تحقيق: هكذا يتحكم

تحقيق: هكذا يتحكم "غول" شركات التأمين في رقاب الوسطاء عبر بوابة القضاء (الجزء 2)

25 أكتوبر 2020 - 17:00

منهم من سجن، ومنهم من أفلس، ومنهم من يتابع أمام القضاء.. وكلاء ووسطاء تأمينات يواجهون “غول” شركات التأمينات، في دعاوى قضائية ومتابعات سببت للكثيرين منهم في استنزاف الجهد المالي، وأربكت حساباتهم على مختلف الأصعدة.  قصص ووقائع تسردها “العمق” عبر حلقات تكشف خبايا “غول” يتلاعب برقاب الوسطاء والوكلاء ويتحكم فيها عبر بوابة القضاء.

ترفع شركات التأمين دعاوى قضائية متعددة في مواجهة وكلائها في عدد من القضايا الخلافية. الوثائق والمستندات والمعطيات التي حصلت عليها جريدة “العمق” تكشف منسوب لجوء شركات تأمين إلى القضاء لفرض الأمر الواقع على عدد من الوكلاء.

الوثائق والمستندات التي حصلت عليها “العمق” تكشف كيف استطاعت شركات تأمين كبرى تستحوذ على حصص مهمة في سوق التأمين، أن “تروض” وكلاء كانوا عاملا مهما في الرفع من معاملاتها، عبر بوابة الدعاوى القضائية المتعددة في موضوع واحد وأمام محاكم مختلفة، بين المحاكم التجارية والمحاكم الزجرية، باختلاف طبيعة الدعاوى القضائية بين التجارية والجنجية فيما يبقى موضوع الدعوى هو هو نفسه.

استراتيجية الإلهاء

دخلت الشركة المغربية للتأمين في عملية إنهاك الوكلاء عن طريق سلوك عدة مساطرة قضائية ضد وكلاء، وهو اعتبره بعضا منهم إنهاكا وإلهاء لهم في مختلف المستويات، إذ عوض أن يركزوا جهودهم على تطوير نشاطهم التجاري وبالتالي نشاط الشركة التي يستغلون علامتها التجارية، أصبحوا يوجهون هذا الجهد نحو متابعة المساطر والدعاوى القضائية المرفوعة ضدهم.

وبحسب معطيات جمعية وسطاء ومستثمري التأمين فإن العديد من الوسطاء، انتهوا إما إلى الإفلاس أو إلى السجن، وبعضهم ما زال يرتاد ردهات المحاكم بسبب الدعاوى القضائية التي رفعتها ضدهم الشركة الملكية المغربية للتأمين (RMA سابقا).

احتيال وتزوير

يؤكد واحد من وسطاء التأمين، أن أشخاصا ينتحلون صفة الشركة ويقومون بدور السمسرة قصد إرغام الوكلاء المتابعين على الاستلام والقبول بالشروط المجحفة للشركة، في حال رغب وكيل التأمين في الاستمرار في العمل تحت يافطة العلامة التجارية للشركة الملكية المغربية للتأمين.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها “العمق” فإن أحد الأشخاص يقدم نفسه ممثلا قانونيا لشركة الملكية المغربية للتأمين، ويتقدم بشكايات تفتقد إلى أي أساس قانوني، ودون أن تكون له لا المصلحة ولا الصفة ولا الأهلية للقيام بذلك.

واستنادا إلى مذكرة معلومات وجهتها جمعية وسطاء ومستثمري التأمين، إلى رئاسة النيابة العامة، فإن الشركة الملكية المغربية للتأمين بتمثيل من أشخاص لا تتوفر فيهم الصفة القانونية، قاموا برفع العديد من الدعاوى الموحدة بنفس الأطراف ونفس الأسباب ونفس الموضوع ونفس الوثائق، أمام محاكم عدة، منها المحاكم التجارية ومنها المحاكم الابتدائية، وبعضها لا زال جاريا.

اعتقالات تعسفية

من ضمن الخروقات المسجلة، وفق المذكرة ذاتها، تزوير المعطيات المتعلقة بالوكلاء من أجل الزج بهم في قضايا جنحية، حيث سبق، استنادا إلى المذكرة ذاتها، أن تم تزوير هوية “م. ف” وهو وسيط تأمين، من خلال تغيير صفته وعمله من صاحب شركة ومستثمر إلى مستخدم سابق وعاطل عن العمل مثلما هو مضمن في محاضر الشرطة المتعلقة بملف القضية.

وتبين معطيات ملفات جنحية ومنها الملف رقم 52586/3202/2018 بتاريخ 18/11/2018، أنه تم تزوير المقر الاجتماعي لشركة تافيلالت للتأمين، والصفة المهنية لمديرها، الذي تم اعتباره مستخدما، ما نتج عنه اعتقال  صاحبها “ي.ب” بشكل تعسفي يوم 16/11/2018 وتم تنقيله من مدينة أكادير إلى مدينة الدار البيضاء وتقديمه في حالة اعتقال إلى النيابة العامة لدى المحكمة الزجرية عين السبع بالدار البيضاء بتاريخ 18/11/2018، علما أن نشاطه التجاري ومكان سكناه ومكان اعتقاله، كلها بمدينة أكادير وفق معطيات مذكرة المعلومات التي تتوفر “العمق” على نسخة منها.

واعتبرت الجمعية، أن هذا الأمر مخالف من حيث الشكل للاختصاص المحلي المنصوص عليه في الفصل 44 من قانون المسطرة الجنائية. زيادة على ذلك، تقدم المستخدم المحسوب على الشركة الملكية المغربية للتأمين بشكاية عادية سابقة بخيانة الأمانة بالمحكمة الابتدائية بأكادير.

وأمام تعدد مثل هذه القضايا التي مست شركات وساطة أخرى في التأمين، خلصت الجمعية في مذكرتها إلى أن القضايا المرفوعة ضد وسطاء التأمين تُرفع بمعطيات مزورة، الشيء الذي يجعلها قضايا تروج أمام محكمتين مختلفتي الاختصاص. واعتبرت الجمعية أن القضايا المرفوعة ضد هؤلاء الوسطاء تبنى على معطيات مغلوطة.

وعلى صعيد آخر، أوضحت الجمعية في مذكرتها المرفوعة إلى رئاسة النيابة العامة أن العلاقة التي تربط بين وسطاء التأمين وشركات التأمين، علاقة تجارية محضة حسب العقد الرابط بين الطرفين والقانون 53 .95 القاضي بإحداث المحاكم التجارية في فصله الخامس والاجتهادات القضائية في الموضوع في المحاكم الاستئناف العادية. وأكدت على أن حساسية الملف تتمثل في متابعة المستثمرين والتجار جنائيا في قضايا تجارية محضة بمعطيات مغلوطة، وهو الأمر الذي يؤثر على الاستثمار في القطاع.

دعاوى بالجملة

تكشف المعطيات التي حصلت عليها “العمق” عن وجود دعاوى قضائية بالجملة ضد وسطاء تأمين كثر، بل إن بعضهم يتابع في ملف قضية واحدة أكثر من مرة وعلى مدى مراحل متعددة، وبمساطر قضائية مختلفة ما بين الجنحية والتجارية، حيث يتم رفع دعوى قضائية في كل مرة بنفس المعطيات والاتهامات أمام محاكم متفرقة. ولعل أبرز مثال على ذلك، ما وقع لشركة تافيلالت للتأمين، حيث إنه بتاريخ 10 نونبر 2016 تقدمت الشركة الملكية المغربية للتأمين بشكاية جنحية عادية موضوعها خيانة الأمانة لمبلغ 1.019.990 درهم أمام المحكمة الابتدائية بأكادير.

وبتاريخ 11 نونبر 2016 صدر أمر قضائي عن المحكمة التجارية بأكادير يقضي برفض الطلب في الدعوى التي رفعتها الشركة الملكية المغربية للتأمين ضد شركة تافيلالت للتأمين، والرامية إلى إجراء حجز تحفظي على الأصل التجاري لهذه الأخيرة بجميع عناصره المادية والمعنوية، ضمانا لأداء دين حدد في مبلغ 1.200.000.00 درهم، وعللت المحكمة رفض طلب إقامة الدعوى بالنظر إلى كون الوثائق المدلى بها غير كافية للاستجابة للطلب.

وفي 22 مارس 2017 صدر إذن من المحكمة الابتدائية بأكادير بإجراء حجز تحفظي على الأصل التجاري ضمانا لمبلغ الدين 1.019.990 ضد شركة تافيلالت للتأمين ولفائدة الشركة الملكية المغربية للتأمين.

وبتاريخ 31 مارس 2017 رفعت الشركة الملكية المغربية للتأمين دعوى ثانية ضد شركة تافيلالت للتأمين، أمام المحكمة التجارية بأكادير ترمي فيها إلى نفس الطلب الذي أقامت من أجله الدعوى السابقة قبل نحو 5 أشهر، غير أن المحكمة صرحت بعدم الاختصاص بالنظر إلى كون شركة الملكية المغربية للتأمين سلكت مساطر قضائية أمام المحكمة الابتدائية.

وفي 21 دجنبر 2017 أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قرارا نهائيا في الدعوى الاستئنافية المرفوعة أمامها بين الشركة المغربية للتأمين بوصفها مستأنفة ومستأنفا عليها في الاستئناف الثاني، وبين شركة التأمين تافيلالت بوصفها مستأنفا عليها ومستأنفة في الاستئناف الثاني. القرار قضى برد الاستئناف المقدم من طرف الشركة المغربية للتأمين مع إبقاء الصائر على رافعه.

وفي مرحلة الاستئناف المقدم من طرف شركة تافيلالت باعتباره جزئيا وإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من رفض تمكين المستأنفة من بوليصات التأمين والحكم من جديد بتمكينها من بوليصات التأمين على السيارات والتأييد في الباقي وجعل الصائر بالنسبة.

وبتاريخ 13 يونيو 2019 أصدرت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء قرارا تمهيديا بخصوص الدعوى الاستئنافية بين شركة تافيلالت للتأمينات باعتبارها مستأنفة والشركة الملكية المغربية للتأمين باعتبارها مستأنفا عليها، والذي يقضي بإجراء خبرة حسابية بين الطرفين والاطلاع على الدفاتر التجارية لكليهما وكل وثيقة لها علاقة بالملف وتحديد المبالغ المستخلصة من طرف شركة تافيلالت (الطاعنة/ المستأنفة) عن طريق استيفائها لأقساط التأمين من زبناء والشركة الملكية المغربية للتأمين المستأنف عليها، وإجراء المحاسبة بين الطرفين استنادا إلى الدفاتر التجارية لكل منهما وتحديد المبالغ المترتبة بذمة الطاعنة إن وجدت مع الأخذ بعين الاعتبار التحويلات الثابتة بموجب الإشهاد الصادر عن البنك المغربي للتجارة والصناعة المؤرخ في 25 أكتوبر 2017 وتحديد المديونية على ذلك.

واستنادا إلى كل هذه المعطيات، يتبين أن الشركة الملكية المغربية للتأمين تقف وراء دعاوى قضائية مختلفة في محاكم مختلفة في قضية وملف واحد وبنفس الوثائق. وعلى هذا الأساس اعتبرت جمعية وسطاء ومستثمري التأمين أن هذا التلاعب بالقضاء يخفي وراءه تزوير المعطيات المتعلقة بالوكلاء من أجل الزج بهم في قضايا جنحية، كما هو الشأن بالنسبة لـ “م.ف” الذي تم تزوير هويته من خلال تغيير صفته وعمله من صاحب شركة ومستثمر إلى مستخدم سابق وعاطل عن العمل مثلما هو مضمن في محاضر الشرطة لملف القضية.

وهو الأمر نفسه الذي يرد في الملف رقم 52586/3202/2018 بتاريخ 18/11/2018، حيث تم تزوير المقر الاجتماعي لشركة تافيلالت للتأمين، والصفة المهنية لمديرها، التي تم تحويلها إلى مستخدم، الشيء الذي نتج عنه اعتقال صاحبها ” ي.ب” بتاريخ 16/11/2018 وتنقيله من مدينة أكادير إلى مدينة الدار البيضاء وتقديمه في حالة اعتقال إلى النيابة العامة بتاريخ 18/11/2018، علما أن نشاطه التجاري ومكان سكناه ومكان اعتقاله كلها تمت بمدينة أكادير.

وكلاء أخرون تحت المقصلة

تكشف المعطيات التي حصلت عليها ” العمق” أن خيوط هذه القضية لا تتعلق بشركة وساطة تأمين واحدة بل يعني الأمر أكثر من شركة حيث إن شركة الوساطة “الألفية الثالثة” هي الأخرى تعرضت إلى مثل هذه التلاعبات ودخلت في نزاع مع الشركة الملكية المغربية للتأمين، حيث تطالب شركة الألفية الثالثة تعويضا عن الخسائر والأضرار الناتجة عن توقيف النظام المعلوماتي عنها والإنتاج وكذلك المديونية.

ورافقت مرحلة التحقيق والحكم التمهيدي عدد 581 بتاريخ 01/04/2019 بواسطة خبرة محاسباتية للملف عدد 2787/8202/2019، خروقات، وفق ورقة المعلومات الخاصة بجمعية وسطاء التأمين، حيث سيتقدم المسمى “م . ب”  بتاريخ 13/05/2019  إلى جلسة الخبرة، على أنه مفوض من الممثل القانوني للمسماة “هـ. ع”، حاملا معه ورقة تفويض من هذه الأخيرة موقعة بتاريخ 10/05/2019، حيث احتج ممثل شركة الألفية الثالثة على حضور المسمى “م. ب” الذي لا يحمل أية صفة لتمثيل الشركة إثر الإطلاع على السجل التجاري لشركة الملكية المغربية للتأمين عدد 15207، وبعد إنجاز تقرير الخبرة، وجدت بالتقرير وثيقة أخرى بموضوع تفويض خاص، بدون تاريخ، موقعة من المدعو “ز. ب. س”، الذي يعتبر نفسه ممثلا قانونيا لشركة الملكية المغربية للتأمين بصفته إداري مدير عام تنفيذي، والذي يفوض هو الأخر للمسماة “ه. ع” بتفويض من تشاء من المستخدمين لتمثيل الشركة أمام محاكم المملكة أمام كممثلين قانونيين عن الشركة.

الأمر نفسه بالنسبة لشركة تأمينات الزهراء (وسيط تأمين) وممثلها القانوني، حيث قامت شركة الملكية المغربية للتأمين برفع دعوى لخيانة الأمانة ضد “ح.ا. ع” المالكة لشركة تأمينات الزهراء، تحت عدد 517/2101/2017 بتاريخ 05/04/2017 بالمحكمة الابتدائية بمراكش، حيث قضت المحكمة ابتدائيا وحضوريا في حق مديرة الشركة بسنتين حبسا موقوفة التنفيذ مع غرامة نافدة قدرها 1000 درهم مع الصائر والإجبار في الأدنى وأداء مبلغ 3.965.177 درهم وتعويض مدني قدره 50.000 درهم مع الصائر والإجبار في الأدنى، ورفض باقي الطلبات.

وبعد استئناف الحكم الابتدائي بتاريخ 12/12/2017، سيتبين أن المتهمة أدت ما بذمتها للشركة الملكية المغربية للتأمين وخلص إلى أن المتهمة مديرة شركة الزهراء هي الدائنة لشركة الملكية للتأمين بمبلغ 920.814 درهم، واعتبرت أن المعاملات بين الطرفين معاملات تجارية محضة، حيث قضت المحكمة استئنافيا علنيا وحضوريا بإلغاء الحكم الابتدائي في كل ما قضى به، والحكم من جديد ببراءة المتهمة مما نسب إليها، والحكم ببراءتها مع عدم الاختصاص في المطالب المدنية.

يتبع …

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مصفاة “سامير” .. القصة الكاملة لإعدام الشركة بتواطئ من الجميع (الجزء 1)

“مملكة التناقضات”: لماذا يترأس الإسلاميون الحكومة في المغرب؟ (ح 48)

“مملكة التناقضات.. المغرب في مئة سؤال”: ما هو المخزن؟ (ح 47)

تابعنا على