اقتصاد

مصفاة “سامير” .. القصة الكاملة لإعدام الشركة بتواطئ من الجميع (الجزء 1)

29 نوفمبر 2020 - 13:40

المراحل التي مرت منها مصفاة “سامير”، مسارها وحيوتها ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، قيمتها وأهميتها في ضمان الأمن الطاقي المغربي وكيف توقفت؟ ما هي خبايا الخروقات والتجاوزات التي ارتكبت في حق “لاسامير” وتسبب في إعدامها؟ وكيف يتم تسييرها اليوم؟ تحملاتها وكلفة اشتغالها وكلفة توقفها؟

جملة من الأسئلة تطرحها “العمق” في ملف “القصة الكاملة لإعدام مصفاة “سامير”، في محاولة للإجابة عنها عبر أجزاء تكشف خلالها خبايا معلمة اقتصادية مغربية أريد لها أن تموت قبل الموعد، وتأتي بعد ذلك محاولات للإنقاذ قبل أن تنتهي مؤخرا بقرار الحكومة القاضي بكراء خزانات شركة لاسامير.

تأسيس المصفاة

تأسست سامير “الشركة المجهولة الاسم المغربية الإيطالية للتكرير”، بعد استقلال المغرب لضمان التحكم في احتياجات البلد من المنتجات الطاقية. وكبلد غير منتج للنفط، قررت المملكة استيراد النفط الخام وإنشاء صناعة وطنية للتكرير تابعة لقطاع العام.

استنادا إلى تقارير منجزة، في الموضوع، وفي سنة 1958 قاد عبد الرحيم بوعبيد وزير الاقتصاد والزراعة في حكومة أحمد بلا فريج، مشروع إنشاء مصفاة مغربية تساهم في الاستقلال الاقتصادي والصناعي للمملكة. وهكذا تأسست سامير بعد توقيع اتفاق بين الدولية المغربية وشركة إيطالية متخصصة في البتروكيماويات وهدرجة الوقود. فتم خلق أول وحدة لتقطير النفط الخام، بطاقة سنوية تناهز 1.25 مليون طن، وانطلق الإنتاج في سنة 1961 وفي سنة 1972، تطورت الطاقة الإنتاجية للمصفاة بمليون طن سنويا. وبعد أكثر من عشر سنوات من نشاطها تمكنت الأطر المغاربة من الاستفادة من نقل التكنولوجيا والخبرة الفنية من الشركة الإيطالية الأم.

وفي سياق الصدمة النفطية الأولى، قررت الدولة المغربية سنة 1973 تأميم رأس مال سامير، في إطار سياسة المغربة، بهدف تحكم أفضل في تقلبات الأسعار في السوق الدولية، ليصبح الشركة “الشركة المجهولة الاسم المغربية لصناعة التكرير”.

التوسع والتطور

عرفت الشركة أيام مجدها طيلة أربعة عقود، كانت خلالها تحت مراقبة الدولة، بقيادة أطر مغربية، وكان يتولى إدارتها عبد الرفيع منجور، الذي عينه الملك الراحل الحسن الثاني مديرا عاما سنة 1974، بعدما كان قد تدرج في مناصب عدة منها نائب المدير التقني ومدير المصفاة.

وفي سنة 1978، أنجز المشروع الثاني لتوسيع المصفاة، حيث مكن من توفير 4 ملايين طن كطاقة تكريرية إضافية سنويا. كما تم بناء وحدة لتكرير الزيوت الأساسية في سنة 1984 بقدرة إنتاجية سنوية تناهز 125 ألف طن، وهي عبارة عن مجمع لتشحيم الزيوت، وبفضله وسعت الشركة أنشطتها في مجال التكرير بتنويع تشكيلة منتجاتها التي تشمل البروبان والبوتان والبنزين بنوعيه، والكيروزين ووقود الديزل زيت الوقود والزيوت الأساسية، والزفت والشمع والمنتجات الصناعية الأخرى.

وبالإضافة إلى نشاطها الرئيسي، ساهمت “سامير” منذ سنة 1968 في رأسمال عدة فروع معظمها يرتبط بنشاط التكرير، ومن أجل تفعيل استراتيجيتها التنموية، نهجت إدارة سامير سياسة تقوم على محاور أربعة وهي تحسين الأداء التقني والاقتصادي لوحدات الإنتاج، بما في ذلك إعادة تطويرها وفتح نقط الانحباس، وتحويل المنتجات الثقيلة إلى المشتقات الخفيفة بغية الاستجابة لتطور متطلبات السوق، ثم تحسين نوعية المنتجات الموجهة للسوق المغربي وللتصدير، وتعزيز البنية التحتية للمصفاة لضمان أمن المرافق وحماية البيئة.

وهكذا تم تطوير الشركة بوتيرة جيدة، حتى اعتبرت من بين المؤسسات العامة الناجحة، حيث كان ناتج استغلال الشركة في مطلع التسعينات يتراوح ما بين 7 و7.5 ملايير درهم، في حين كان الدخل السنوي الصافي نحو 600 مليون درهم.

الخوصصة

في سنة 1996، تمت خوصصة شركة “سامير” وكان الهدف من الخوصصة تطوير الشركة وتنمية النشاط الصناعي، غير أن العكس هو ما حصل بعد سنوات من الخوصصة. وهكذا فتحت الدولة رأسمال الشركة وشرعت في أضخم عملية لطرح الأسهم في تاريخ بورصة الدار البيضاء، بالإضافة إلى إدراج الشركة وفتح رأسمالها للعموم والمستثمرين المؤسساتيين عن طريق اكتتاب في مارس 1996، والذي كان يرمي إلى توسيع ملكية أسهم الشركة ودخول مجموعة من حملة الأسهم.

وفي سنة 1997 ستدخل مجموعة كورال المملوكة للملياردير محمد حسين العمودي، حيث ستقتني أغلب أسهم الشركة، غير أنه بعد سنوات ظهر أن مجموعة العمودي لم تحترم أيا من التزاماتها التعاقدية وأدخلت المصفاة في دوامات من الأزمات المالية والأخطاء التدبيرية انتهت بسقوطها وتوقيف الإنتاج في غشت 2015، وفق تقرير صدر عن الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول.

وإلى جانب ذلك، أدى ضعف الرقابة وغيابها أحيانا، على مستوى التدبير المالي الذي يرتبط بإجراءات دقيقة، خاصة أن الشركة مدرجة بالبورصة، وهو ما يقتضي الشفافية في حصر الحسابات المالية والتصريح بها، (أدى) إلى تأزيم وضع الشركة، تسبب في مرحلة من المراحل إلى توقف الإنتاج.

توقف الإنتاج

توقف الإنتاج بالمصفاة المغربية للبترول في غشت 2015، نتيجة إعلان إدارة شركة سامير تعليق الإنتاج ولجوء إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة بتبليغ كل الأبناك والشركات بإشعار غير الحائز، وولوج الملف بعد ذلك لردهات المحكمة التجارية التي قضت ابتدائيا في 21 مارس 2016 واستئنافيا في 1 يونيو 2016 بالتصفية القضائية مع الإذن باستمرار النشاط، بمبرر الاختلالات المالية بشكل لا رجعة فيه وتجاوز الخصوم بكثير لأصول الشركة وتوقفها عن الدفع. ودخول الملف متاهات المحاكم وطنيا ودوليا، وبالتالي تعقيد مسار الملف برمته.

وإذا كان توقيف تكرير البترول في سيدي قاسم سنة 2008، وفي المحمدية في سنة 2015، يعود بالأساس إلى المسؤولية المشتركة بين مؤسسات الدولة في شروط الخوصصة والتقصير في المراقبة وعدم التدخل في الوقت المناسب، و”المستثمر” الذي “تنكر” لالتزاماته وبفعل سوء التدبير والتسيير، الذي ساهم في تفقير أصول الشركة وتحويل أرباحها قبل تحقيقها، فإن رفع الدعم عن المواد البترولية وتحرير الأسعار في نهاية 2015 واستغلال الموزعين للفرصة، عمق من شروط الاختلال غير المعلن لتزويد السوق الوطنية وفتح المجال أمام المتحكمين في السوق لتطبيق الأسعار التي لا علاقة لها بالسوق الدولية.

بحسب التقرير الذي أعدته الجبهة الوطنية لإنقاذ “سامير”، والتي تضم فعاليات مدنية واقتصادية وممثلين عن عمال الشركة، فإن توقف الإنتاج بالمصفاة، كان نتيجة تواطئ بين عدة أطراف، منهم أطراف داخل الشركة، وأطراف خارج الشركة ترتبط بوزارة الاقتصاد والمالية وإدارة الجمارك ووزارة الطاقة والمعادن وبعض الأبناك فضلا عن الهيئة المغربية لسوق الرساميل (مجلس القيم المنقولة سابقا) وبورصة الدار البيضاء ومدققي الحسابات.

يتبع…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الأداء الاكتروني اقتصاد

بقيمة 322 مليار درهم.. تسجيل 375 مليون عملية أداء إلكتروني بالمغرب خلال 2020

اقتصاد

“أكسا التأمين” تتراجع عن تعليق الاكتتاب في تأمين الفيضانات (وثيقة)

اقتصاد

بعد توقفها لأزيد من شهر.. هذا موعد استئناف حركة الطرامواي بوسط الدار البيضاء

تابعنا على