نوابغ مغربية: امحمد الرّافِعي .. الفيلسوف الصامت في الزمن الصاخب مجتمع

نوابغ مغربية: امحمد الرّافِعي .. الفيلسوف الصامت في الزمن الصاخب

05 يناير 2021 - 20:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 28: امحمد الرّافِـعي

بسم الله الرحمن الرحيم

أحد أعلام دكُّالة في القرن العشرين، دائرة معارِف حَجَّ إليها الوُجهاء والعِلية والعلماء، وكَعْبة علمية صامِتة، استَجْلَبت بغزارة اطّلاعها وقوّة منطقها وصلابة مبادئها أنظارَ الصغار والكبار، يَرجِع بِنَسَبِهِ إلى قَبيلة بني رافع، المتوطِّنة بإقليم سيدي بنّور، على المحيط الأطلسي جنوب حاضرة الدار البيضاء المغربية.

كان مولده بأزمور سنة 1884، تَيتَّم صغيراً، فَكَـفَله جَدّه الشيخ الحسن الأزموري، الذي كان فقيهاً وإماما بمساجد أزمور، وعلى يديه قَرأ حفيدُه امحمد الرافعي بعض السور القرآنية واللغة العربية، ثم دَفع به للفقيه إسماعيل الـحُسيني فختَم على يديه القرآن الكريم؛ قراءةً وحِفظا. 

تَلقّى تكوينَه العلمي الأوّلي في كتاتيب أزمور، وُسِمَ طِيلة مرحلة أخذ العلم بالتميز في العلوم العربية والشرعية، فحَضَّه أشياخه على الارتحال إلى فاس للدراسة بالقرويين. وفي المدينة العالِمة؛ الْتَقى خيرة طلبة المغرب، وتلقّى العلوم والـمَعارِف على يد كُلٍّ من العالِم أحمد بن الجيلالي، والفقيه أحمد بن الخياط الذي كان يُقدِّر تِلميذه الرافعي لدرجة أنْ قالَ في مَجمعٍ من علماء القرويين “لقد جاء (أي الرافعي) ليأخذ عنّا فأخَذْنا عنه”. 

شَبَّ الرافعي على حبّ الدِّين والوطن والطريقة التيجانية، مالكِيَّ المذهب، سُنّي العقيدة. وكانت مرحلة التلقِّي في فاس زاداً له على طريق العلم، فلم يقتصِر على حدود ما دَرَس؛ وإنما عاد قافِلاً إلى بلْدَته، حامِلاً أرْحالاً من الكُتب والمصنّفات، فانْغمَسَ فيها قراءةً وتلخيصاً، واستغرَق متأمِّلاً بين عوالِم الفكر وعوالم الناس، وكلما ازداد معرفةً ازدادَ صَمتًا وتأمُّلاً. 

لم يكن صَمتُ الرافعي صَمْتَ الـخُمول؛ بل كان صَمْتاً مَليئاً، التَزم فيه الرجل القراءة على نَهْج الأقدمين، ناهلاً من علوم عديدة، وتَرْجَم جُهدَ القراءة إلى الرسائل والتّخريج والتّعليق، فما تَرك من كِتابٍ بين يديه أو وَصل إليه إلّا وحَبَّره حواشِيَ وهوامِشَ تتضمّن نظراته في الكتاب وانتقاداته له. 

جاءَت على الفقيه الرافعي مرحلة قَـرَّر فيها التخصص في الفلسفة القديمة، وفي الفلسفة الغربية، فكان شديد الاهتمام بها، منهمِكاً في قراءة أمّهات المراجع عنها، حتى تَشبَّع بالفكر الفلسفي، وصار كثيرَ الاسْتحضار للآراء الفلسفية، “لدرجة أصبح معها يُفْرِغ معلوماته في قالَبِها، وأصبح لا يتحدَّثُ إلا بالنّقد والتحليل، والفحْص والتّعليل، كما أصبح متمرِّساً بأساليب الـحِجاج والمناظَرة..” حَسب تعبير المؤرِّخ محمد معروف الدّفالي.  وعَبَّر عن هذه الـمِيزة في سيرة وشَخص العلّامة الرافعي الأستاذ القاضي السايح بقوله إنّ “الرافعي قد زاوَل الفلسفة كثيراً ودَرَسَها دراسة عميقة، وتَشَبَّع مِن مَذاهبها وآرائها، فتكيَّف بها فِكرُهُ واصطبَغ بها ذِهنُه (..)، كان الرافعي يَـجِدُ لذَّته في الفلسفة فيُعَلِّق دائماً على كتب الفلسفة وأحياناً يتجاوز الحواشي ويدخل في الخطوط المكتوبة فيُعَلِّق عليها”.

هذا الانتقال الـمَرِن من العلوم الشرعية واللغوية إلى الفلسفة؛ سيُحقِّق نوعاً من التكاملية في الشخصية العلمية للعلّامة الرافعي، وسيدفع به من ناحية أخرى إلى الاشتغال النظري والفكري في قضايا العصر، بآليتيْ الفلسفة وعلم الكلام، وبمُقتضى النظر الشَّرعي أيضاً. فنحن قَبل كل شيء؛ أمام عالِمٍ خِرّيجِ القرويين، متضلِّعٍ في التفسير والفقه والحديث، ومتمكّن منال الفلسفة، حَلّاه الأستاذ أحمد زيادي بلقب “شيخ فلاسفة المغرب”. 

قادَتْهُ دراسته لتاريخ الفلسفة إلى اقتحام حَقل التاريخ، فأَقْبَل على المؤلَّفات العربية والغربية بشغفٍ كبير، وكانت له صولات وجولات مع موسوعة “كِتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعَجم والبربر ومَن عاصرهم مِن ذوي السلطان الأكبر” للمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون، حيثُ يُؤكّد مَن طالَعُوا كنانيش مخطوطات الشيخ الرافعي بالخزانة الملكية في الرباط أنّهم وَجدوا ضِمْنَها تعليقات وحواشِيَ كَتبها الرجل على مَتن “المقدِّمة” وكُتبٍ أخرى في الفلسفة والتاريخ. كما كانت مُعاصَرُتُه لأحداث: مؤتمر الجزيرة الخضراء، خَلْع السلطان عبد العزيز، ثورة بوحمارة، احتلال المغرب وتقسيمه، محاولات الإصلاح الفاشلة، حرب التحرير الريفية، انتفاضات القبائل والزعامات في الصحراء والأطلس المتوسط، ميلاد الحركة الوطنية المغربية..؛ دَور في شَغفه بتاريخ المغرب وأوربا وتاريخ العالم العربي، والتواصل العلمي مع نُخبة العلماء لتزويده بمراجعَ تاريخية قيمة، وموافاته بملخّصات عن المجلات والجرائد الوطنية وتلك التي تصدر في مصر والمشرق، وطَلَبه لبعضهِم تَرجمةَ المقالات الصحفية من المجلات والصحف الأجنبية التي كانت تَكتُب عن المغرب. ولَـمَّا آلَ أمر كُلٍّ من محمد أزرقان ومحمد بوجيبار وَزيراَ الأمير الخطابي في الإقامة الإجبارية بمدينة الجديدة وسطات؛ حرِص العلّامة الرافعي على الاتصال بهما، ومُجالستهما ومناقشة أطوار الثورة الريفية وأوضاع الريف وخبايا سَيْر الأحداث لغاية استِسلام الأمير محمد بن عبد الكريم سنة 1926. كما كانت له صداقة قوية بالفقيه أحمد السكيرج الذي كان كثيرَ الإحاطة بتاريخ المغرب، وكان له كبير الفَضل في التعريف بحرب الريف في مُؤلَّفه القيم “الظِّل الوريف في محاربة الرّيف”، ناهيك عن علاقات الرافعي وصداقته مع نخبة مِن الشخصيات العلمية بالجديدة كالقاضي الحسن السايح، والـمُحَدِّث عبد الرحمن الدّكالي، والفقيه القاضي عبد الحفيظ الفاسي، والقاضي البشير بن عبد الله الفِهري، والصدر الأعظم محمد الجبّاص، وغيرهم.  

ظَهر هذا الاهتمام والتعمُّق في التخصصات جلِياًّ لكلّ مَن عاصَر العلّامة الرافعي وسَمع عنه، ومَن أجازَهم وحاورَهم وحاوَروه، وجميعهم يشهدون له بالكفاءة والاقتدار، والارتقاء لمقام الإتقان في القراءة والكتابة والخطابة، والتميز بسرعة الحِفظ وقوّة الذاكرة، إذ كان يُلِمَّ بكثيرٍ من القصائد والدواوين الشعرية، ويحفظ نصوصاً أدبية رفيعة. كما كان له اطِّلاع على جديد ما يُنشَر ويُخَطّ، وقُدرة فذَّة على مُحاورة العلماء وردّ بعض الشُّبهات ومُناقشة القضايا التي كان على خِلاف معهم فيها، وتَقريض بعض النصوص الفلسفية والأدبية، سواءً أكانت مغربية أو مشرقية. 

وفي مرحلة أخرى مِن عمره بعد استقراره في مدينة الجديدة؛ يمَّم وجهه شَطْر عِلم الفلك، فدَرَسَه، واشَتَغل بتعقيداته. حكى أحد تلامِذته يُدعى العربي المسعودي أنّه وَجدَ في بيتِ العلاّمة الرافعي حين زارَه “إسطرلاباً” كان قد أهداه له السلطان المغربي عبد الحفيظ. وكانت للرافعي صِلاتٌ مع علماء غربيين ومُستَشرقين، مراراً ما جَمَعتهُ بهم لقاءات علمية في مُستقرِّه بالجديدة، ومنهم هنري ديكاستري، ليفي بروفنصال، ويليام مارسي، جورج كولان، دوسان فال.

كان الرجل مقصِداً للعلماء والطلبة وعامة الناس، يَستفْـتُونه، ويَطلبون رأيَه في نوازِلهم، وتفسيرَه لسُور القرآن، ويُحبّون محاورتَهُ في قضايا فلسفية ودينية، في مرحلة عصيبة من تاريخ المغرب المعاصِر، حيث الحرية تتعرض للقمع، والوطن تحت وطأة الاحتلال، والتنقل لغير ما ضرورة متعسِّر، والآراء والكُتُب التي تُخالِف هَوى وأدْلوجة الاستعمار ممنوعة من النّشر، والصُّحف قلَّما تصِلُ أصدائُها للقرى والبوادي النائية، والعلماء منهم مَن أُحْصِر في بيته، ومنهم مَن تَم توظيفه لفائدة الدعاية الاستعمارية، ومنهم مَن ظَلّ مُقاوِماً ممانِعاً بقلمِه ورأيِه وعِلمِه؛ ومنهم الفقيه العلامة امحمد الرافعي، الذي لم يَفتأ يُجيب على أسئلة العامة، ويَستقبل الطلبة والعلماء، ويُفتي في نوازِل عديدة، منها فتواه الشهيرة في مسألة صلاة الخسوف جَماعةً (توصّل بها شباب الحركة الوطنية يوم 19 غشت سنة 1924)، وفتواه بشأن نزاع أسرة الرّزيني بحاضِرة تطوان. وكان يَزور الحواضِر المغربية للوقوف على أوضاعها تحت الحماية، إلا أنها كانت زيارات محدودة للغاية، في الزمان والمكان.. كما كان بسببٍ مِن فتاواه وحِدّة طبعه وسجالاته الحامية ورُدوده القاسية؛ له خصومٌ ومُناوِئون، بقدر ما كان له أصدقاء ومُحبوّن.  

ومِن أدوراه الوطنية الجديرة بالتقدير؛ استنكاره لسياسة الميز العنصري التي نهجهتها فرنسا بإقدامها على استصدار الظهير البربري سنة 1930، ومُساندتُهُ لمطالب الحركة الوطنية، ولقاءاته العديدة مع بعض الشخصيات الوطنية والمخزنية التي آل مصيرها إلى النفي والإبعاد بعد توقيع الحماية، وتوسُّطه لإطلاق سراح بعض عناصر الحركة الوطنية الذين اعتُقِلوا بسجن العاذر قُرب الجديدة، وتمكينهم من الاستشفاء والتطبيب، وتواصُله الدّائم مع رموز حزب الإصلاح الوطني بشمال المغرب، ومن خِلالِهم؛ نَسْجهُ علاقاتِ تراسُلٍ مع الأمير المناضل شكيب أرسلان رحمه الله. 

الغريب في مسار الرجل أنّه لم يمتهن وظيفة رسمية ولا مهنة قارة، بل كان أصْلُ معاشه مِن الأوقاف الحبُسية التي كانت تُخصَّص للعلماء، وما كان يفِدُ عليه من هِباتٍ مَلكية وأعُطيات مِن لَدن السلطان يوسف بن الحسن والملك محمد الخامس رحمهما الله، وعاش على الكفاف والعفاف، ولَـم يتزوّج قَط، فلم يخلِّف ذُرية تَحفظ اسمه وإسهامه، وتُحقِّق تراثه. كما لَم يَصُغ بخطِّ يده كتاباً شاملاً في إحدى المجالات العلمية التي كان يُتقِنها، ولم يترك لنا مذكِّراته الشخصية إملاءً على أحد تلامذته أو بخط يده. ما خَلا بعض التقاريض على كُتُبِ مشاهير رجالات العلم، ومجموعة مِن الرسائل التي ألَّفها بين الحين والحين كــ”رسالة في شَرْح وحدة الوجود”، و“رسالة في تحقيق معنى العقل والنّفس الكُلية”، و“رسالة في الأصول”، و“رسالة فيما فهِمْته من هيجل”، و“رسالة في رثاء الشّيخ أبي شعيب الدّكالي”، وبضعة أسطُر عبارة عن تجميع ورأي في أقوال الوليِّ الصالح مولاي عبد السلام بن مشيش رحمه لله. ومع هذاه القِلّة؛ فقد كان فيلسوفاً وعالِما، أُحيط بتقدير مَن عرفوه وخَبَّروه، ووصَفه السادة العلماء بأوصاف العلماء، وكان يحلو للعلّامة الوطني المكي الناصري وصْفهُ بــ”مُطَّلِع المغرب الدّاهية سيدي محمد الرافعي”. 

وبعد عمر عامِرٍ بالخير والاستقامة والنزاهة العلمية؛ وافته المنية يوم الجمعة 14 رجب 1360 هجرية، الموافِق لسنة 1941، وكان إذّاكَ في السابعة والخمسين من عمره. فترأَّس جنازته وتأبينه صديقه المرحوم البشير بن عبد الله الفاسي الفهري قاضي الجديدة، وشهِدتها جموعٌ غفيرة من العلماء والصلحاء وممثِّلي المخزن المغربي. ثمَّ أقيمَ حفْلُ تأبين له بمناسبة أربعينية وفاته، في سبتمبر 1941 أبَّـنَه فيه شعراء وعلماءٌ عَرفوا قَدْره، وجمعتهم به أسمارٌ وأفكار. 

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإسعاف كورونا مجتمع

المغرب يعلن اكتشاف أول حالة إصابة بالسلالة الجديدة لفيروس كورونا

مجتمع

متقاعدو “الراطاك” أقدم شركة للنقل العمومي بأكادير يستغيثون: “عتقونا.. الفقر ينهشنا” (فيديو)

مجتمع

البام يطالب بلجنة لتقصي الحقائق في فيضانات الدار البيضاء

تابعنا على