وجهة نظر

مبرووووك لحزب العدالة والتنمية !

06 يناير 2021 - 14:24

لعله من غير المنصف التمادي في توجيه الانتقادات اللاذعة لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، حامل شعار “المصباح” وقائد الحكومة لولايتين متتاليتين، واتهامه بأنه لم يعمل سوى على إخماد نيران “الربيع العربي” وإشعالها في صدور المغاربة، من خلال مراكمة الفشل وتكريس الفساد والريع والإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية، الإخلال بوعوده في النهوض بالأوضاع وتحسين ظروف العيش وكسب رهان التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية، سواء في عهد الحكومة السابقة بقيادة عبد الإله ابن كيران أو الحكومة الحالية برئاسة سعد الدين العثماني…

ففي خضم الظروف العصيبة التي تمر منها بلادنا، بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد أو داء “كوفيد -19” القادم من مدينة ووهان الصينية، وما خلفه من تداعيات اجتماعية واقتصادية قاسية، إن على مستوى عدد الوفيات أو على مستوى تشريد آلاف العمال والمستخدمين وعائلاتهم، بعد طردهم من قبل المقاولات والمؤسسات التي كانوا يشتغلون بها، وفقدانهم لموارد رزقهم…

وعلى بعد بضعة شهور فقط من نهاية ولايته الثانية في قيادة الحكومة، وفي ظل الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة المزمع إجراؤها في يونيو 2021، التي يسعى بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة إلى تصدر نتائجها والظفر بولاية ثالثة.

وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يترقبون بقلق شديد لحظة إفراج الحكومة على موعد انطلاق الحملة الوطنية للتلقيح، التي سبق أن أصدر الملك محمد السادس بشأنها تعليماته السامية في اعتماد مجانية اللقاح لفائدة جميع المغاربة. وبعد شروع عديد البلدان الغربية والعربية في تطعيم شعوبها…

يأبى الحزب الإسلامي العتيد والفريد إلا أن يأتي بما لم يأت به حزب آخر قبله من الأحزاب التي تعاقبت على قيادة الحكومات السابقة، بالإعلان عن اعتزامه القيام بإنجاز عظيم، ممثلا في تشييد مقره المركزي الجديد من الطراز الرفيع في حي الرياض، الذي يعتبر من الأحياء الراقية بالعاصمة الإدارية، رغم أنه لم يفتأ يدعي الزهد والدعوة إلى التحلي بقيم التضامن والتعاضد والرحمة بالفقراء والمعوزين. حيث أشرف مزهوا أمينه العام العثماني يوم الجمعة فاتح يناير 2021 على إعطاء انطلاقة أشغال بنائه فوق بقعة أرضية تبلغ مساحتها حوالي 2429 متر مربع، فيما تصل المساحة الإجمالية المغطاة 8178 متر مربع، بتكلفة مالية تناهز 38,5 مليون درهم، أي ما يعادل ثلاثة مليارات و850 مليون سنتيم، وأن بناءه سيستغرق حوالي سنتين ونصف.

وهو الحدث الذي استفز مشاعر الكثيرين ورفع من حدة الاحتقان الشعبي، لأن المغاربة يرفضون بشدة أن يظل ذات الحزب الذي أذاقهم المرارة وأنهك قدرتهم الشرائية، منشغلا فقط بمصالحه ومصالح قياداته الضيقة، ضاربا عرض الحائط بهمومهم ومطالبهم الملحة. فضلا عما أثاره من جدل واستغراب حول مصادر تمويل بناء هذه “المعلمة التاريخية”، حيث كشفت المعطيات المتوفرة عن وجود غموض يكتنف ذلك المبلغ المالي الضخم المرصود للمشروع السحري، لاسيما أن الأمين العام السابق للحزب كان على وشك الاشتغال سائقا لسيارة الأجرة بعد إعفائه من تشكيل حكومته الثانية، لولا أن ملك البلاد أنعم عليه بمعاش استثنائي يقدر ب”70” ألف درهم شهريا. إذ أنه ووفق ما أودعه الحزب من تقارير لدى المجلس الأعلى للحسابات، يتضح أن موارده المالية لا تتجاوز 37,49 مليون درهم، منها واجبات الانخراط والمساهمات التي تصل 21,21 مليون درهم، ومساهمة الدولة التي تبلغ 15,81 مليون درهم، بما يعني أن مصاريف البناء تفوق الرصيد المتوفر بما يقرب من مائة مليون سنتيم. أيكون الأمين العام السابق للحزب ابن كيران هو من غطى الفرق الحاصل بما كدسه من أموال في حسابه البنكي، أم هناك جهات أخر تكفلت به؟

وبغض النظر عن تضارب الآراء حول مصدر تلك الميزانية الضخمة التي رصدها الحزب لبناء مقره المركزي، الذي يريده أن يضاهي كبريات المقرات الحزبية في أعرق البلدان الديموقراطية. وبعيدا عن وجع الدماغ في محاولة البحث عن سر التكتم الشديد عن تأخر الشروع في تطعيم الفئات المستهدفة، فإنه كان على كل الذين منحوه أصواتهم مقابل حفنة دقيق مسمومة أو خطاب ديني زائف، أن يهرعوا لزيارة سعد الدين العثماني محملين بأكياس السكر، ليباركوا له هذا الإنجاز العظيم وغير المسبوق، ويهنئونه على التزام حزبه بوعوده الانتخابية. أليس من صفات المؤمنين الصدق والأمانة والوفاء بالوعود؟ فذلك ما قام به الأمينان العامان السابق والحالي مع فارق بسيط، هو أن ذلك تم فقط لصالح فئة معدودة من الأخوات والإخوان نيابة عن كافة المغاربة، من خلال تمهيد السبل أمامهم للوصول إلى أهم المراكز في الوزارات والبرلمان وعمودية المدن ورئاسة الجماعات الترابية، مما ساهم في النهوض بأوضاعهم وتحسين ظروف عيشهم، حتى صاروا يرتدون أفخر الثياب، يركبون أرفع السيارات ويسكنون أجمل الفيلات، ويبحثون كذلك لأنفسهم عن زوجات تتناسب ووضعهم الجديد…

إن لحزب المصباح كامل الحرية في تشييد مقراته أينما شاء وبالكلفة المالية والشكل المعماري اللذين يريد، لكن يبدو أنه وكعادته لم يكن موفقا مرة أخرى في اختيار التوقيت المناسب لزف مثل هذه “البشرى” لضحايا خياراته الفاشلة، بعد أن قضى زهاء عشر سنوات في التهافت على المناصب والمكاسب وتعدد التعويضات المغرية، غير مكترث بأوجاع وأحزان المغاربة الذين باعهم الوهم، عمق أزمة الثقة لديهم بالمؤسسات السياسية وساهم بقسط وافر في تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واستشراء الفساد بنوعيه الإداري والمالي وتنامي موجة السخط والاستياء حتى في صفوف مؤيديه…

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

عين على “الحملة الوطنية للتلقيح”

وجهة نظر

البوليساريو.. لعب بالنار وتضليل قاتم‎

وجهة نظر

شيوع الأمية مظهر من مظاهر إخفاق النظام التربوي وفشل السياسات التنموية

تابعنا على