وجهة نظر

الإفتاء بين مكاسب الإصلاح والتحديات المتجددة

04 يناير 2021 - 15:53

إصلاح الحقل الديني المغربي: مكاسب لا تُقدر بثمن

تميزت إعادة هيكلة الشأن الديني في عهد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس بالعمل الحثيث على تحصين الثوابت الدينية الوطنية، والحرص الذكي على تحيين البِناء المؤسساتي، والاشتغال الجاد على إعادة إنتاج الخطاب الديني. وهو المجهود الذي أسفر اليوم عن تناغمٍ وتوفيقٍ غير مسبوق بين متطلبات انخراط بلادنا في العصر ومستلزماته، من جهة، وبين العض بالنواجد على الثوابت المغربية الدينية.

وقد أعطت الجهود المتواصلة في عهد جلالة الملك محمد السادس بُعدا عمليا وعالميا لإعادة هيكلة الشأن الديني بالمغرب، تأسيساً على مبادئ وخصوصيات الإسلام الوسطي المعتدل الذي أصبح نموذجا يُحتذى به. حيث بات من الواضح أن التعاطي المغربي مع الدين الإسلامي الحنيف يُــشكل مدرسة للاعتدال والانفتاح ونموذجاً للاستيعاب الهادئ والإيجابي لمختلف التعبيرات، مما جعل المغرب ينجح في إبراز الإسلام كمكسب حضاري بامتدادٍ وإشعاعٍ روحي، في محيطٍ إقليمي ودولي مضطرب تمزقه الصراعات السياسية والدينية والتجاذبات الاقتصادية والحروب الثقافية والحضارية والقيمية.

شوائب معزولة تخدش الصورة العامة

إلا أن الصورة لا تزال غير مكتملة، ولا تزال بعض الوقائع والأحداث النشاز تعكر صفو هذه الأجواء، من قبيل الأحداث الإرهابية ليوم 16 ماي 2003، ومحاولات إرهابية متفرقة على امتداد كل السنوات الأخيرة، إضافة إلى أحداث إرهابية دولية ثبت تورط مغاربة في تنفيذها. وذلك مما يهدد مقولة النموذج المغربي الاستثنائي الإيجابي. لذلك، فإصلاح الحقل الديني، من طرف جلالة الملك، باعتباره أميرا للمؤمنين، هو أمر حيوي للغاية، يتعامل معه الملك بكثير من الهدوء والذكاء والنجاعة والحكمة والاستباقية.

تدابير ملكية جريئة وتنامي دور العلماء

ومن القرارات ذات الصلة: إعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى؛ إحداث الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء منذ سنة 2004؛ إحداث الرابطة المحمدية لعلماء المغرب؛ إطلاق إذاعة وقناة محمد السادس للقرآن الكريم؛ إحداث وتنظيم مؤسسة دار الحديث الحسنية؛ إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات؛ العمل على إحياء المذهبية الصوفية للمغاربة؛ إحداث المجلس العلمي المغربي بأوروبا منذ عام 2008؛ إطلاق خطة ميثاق العلماء في سنة 2009؛ إحداث معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية؛ إلحاق جامعة القرويين بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارق…إلخ .

وقد استهدفت كل هذه القرارات، وغيرها، الحفاظ على الثقافة الوطنية الإسلامية، وإبراز الجسور الموضوعية والطبيعية والكثيرة بينها وبين الفكر الإنساني والثقافات الإنسانية والقيم الكونية عموما. كما توخت ذاتُ القرارات مواجهة التيارات الهدامة والمنحرفة، وصون صفاء المذهب المالكي، وتحصين المغرب من نوازع التطرف والإرهاب، والحفاظ على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح، وكذا تمنيع الاستقرار والتماسك المجتمعي والتوازن الاجتماعي والأمن الروحي للمغاربة… باعتبار كل ذلك مقدمات ضرورية لكل أوراش التنمية والإصلاح.

ولأن المغرب، على امتداد أربعة عشر قرنا، جَــسَّــدَ فضاءً لتلاقح الحضارات والتقاء الثقافات وتسامح الأديان. فإنه منذ أحداث الدار البيضاء الإرهابية في سنة 2003، على وجه التحديد، عرف دور علماء الإسلام المغاربة تطوراً مُلفتاً بالنظر إلى الحاجة إليه وإلى تجديده، وذلك وفق خطاب ديني متأقلم، عصري، متناغم، أصيل، منطقي، عقلاني، ومتجدد، في كنف الثوابت الأربعة: العقيدة الأشعرية، الفقه المالكي، التصوف السني، وإمارة المؤمنين.

الإفتاء: تلك المهمة الصعبة… في قلب الإصلاح

في هذا السياق، ومن بين الأمور التي ظلت، على مر التاريخ الإسلامي، مثار جدل مسألة الفتوى. فقد جعلتها وسائل الاتصال الحديثة والقنوات الفضائية موضوعاً في متناول الجميع، وساعد في ذلك خفوت مفهوم الحدود القيمية والجغرافية وسهولة التواصل بين البشر أينما كان، حتى صارت الفتوى ممكنة ومُتاحة لكل من هب ودب ممن ينصبون أنفسهم مُفتين في قضايا الناس الدينية والعملية، كما تطاول بعض العلماء على الإفتاء دون احترام شروطه. ويعج الواقع بالأمثلة على ذلك، صغيرها وكبيرها، المخفي منها والعلني.

ولذلك فإن انكباب المغرب، بقيادة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، على إصلاح مجال الفتوى، لَــيُعد بحق القلب النابض لإصلاح فحوى الحقل الديني.

والحقيقة أن الدولة المغربية انتبهت منذ وقت مبكر إلى أهمية الفتوى، باعتبارها حاجة أساسية من حاجات المواطن، فكانت الفتوى في بدايات مغرب الاستقلال من اختصاصات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عند تأسيسها سنة 1961، إلا أن وظيفة الفتوى ظلت باهتة في الحياة الدينية للمواطنين المغاربة. وسيعكس بجلاءٍ ظهيرُ سنة 1993 الذي تم بموجبه تحديث وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، استمرار الوضع على ما كان عليه، إذ ظلت الفتوى من اختصاصات مصلحة تابعة لقسم التوجيه الديني التابع بدوره إلى مديرية الشؤون الإسلامية.

وظل الأمر كذلك، حتى جاء ظهير سنة 2004 المنظم والمهيكل للمؤسسة العلمية، والذي نص على إحداث هيئة علمية مكلفة بالإفتاء، تابعة للمجلس العلمي الأعلى، عوض وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء: الإحداث، المنهجية، التموقع، و… الطموح

الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء هي مؤسسة تابعة للمجلس العلمي الأعلى، تتكون أساسا من أعضائه، وتصدر فتاواها بطلب من رئيس المجلس العلمي الأعلى وهو أمير المؤمنين، أو الكاتب العام للمجلس، أو بناء على طلبٍ، بعد موافقة المجلس العلمي عليه.

ويُشترط في القضايا التي يجب أن تُعرض على هيئة الإفتاء أن تكون ذات صبغة عامة، تتناول قضايا الشأن العام، ولا تختص بالنظر في القضايا الخاصة إلا ما أصبح منها في حكم العام.

ومن أبرز الأسئلة التي عرضت على هذه الهيئة منذ تأسيسها سنة 2004: سؤال المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام، الذي طرحه العاهل المغربي محمد السادس على أنظار الهيئة سنة 2005، وأجابت عنه في أكتوبر من نفس السنة بعد شهرين تقريبا من عرضه، وسؤال جواز استعمال جهاز قياس نسبة الكحول لدى السائقين الذي بعثت به وزارة النقل والتجهيز إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

إن هيئة الإفتاء المغربية، من خلال تجربتها أثارت عدة إشكالات، تدور في معظمها حول الآثار القانونية للفتاوى. فعلى سبيل المثال الحكم المتعلق بجواز استعمال جهاز قياس درجة الكحول، هل يقوم مقام السلطة التشريعية في هذا المجال؟ أم يفوقها؟ أو بعبارة أكثر دلالة ما هي القوة القانونية للفتوى بعد إحداث هيئة رسمية خاصة بها؟

ويبدو من خلال نصوص الفتاوى أن مهندسي الحقل الديني يدركون جيدا هذا التداخل، ولهذا نجد معظم الفتاوى تعنون “بالرأي الفقهي”، الذي يُستأنس به، ولا يُــبنى عليه لتجاوز القانون أو تعطيل مفعوله، أو اعتباره تشريعا له حكم القانون.

لكن في مقابل هذه الإشكالات استطاعت مأسسة الفتوى تأطير وتقنين الاجتهاد الفقهي، وسحب البساط، ولو نسبيا، من تحت أقدام عدد من الحركات السياسية والإيديولوجية “الإسلامية”. كما ساعد تقنين الفتوى أيضا في تلبية حاجات الناس إليها، والنأي بهم عن الانشداد نحو الشرق بفضائياته ووسائل إعلامه جيدة التمويل، وذلك بتمكين الجمهور من مصدر مغربي في الفتوى، يدرك جيدا الخصوصية المغربية شكلا ومضمونا.

وجدير بالذكر أن الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء تتكون من خيرة فقهاء الشريعة، ويشكلها المجلس العلمي الأعلى من بين أعضائه، وتتألف من خمسة عشر عالما:

عشرة أعضاء منهم يُــختارون من بين رؤساء المجالس العلمية المحلية، وخمسة يختارون من بين خمسة عشرة عالما المعينين بصفة شخصية من طرف أمير المؤمنين أعضاء في المجلس العلمي الأعلى، ويعين أعضاء الهيئة من قبل المجلس العلمي الأعلى .

وتتشكل الأجهزة المكونة للهيئة العلمية للإفتاء من مجلس الهيئة الذي يضم جميع أعضاء الهيئة الخمسة عشر، ويمكن أن تنضم إليه، على سبيل الاستشارة، شخصيات من خارج المجلس العلمي الأعلى من ذوي الخبرة والاختصاص، في القضايا المعروضة على نظر الهيئة.

كما تضم الهيئة العلمية للإفتاء ثلاث شُعَبٍ للبحث والدراسة، هي: شعبة البحث في الفقه المالكي وأصوله؛ شعبة البحث في الفقه المقارن؛ وشعبة الاجتهاد الفقهي المعاصر، كما يمكن للهيئة العلمية أن تحدث شعبا أخرى عند الضرورة، أو إنشاء لجان علمية متخصصة، تتشكل حسب نوعية النوازل الفقهية وطبيعة القضايا المستفتى فيها.

وتوجد طريقتان لطلب الإفتاء من الهيئة: إما طلب مباشر يحال على الهيأة العلمية للإفتاء من طرف أمير المؤمنين ويحظى بالأولوية، وإما طلب يحال على الهيئة من طرف الغير، سواء كان شخصا معنويا أو ذاتيا، ويستلزم موافقة المجلس العلمي الأعلى الذي يحيله عبر الكاتب العام إلى الهيئة العلمية للإفتاء.

وتصدر الفتاوى في صيغة قرارات مرقمة ومؤرخة عن مجلس الهيئة العلمية، بالاستناد على تقارير اللجن العلمية المتخصصة المصادق عليه افي شكل قرارات منفصلة، تصاغ بعبارات واضحة وميسرة ومختصرة وتتضمن، بصفة خاصة، الإشارة إلى موضوع الفتوى، وحيثياتها، وسندها الشرعي ومنطوقها، ويوقعها أعضاء الهيئة العلمية.

وتبلغ القرارات المتضمنة للفتاوى الصادرة عن الهيئة العلمية، لزوما، إلى علم باقي أعضاء المجلس العلمي الأعلى قبل إذاعتها على العموم.

ويعمل المجلس العلمي الأعلى بكيفية دورية على نشر الفتاوى الصادرة عن الهيئة العلمية، ولهذه الغاية يصدر نشرة دورية تحت إشرافه تضم إلى جانب القرارات المتضمنة للفتاوى الصادرة، التقارير العلمية المتعلقة بها، وسائر الأعمال التحضيرية ذات الصلة.

وتجب الإشارة إلى أن الإفتاء في القضايا ذات الطبيعة الشخصية واليومية للمواطنين، تتولاه المجالس العلمية المحلية عبر خط أخضر، أو عن طريق الاتصال المباشر بخلية الإفتاء الموجودة بكل مجلس من المجالس العلمية المحلية، أو عبر دروس الوعظ والإرشاد أو الموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف.

ويظل الهدف من إنشاء الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، وتركيبها بهذه الصيغة المنفتحة، هو الارتقاء بمؤسسة الإفتاء ونقلها من بُــعدها الفردي غير المُهيكل الذي لا يَسْلَمُ غالباً من المزاجية والتجاذبات الذاتية والعقدية والمذهبية، إلى البعد المؤسساتي المُهيكَل والمنضبط والمعتمد على العمل الجماعي المنظم والهادف، بمرجعيته التي تحددها ثوابت الأمة واختياراتها، والتي أجمعت عليها ضمن مقاربة قائمة على الوسطية والاعتدال.

القيم الإنسانية الكونية، الخصوصيات المغربية، والعلماء: تحدي جماهيرية التناغم

لقد اختارت المملكة المغربية، بلا رجعة، بناء دولة المؤسسات الديمقراطية التي يسودها الحق والقانون، بناءً على مرتكزات المشاركة والتعددية، حتى يتمتع الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.

في نفس الوقت، فإن بلادنا دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبويء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.

وتتعهد المملكة بالتزام ما تقتضيه المواثيق الدولية، كما هي متعارف عليها عالميا، كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم، وحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز.

إن كل هذه المبادئ الدستورية التي يرعاها جلالة الملك، أمير المؤمنين، لَـــتُــشكل منظومة متناسقة ومتكاملة ومتناغمة، لسبب بسيط هو أن الدين الإسلام الحنيف، كما نفهمه ونمارسه نحن المغاربة، يُــوجد على وفاق تام مع الحضارة الإنسانية برمتها، وليس على هامشها، ولا يُــنَصَّبُ نفسه حارساً عليها، كما أنه ليس نشازا فيها. فحضارة الإنسان مثل سمفونية متسقة تنتمي إلى نوعِ موسيقى الخالدات.

لكن، للأسف ليس الجميع، وبنفس القدر، مُستوعبٌ لهذه الرؤية، حيث لا تزال تتجاذب العديد من أفراد مجتمعنا كثيرٌ من العناصر والعوامل والمؤثرات الدينية والقيمية والثقافية والتعليمية والتواصلية التي تجعل صعباً وعصياً استيعابُ هذا التناغم وهذا الانتماء الإنساني النبيل الذي يطبع التدين المغربي.

ولذلك، فإن القيم الكونية كلها، من حداثة وديمقراطية وحقوق فردية وجماعية، ليس هي التحدي في حد ذاته. كما أن تشبع المغاربة بدينهم السمح ليس هو التحدي بذاته….. ولكن التحدي الأكبر هو مدى اجتهاد علمائنا وقدرتهم على ابتكار الأدوات البيداغوجية الملائمة …. التي تجعل من القيم الكونية والخصوصيات المغربية على وفاق وتَصَالُــحٍ نظري وعملي، في الفِكر والتمثل الذهني، وفي الممارسة اليومية، وفي أذهان ووجدان المغاربة وتكوينهم الشخصي….. ذلك ما سوف يُعطي لإصلاح الحقل الديني شحنة أقوى… وهو ما يفرض على مؤسسة العلماء كثيراً من الجهد والاجتهاد والإبداع… وكثيرا من الحكمة والتبصر… مثلما يفرض على الهيئة الاشتغال على هذه التحديات بعمق وبنظر ثاقب يراعي الحال والمآل.

* عبد النبي عيدودي

باحث في الشؤون الدينية والسياسية؛
مدير المركز المغربي للقيم والحداثة؛
دكتوراه في القانون الدستوري وعلم السياسة؛
دكتوراه في العقائد والاديان السماوية

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

دروس ماما ميركل

وجهة نظر

هل انتهت صلاحية اللائحة الوطنية للشباب؟

وجهة نظر

في ضرورة اللغة الجامعة

تابعنا على