وجهة نظر

القضية الفلسطينية ومنطق من لا منطق لهم ‎

17 ديسمبر 2020 - 14:43

اِعلم أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، وإلا ما ثار حولها كل ما نراه من حروب، سواء باستعمال السلاح المادي أو المعنوي. وبهذا وجب التذكير، أن القضية الفلسطينية اجتمع فيها ما تفرق في غيرها، حيث أن كل المقاربات التي يمكن من خلالها معالجة القضية تُظهر عدالتها وتصب في صالح الفلسطينيين، مع معاكسة تيار الصهاينة وحلفائهم. لكن يبقى سبب اتجاه كل الأنظار إلى القضية الفلسطينية هو كونها قضية ذات بعد ديني بالدرجة الأولى؛ وهذا راجع بالأساس إلى كون فلسطين أرضا مقدسة باحتوائها القدس الشريف: وهي حسب اعتقاد المسلمين أرض الأنبياء ومسرى حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين وثالث الحرمين. وأما بالنسبة للكيان الصهيوني، فقد بنى أطروحته على أساطير وخرافات عقدية عنده أيضا، فضلا عن كونه شعب يُفضل نفسه على غيره ويدعي حق امتلاك الأراضي المقدسة دون غيره بدون وجه حق، وغيرها من الأمور الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها.

وعليه، فإن المقاربة الأصلح والتي ينبغي نهجها لمعالجة قضيتنا هذه، هي المقاربة الدينية، حتى نخلص إلى نتائج سليمة، لكن هناك من يعمل جاهدا صرف النظر عنها وجعلها قضية سياسية، ليسهل التلاعب بها، لأن مجال السياسية أصبح، بدعوى تبادل المصالح، فرصة للتلون بأكثر من لون دون حياء، وهذا كان سببا كافيا لظهور أناس في مجتمعنا لا يجدون حرجا في التنازل عن مواقف تبنوها يوما ما، ولعل الموقف من القضية الفلسطينية لم يسلم من ذلك، بل أصبح الأمر عندهم لا يقبل تمييزها بين القضايا، لكون الهدف الأسمى هو تحقيق المصالح الشخصية بالدرجة الأولى.

وبهذا أصبح لزاما، بعد اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء، النظر في موقف المساندين لقرار إعادة التطبيع مع الكيان الصهيوني، بدعوى خدمة السلم والسلام، وإيجاد الحل للدولتين (والمقصود بالدولتين هو فلسطين والكيان الصهيوني) وربط ذلك بقضيتنا الوطنية الأولى. لكن رغم كل المناورات السياسية، تبقى المواقف تجاه هذه القضية الفلسطينية يلفها الغموض، أو قل التناقض في غالب الأحيان، حتى إن تم ربطها بالقضية الوطنية، ومحاولة اللعب بالمصطلحات. فقد أفضى هذا الربط ومحاولة المقارنة إلى خلق كثير من الإشكاليات، حتى صارت المقاربة السياسية التي اعتمدوها تشكل خطرا على ملف الصحراء المغربية بدل ما يحلمون به، لغلبة المزاجية في إصدار المواقف السياسية إن سلَّمنا لهم بسلامة المقاربة المتعامل بها.

إن الحديث عن إيجاد حل للدولتين، ينطوي على اعتراف في غاية الخطورة، ذلك أن الكيان الصهيوني يُعتبر غاصبا للأرض الفلسطينية احتكاما إلى المقاربة السياسية المتعامل بها، بل حتى بجميع المقاربات الأخرى بما فيها المقاربة القانونية المعتمدة على المستوى الدولي. لكن المصلحة الضيقة لكثير من مؤيدي التطبيع، تسببت في تحويل النقاش وتأويل المفاهيم بغية جبر الخواطر، والتركيز على مكاسب المملكة المغربية إثر إعلان ترامب مغربية الصحراء، مقابل تجاهل ما يمكن إفساد هذه المكاسب الواهية في بضع دقائق، لأن الاعتراف بالكيان الصهيوني سيسبب في تأزيم وضعيتنا أكثر، ولا يُستبعد ظهور دول تسحب اعترافها بمغربية الصحراء كلما أتيحت الفرصة لهم، لاسيما أن أقرب الدول إلينا تتخذ موقفا سلبيا من ملف الصحراء المغربية. وأما الأمر الأكثر خطرا لهذا الاعتراف بالكيان الصهيوني هو أنه لن يقدم لنا إلا مزيدا من التجذر في الموقف السلبي من أراضينا الصحراوية، وسيكون مبررا لظهور أصوات من داخل المملكة تنادي بحق زعماء الكيان الانفصالي في أطروحتهم. وعليه، فمهما تضاعف عدد المعترفين بمغربية الصحراء من الأجانب، لن يكون في خدمة القضية الوطنية إن فقدنا فردا من بلادنا وصار يردد أطروحة الانفصال، بل لن ننعم بالاستقرار وأهل الدار في خصام وتناحر حول وحدة البلاد، بعدما سيتم تبادل تهم التخوين والتشكيك.

وأما من غرائب من أشرنا إليهم هو الكيل بمكيالين تنفيذا لما يقتضيه النفاق السياسي، حيث أن مقولة “تازة قبل غزة” فعلت فعلها، حتى ظننا أن فلسطين والقدس الشريف من كوكب زحل، لكن إعطاء الحق للكيان الصهيوني في تأسيس الدولة والاعتراف بها سرعان ما فند منطقهم، بل لم يكتفوا بذلك، وإنما منعوا عنا الحديث عن ظلم الصهاينة لأنه لا يخدم السلام العالمي وفق زعمهم، وجعلوا من أنفسهم محامين، ولم ينتبهوا إلى حجم التناقض الحاصل لهم، حتى وصل بهم الأمر إلى التدخل في الشأن الداخلي للفلسطينيين ونزع صفة القداسة على أرضهم، لكي لا يتحدث عنها المسلم غير القاطن في فلسطين المحتلة ويعمل على الدفاع عنها، ليكونوا أول من نقض حكمتهم التاريخية “تازة قبل غزة”.

ولعل مسلس الغرائب لم يتوقف منذ ظهور فكرة التطبيع، حتى صار مفهوم الصهيونية يعني شيئا آخر غير ما نراه في الواقع، وجعلوا اعتناق فكرة “الدولة الإسرائيلية” من طرف اليهود المغاربة ليس عيبا، ولا يُعتبرون معتدين على الأراضي الفلسطينية و مشرِدين للفلسطينيين. بل لم يكتفوا بذلك، وإنما انتصروا لأفكارهم هذه بدعوى وجود أكثر من دولة تقر بالكيان الصهيوني ودولتهم المزعومة، جاعلين من تركيا وأردوغان خير مثال، بل بدؤوا في إبراز أسماء شخصيات إسلامية سبق أن تعاملت مع الكيان الصهيوني بشكل أو بآخر، حتى يثبتوا أن التطبيع صار أمرا واقعيا شئنا أو أبينا، بيد أنهم لم يكلفوا أنفسهم بناء المواقف على الحجج المنطقية والقوية، تنفيذا لمنهجهم القائل بعدم اتباع الآخرين دون اقتناع. وبهذا، لم يسلموا من الامتثال للمثل الشعبي القائل ” الموت في جماعة نزاهة” لخلل أصاب عقلهم، مع الاعتراف بشكل ضمني أن موقفهم من التطبيع ظالم وجائر، لكن سوء التقدير وحب المناصب وضعف الهمم حال دون التعبير عن الحق كيفما كان تكلفة تبنيه، حتى أمسى الفرح يكسو وجوههم لمجرد رؤية فرد أو منظمة آخذ بالتطبيع واتخاذها فرصة لتبرير موقفهم وعدم الإحساس بالذنب.

وعليه، فإن القضية الفلسطينية سيكون من نصيبها النصر، وهذا مما لا شك فيه، لكن يبقى شرف المشاركة في تحقيق ذلك مبتغى كل غيور على دينه وأرضه، وأما الدفاع على الوحدة الوطنية لبلادنا لا يحتاج إلى وضعها جنبا إلى جنب مع القضية الفلسطينية، حيث لكل قضية خصوصياتها. وبالتالي، فإن منهج المقارنة بينهما منهج خاطئ، وينم على نقص حاصل في البنية الفكرية لكل مؤمن بذلك، لأن أهم ما يساعد على بناء الدول وتقويتها هو وضوح الرؤية، والتي تقتضي الدفاع عنها بكل غال ونفيس. ولعل ما ساعد الكيان الصهيوني الغاصب لأرضنا المقدسة في قدرته التأثير على الرأي العالمي هو وضوح الرؤية عندهم، عكس الغموض الذي سيطر على قلوب كثير ممن يدعي الوطنية والثقافة، حتى صرنا لا نفهم مرادهم بعدما أمسى التيه سمتهم الأصلية، فلا هم تبنوا معتقداتهم الدينية ولا معتقدات غيرهم.

ولهذا، صاروا بمنطقهم هذا، لا يملكون من الأمر إلا السير مع التيار دون وعي، والدفاع عن التيه الذي أصابهم، مع المطالبة بتوقيف النقاش والتفكير من خلال استعمال جميع الوسائل، لعدم قدرتهم الصمود في وجه تساؤلات أبسط فرد على وجه الأرض، وهم من كانوا بالأمس القريب لا يجدون حرجا في مناقشة المعلوم من الدين بالضرورة بدعوى حرية الفكر وإشاعة ثقافة الحوار. وبالتالي، لا نجد من القول إلا رفع الأيدي إلى الحق سبحانه وتعالى والدعاء لهم بالهداية والمنطق، لأنهم أثبتوا بما لا يدعو للشك عدم امتلاكهم لأي رؤية أو منطق.

اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

المشاركة السياسية وسؤال الشرعية

وجهة نظر

ألم يعد PAM خطا أحمرا لـPJD

وجهة نظر

السيستيم في الجزائر اختار المغامرة والتصعيد والتعنت ولي دراع المغرب

تابعنا على