة المتوافق حولها في إدارة الدولة أي شكل الدولة التي تصلح إطارا وطنيا مشتركا يسع جميع الحساسيات، وفي المقابل فإن الذين ذهبوا في اتجاه تلمس الإجابة على سؤال من سيحكم أولا سقطوا في فخ الاختلافات والتجاذبات والتي استغلتها الأنظمة السياسية بذكاء في الترويج لنظرية الركوب على موجبة الثورة والتسلق للمناصب، مما أضعف بريق الثورة وسهل الانقضاض عليها من طرف القوى الكلاسيكية، عبر ما سمي بالثورات المضادة.

ت‌) سلمية الثورة ونبذ العنف:

إن العنف لمن أخطر الأعطاب التي تصرف الثورة عن مقاصدها النبيلة وتحقيق قيم الديمقراطية والمساواة، ولهذا فالأنظمة السياسية تلجأ في الغالب لإثارة الفوضى في كل احتجاج سلمي عبر ما سمي "بالبلطجية" في السياق المصري و "الشبيحة" في السياق السوري، هذا التوظيف المقصود للعنف الهدف منه إسقاط الثوار في منطق العنف المضاد والانقضاض عليهم بتهم الاعتداء على أجهزة الدولة ومؤسساتها وقد استخدمت هذه المناورات في الربيع العربي بشكل مكثف.

ث‌) عدم السماح بارتهان المرحلة الانتقالية للتدخلات الأجنبية:

إن المقصود بارتهان المرحلة الانتقالية للتدخلات الأجنبية هو سماح القوى الثورية للأطراف الخارجة عن معادلة الصراع بلعب أدوار محورية في إدارة هذا الأخير، سواء من خلال التدخل العسكري المباشر كما وقع في الحالة الليبية والسورية أو الغير المباشر عن طريق توفير الدعم المالي والغطاء السياسي كما حدث في الحالتين المصرية والتونسية، إذ أن الصراع كلما تعدد فيه المتدخلون من الخارج ازداد حجم تعقيده وتشابكه، وأصبحت خارطة الطريق فيه غير واضحة، بالنظر لأن كل طرف يريد فرض أجنداته التي تكون غير ذات صلة بمصالح القوى الثورية، وهناك العديد من الدول التي دخلت في مثل هذه الحلبة من الصراعات التي لا علاقة لها إطلاقا بمصالح الشعب والقوى الثورية، ولعل الحالة السورية من الأمثلة المعبرة بقوة عن هذه الوضعية حيث يكثر المتدخلون كل يريد فرض أجندته، فمثلا حزب الله يتدخل في سوريا للحفاظ مصالحه الطائفية هناك، مثلما تتدخل إيران للغاية نفسها، مقابل تدخل روسيا للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط وكسب ورقة قوة للتفاوض مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في ملفات أخرى كالقضية الأوكرانية غيرها، ففي النهاية الخاسر الأكبر هو القوى الثورية التي وجدت نفسها على هامش قمم التفاوض ولهذا فإن ارتهان المرحلة الانتقالية بأطراف خارجية يعد من المشكلات الأكثر تعقيدا في عالمنا المعاصر في ظل التشابك الحاصل على مستوى المصالح الاقتصادية والسياسية.

1- عبد الاله سطي: أسئلة حول فرضية الانتقال الديمقراطي بالمغرب، دراسة منشورة بالموقع الالكتروني للمركز العلمي العربي لأبحاث والدراسات الإنسانية. تم الإطلاع على الدراسة عبر الرابط التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=422044

2- عزمي بشارة: محاضرة بعنوان، نوعان من المراحل الانتقالية وما من نظرية، قدمت المحاضرة بمناسبة المؤتمر الوطني الثالث للعلوم الاجتماعية المنعقد بتونس بتاريخ 21-22-23 مارس 2014، ورقة المحاضرة منشورة على الرابط التالي:

http://www.dohainstitute.org/release/ba5fdbfb-9066-40a6-85ef-2f40dc4065d5

3- الانتقال من أعلى هو انتقال تقوده وتهندسه القيادة السياسية أو الجناح الإصلاحي في النخبة الحاكمة. أي أنه انتقال يتم من داخل النظام القائم. وعادة ما تبدأ عملية الانتقال عندما تتوفر عوامل وأسباب موضوعية تؤثر سلبا على شرعية السلطة، وتخلق لدى النخبة الحاكمة قناعة مفادها أن كلفة الانفتاح والتحول الديمقراطي أقل من كلفة الاستمرار في الممارسات التسلطية. وفي بعض الحالات كان للجناح الإصلاحي داخل النخبة الحاكمة دور كبير في عملية الانتقال، حسنين توفيق إبراهيم: الانتقال الديمقراطي: إطار نظري، دراسة منشورة بموقع الجزيرة للدراسات على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/ar/files/arabworlddemocracy/2013/01/201312495334831438.html

4- الانتقال من أسفل يأخذ هذا النمط للانتقال شكلين رئيسيين. أولهما، الانتقال نتيجة لتكثيف الضغوط على النظام الحاكم من خلال التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي تقودها وتشارك فيها قوى المعارضة الديمقراطية، بحيث تجبر النظام في نهاية المطاف على تقديم تنازلات تفتح الطريق للانتقال الديمقراطي على غرار ما حدث في كل من الفلبين وكوريا الجنوبية والمكسيك . وثانيهما،الانتقال الذى تقوده قوى المعارضة على أثر انهيار النظام غير الديمقراطي أو إطاحته بواسطة انتفاضة أو ثورة شعبية. ففي أعقاب ذلك تبدأ مرحلة تأسيس نظام ديمقراطي جديد يحل محله، حيسن توفيق إبراهيم، المرجع نفسه.

5- الانتقال من خلال التفاوض بين النخبة الحاكمة وقوى المعارضة يحدث الانتقال هنا على أرضية اتفاق أو تعاقد يتم التوصل إليه عبر المفاوضات والمساومات بين النخبة الحاكمة وقوى المعارضة. وغالبا ما يأتى ذلك كمحصلة لوجود نوع من التوازن النسبي في ميزان القوى بين الطرفين، فالنخبة الحاكمة تصل إلى قناعة مفادها أنها غير قادرة على الاستمرار في السياسات المغلقة والممارسات القمعية بسبب الضغوط الداخلية والخارجية، وأن كلفة الانفتاح السياسي والانتقال إلى صيغة ما لنظام ديمقراطي ضمن اتفاق مع المعارضة يضمن بعض مصالحها -أي النخبة الحاكمة- هي أقل من كلفة الاستمرار في السياسات غير الديمقراطية، حيسن توفيق إبراهيم المرجع نفسه.

6- الانتقال من خلال التدخل العسكري الخارجي غالبا ما ارتبط هذا النمط من الانتقال بحروب وصراعات، تؤثر فيها وتحكمها مصالح وتوازنات داخلية وإقليمية ودولية. وهو يحدث في حالة رفض النظام الحاكم للتغيير، وعدم بروز جناح إصلاحي داخله، وعجز قوى المعارضة عن تحديه وإطاحته بسبب ضعفها وهشاشتها نتيجة لسياساته القمعية. وفى ظل هذا الوضع لا يكون هناك من بديل لإطاحته والانتقال إلى نظام ديمقراطي سوى التدخل العسكري الخارجي الذى يمكن أن تقوم به دولة واحدة على نحو ما فعلت الولايات المتحدة الأميركية في كل من جرينادا وبنما في ثمانينيات القرن الماضي، أو تحالف يضم مجموعة من الدول على غرار الحرب التي قادتها واشنطن بمشاركة دول أخرى ضد أفغانستان في عام 2001، وضد العراق في عام 2003. حيسن توفيق إبراهيم، المرجع نفسه.

7- حسنين توفيق إبراهيم: الانتقال الديمقراطي: إطار نظري، المرجع نفسه.

8-خالد العسري: الربيع العربي ومنطق البناء التشاركي، مجلة منار الهدى، ملف العدد الربيع العربي و أسئلة المرحلة، الطبعة الأولى 2012 ص 47.

*جزء من مداخلة شاركت بها في مائدة مستديرة نظمها مركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية مدى حول موضوع الحركة الإسلامية بين الوضعين الإقليمي والحالة المغاربية بالدار البيضاء بتاريخ 23 أبريل 2016.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

مبادرة “مينتو حيدر” على ضوء أعطاب الوضع السياسي بالصحراء

تطور التعليم بالمغرب.. حقبة الجد والحفيد

الطفل عدنان

الخطاب العلماني وشرعنة الشذوذ..

تابعنا على