وجهة نظر

في الفنيمست الإسلامي (2)

07 يناير 2021 - 12:45

الحلقة الثانية: الحركة النسوية الإسلامية واستقلالية القرار

قبل التفصيل في هاته المسألة لا بد ان نستحضر طلب اح النساء الصحابيات من الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم تخصيص يوم للنساء في الحديث والاستفسار مجسدين اول نضالات المرأة المسلمة والإسلامية على اعتبار ان المصطلح يحمل من المعاني الدلالية والاصلاحية قوة اعمق في المجتمع الرسالي ، فالحاجة التي جعلت هاته المرأة تطلب هذا الطلب في حد ذاته يجسد بإصرار قطعي ان المجتمع ككل لا يمكن ان يستقيم اذا لم تكن هناك فلسفة في توزيع الأدوار والمهام والوظائف ،ولذلك في المجتمع الصحراوي الرجولي ،تجد هاته المناضلة تفرض بقوة وبكل امانة حقها في اخد علم النبوة من النبي وليس من أمهات المؤمنين ،مما يدل ان بناء الامة لا يكون الا بمقومات العلم والمعرفة والحرية في القرار والمشاركة في البناء وتوزيع الوظائف ،لذلك هكذا كانت الحقوق تؤخذ ولا تعطى حتى لا تصبح المرأة مجرد شيء اجتماعي أو سياسي نوظب به ونجمل مشهدنا السياسي في اطار الكوطا او منهج القسمة المفروضة ،بل نؤسسه بناء على عطاء وجهد وعلم ومعرفة وقوة .

فما نصيب الحركة النسوية الإسلامية من هذا التدافع الذي يتسم بنوع من الذكورية في القرار والبذل والعطاء؟ أم انه تبقى خصوصية العمل النسائي الإسلامي تنفرد على باقي الحركات النسائية التي تتعايش مع هذا المكون الجديد وقد تتصارع معه وتختلف في المواقف وتدبير المشاريع المجتمعية.

فاذا ما فتحنا أبواب المرجعيات الفكرية لهاته التنظيمات نجد ان حضور المرأة اصبح يفرض ذاته على مستوى تبنيه النظرة الشمولية في الإصلاح ،وكذا قدرة هذه البنيات النسائية ان تفرض ذاتا على مكونات الجسم العام للتنظيم الذي تنتمي اليه ،فرغم انه لم تستطع المرأة ان تقود رئاسة هاته التنظيمات الا انها تبقى مؤثرة في العديد من المؤسسات والمواقف التي فرضت نفسه ،خصوصا ابان الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية ،حيث كان من اللازم ان تصبح لهاته التنظيمات اذرع نسائية قوية ،وقادرة على الدفاع ومواجهة الاطروحات المخالفة لرموز الحركات النسائية الأخرى .

النسائية في مشروع جماعة العدل والإحسان:

يرى عبد السلام ياسين أن استرجاع المرأة المسلمة حريتها الحقيقية والكاملة، واستردادها مكانتها الريادية التي مكنها منها الشارع الحكيم… لن يكون إلا بالوقوف على الأسباب الحقيقية والجوهرية التي كانت وراء انحدارها دركا دون درك، والتي يمكن اختزالها في معولين اثنين قاصمين لظهر الأمة ومعه بشكل أفظع ظهر المرأة، وهما الانكسار التاريخي والاستعمار الغربي. كما ان بروز ذهنيات وأنانيات ذكورية مستعلية سلطوية مهمشة للمرأة باخسة حقوقها مخالفة للنموذج النبوي الراقي في تعامله مع المرأة، مستنسخة عناوين ومضامين تعامل نظام الحكم السياسي مع الرعية المستضعفة… فما كان من الرجل المقهور بسلطة السيف والفقر والجهل إلا أن استغل “الدرجة” التي للرجال على النساء، فأذاق المرأة ألوان الاستبداد والبؤس، ومارس عليها صنوف الظلم والقهر، وأهانها بأشكال الدونية والتهميش.فالبغية هو تجديد النظر في النصوص الشرعية الخاصة بالمرأة وإعادة قراءتها قراءة شمولية عميقة جامعة،– مشاركة المؤمنة في مؤسسة الاجتهاد، بعد تحصيل شروطه: فلا مناص للمؤمنة -في نظر الإمام- من خوض جهاد تحصيل شروط العلم والاجتهاد حتى لا يبقى حكرا على الرجل الذي قد يسيء استعماله كما وقع في التاريخ ويقع؛ وهكذا ستتمكن المؤمنة من المشاركة الفعالة مع الرجل متزعمة معه لا تابعة، في نخل كل موروث قديم بغربال الشرع، وتنقيته مما هو فاسد دخيل، ووضع الأمور في سياقها التاريخي السياسي الاجتماعي لإعادة إحياء حاسة قراءة النصوص الشرعية برؤية تجديدية تصحيحية.

كما ان الجماعة تتوفر على قطاع نسائي هام ومؤثر حيث قد اصدر تقريرا شاملا عن وضعية المرأة المغربية خلال سنة 2020، وأوضح القطاع في تقريره، أن ارتفاع منسوب البطالة، وتفاقم معدلات الأمية والفقر، والتردي الحقوقي، والاستغلال البشع لأوضاع النساء

وحينما نتساءل عن استقلالية القطاع في التفكير والتدبير نجد ان رؤية العمل النسائي محددة بما خلفه الشيخ من مشاريع فكرية وأفكار تشكل المرجعية الفكرية في التعامل مع وجود قراءات لمنهاجه الفكري وهي قراءات لا اثر لها في التغيير أو التحيين على اعتبار ان مؤسسة الشيخ حاضرة رغم غيابه الطبيعي ،لذلك يبقى سؤال الاستقلالية يحدد الفجوة بين الفكر والممارسة عند جماعة العدل والإحسان فيما يخص وزن النسائية في الجماعة ،حيث نجد غياب ابنة الشيخ نادية ياسين التي كان لها دور بارز ابان حياة الشيخ عبد السلام ياسين بخرجاتها الإعلامية وبروزها كوجه مناضل حقوقي نسائي ومرشدة تربوية روحية وصوفية على اعتبار انها ابنة الشيخ عبد السلام ياسين ،وما يحمله هذا القرب الروحي من روحانية الشيخ واثره على نفسية منتسبي الجماعة ،حتى اصبح الحديث بعد وفاته عن خلافة نادية ياسين لجماعة العدل والإحسان .

والحال ان جماعة العدل والإحسان التي اختارت القطيعة المؤسساتية مع الدولة تعيش نوع من العزلة اثرت كذلك حتى على مشروع العمل النسائي باعتباره تابعا للجماعة فيما يخص طبيعة التفكير وكذا طريقة الاشتغال ،لتبقى العديد من المواقف استهلاكية ومزايدات سياسي اكثر منها تجربة ناضجة تفرض ذاتها وقوتها الاجتماعية .

فلسفة التخصص النسائي عند حركة التوحيد والإصلاح

لا بد من التأكيد ان منهج الحركة هو يدخل ضمن التنظيمات الإدارية الصرفة التي اشتغلت على مأسسة العمل الدعوي والحركي بالمغرب ، ولذلك سؤال الاستقلالية يرادفه سؤال التخصص ،على اعتبار ان مشروع التوحيد والإصلاح هو مخاض تجربتين ناضجتين تم الاتفاق على توحيد الجهود ،أي انها بشكل اعمق جبهة للعمل الإسلامي بالمغرب ،لكن بمقومات تحترم الخصوصية وتصنع منهجا اقدر على تقديم إجابات واقعية تزاوج بين مرونة التعامل مع مؤسسات الدولة وخلق تحالفات تعاقدية مع فرقاء اخرين سواء كانون جمعيات او أحزاب او نقابات

نقصد بالحرية ما فضل الله به الإنسان من قدرة على الاختيار واتخاذ القرار، بما فيه القرار المتعلق بمصيره الأخروي.

ولا حَقَّ لأحد أن يسلب من أحد ما منحه الله تعالى، لا باسم الدعوة ولا باسم غيرها. وهي حرية تترتب عنها مسؤولية يتحمل الإنسان فيها عواقب اختياره وتصرفه. فقال سبحانه: (هَل اَتَى عَلَى الاِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الاِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا، إِنَّ الاَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا)(الإِنْسان 1-5). وقال عز من قائل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُومِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة 255)، وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُومِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر)(الكهف 29)، وقال: (فَذَكِّرْ اِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)(الغاشية 21-22)، وقال: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)(ق 45). فكان ذلك مما استُخلِف به ليحاسب عليه.

بيد أن الشخص الذي يختار بحريته ورضاه الانضمام إلى حركة التوحيد والإصلاح والعمل فيها؛ يكون ملزما بما التزم به، مطالبا بالوفاء بمقتضيات التزامه. وليس في هذا نقص في حريته، ولا انتقاص منها، بل هي ممارسة منه لحريته وإعمال لها، وتحمل منه للمسؤولية التي تلازم الحرية. كما أن التزامنا بالشورى والعمل الشوري هو أفضل مجال وأرقى ممارسة للحرية المسؤولة.

العمل النسائي بما هو مجموع الأعمال والأنشطة والمؤسسات التي تهتم بقضايا المرأة والأسرة، وتكون موجهة ومفتوحة أساساً لعموم النساء، اعتبارا لما تمثله الأسرة في النظام الاجتماعي الإسلامي، ولمكانة المرأة التي هي عماد هذا النظام. فالتحديات التي تواجه مجتمعاتنا الإسلامية ونظامها الأسري والاجتماعي، تستوجب أكثر من أي وقت مضى مبادرات وجهودا تمكِّن من تحصين المكتسبات الموجودة في الواقع، وتُقدّم رحمة الإسلام للعالمين في مجال النظرة للمرأة والأسرة.

وهذا المجال يستدعي تخصصا فيه؛ وعلما به؛ وتفرغا له، نظرا لما يعرفه من تطور مستمر في تحدياته الفكرية والثقافية والاجتماعية والإعلامية، ناهيك عمّا تتعرض له مؤسسة الأسرة جرّاء الاستهداف الممنهج للمرأة التي تعتبر عمودها الفقري؛ إضافة إلى التحولات الاجتماعية والأخلاقية الكبرى التي تعرفها المجتمعات الإنسانية بصفة عامة، والعربية والإسلامية بصفة خاصة، وهو ما يفرض على أي عمل إصلاحي أن يضع على رأس أولوياته الاهتمام بالأسرة، وترشيد العلاقات الأسرية، والاهتمام بالطفولة، كما يستوجب قيام مؤسسات تهتم بحماية وتقوية نسيج الأسرة المسلمة وحمايتها من كلّ عوامل التفكك.

منتدى الزهراء وسؤال التخصص النسائي :

اصبح التخصص النسائي سمة أسست بها الحركة منهجها الرسالي ، حيث نجد العديد من المبادرات التي تدور في فلك التنظيم وخاصة منتدى الزهراء للمرأة المغربية ومنظمة التجديد الوعي النسائي ،حيث ان اغلب أعضاءها اما منتسبون عضويا بالحركة او متعاطفون معها ويشتغلون في نسقها بتكامل وانسجام .

لكن نلمس نوع من الاستقلالية في القرار رغم انه قد يكون هناك اتفاق على نفس الرؤية والاهداف ، الا ان هذه الاستقلالية جعلت من العديد من الجمعيات النسائية التي تدور في كنف الحركة إطارات لتنزيل الرؤية النسائية للحركة .

ولذلك فسؤال النسائية او النسوية يبقى سؤالا جوهريا واساسيا يخاطب المرأة الرسالية التي اشتغلت على قيم الإصلاح والتربية والدعوة ، لكن تبقى استقلالية هاته البنيات المجالية على المشروع الام استقلالا إداريا وليس استقلالا وظيفيا ،أي انها تشتغل كتخصص نسائي للحركة في المجال المتواجد فيها موقعها القانوني .

فأول ملاحظة في موقع منتدى الزهراء المغربية تجد التعريف الموضوع فيه، حيث تعتبر نفسها هيئة وطنية نسائية حقوقية وثقافية تشتغل على قضايا المرأة والأسرة بمقاربة تجديدية تنطلق من المرجعية الإسلامية وتنفتح على الكسب الإنساني العالمي وتأسس المنتدى سنة 2002 بمبادرة من مجموعة من الطاقات النسائية التي راكمت خبرة في مجال قضايا المرأة والأسرة عبر العديد من المؤسسات التربوية والاجتماعية، نذكر من بين أهم النساء المؤسسات للمنتدى ذة. نعيمة بنيعيش، ذة. سمية بنخلدون،، ذة جميلة المصلي. ذة بثينة القروري، ذة. بسيمة الحقاوي، ذة.خديجة مفيد

ويسعى المنتدى لتحقيق الأهداف التالية:

– تعزيز سمو المرجعية الإسلامية وحماية الهوية الوطنية في مجال المرأة والأسرة.
– العمل على إبراز النموذج الحضاري الإسلامي لتكريم وتحرير المرأة.
– بلورة رؤى أصيلة لقضايا الأسرة والمرأة في المجال القانوني والحقوقي والاجتماعي.
– الإسهام في النهوض بمؤسسة الأسرة وحمايتها والدفاع عنها والعمل على تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بها.
– تعزيز وظيفة الأمومة وحمايتها.
– دعم جهود تمكين المرأة في جميع المجالات وتعزيز حضورها في مراكز القرار.
– الإسهام في تعزيز حقوق المرأة و قضاياها المشروعة والارتقاء بمستوى وعيها في جميع الميادين.
– تأهيل ودعم وتنمية القدرات النسائية في المجال الجمعوي وتقوية حضورهن في الحياة العامة.
– المطالبة بإحداث بنيات داعمة لتعزيز مشاركة المرأة.

ويعمل المنتدى على تأسيس شبكة جمعوية يشرف على إدارتها وقد بدأت بـ 12 جمعية نسائية ، ويصل اليوم عدد المنخرطين فيها الى 120 جمعية ، تمتد على كل تراب المملكة المغربية، ويجتهد في برامجه في مجال تأهيل الجمعيات النسائية وتطوير قدراتها في خدمة قضايا المرأة والأسرة المغربية.

وقد حصل المنتدى على صفة هيئة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة ابتداء من سنة 2011 ، كما استطاع الحصول على العضوية في مجموعة من الهيئات الوطنية والدولية.

ولا بد من التأكيد ان التجربة النسائية الإسلامية ، ان صحت التسمية رغم اني أفضل الحديث عن تجربة نسائية مغربية ، فتميزها بانها تجربة مجتمعية وليست تسويقية ، او تهدف الى صناعة نجمات في العمل النسائي ، وهذه السمة جعلت العديد من القيادات النسائية صداهن الإعلامي محتشم ،رغم التأثير الفاعل في المجتمع وقدرتهن على الترافع والتنظيم وإقناع الشركاء الوطنيين والدوليين على الدعم والمؤازرة .

كما ان شح الكتابات في النسائية الإسلامية هو كذلك عامل أثر بسلب على التعريف والتسويق للتجربة بشكل يضمن تعميمها والتعريف بها في المغرب وحتى خارجه.

كما ان الانفتاح على التجارب النسائية المغربية اعطى نوع من الثقة والريادة في التجربة النسائية بخصوصية مغربية ، جعلت العديد من المحطات النضالية يتم التنسيق بين مكوناتها ،والدفاع والترافع بشأنها .

كل هذا يجعل سؤال الاستقلالية هو اثارة لمركزية المرأة في صناعة القرار ،وليس تشيئ نضالها وجعله مجرد ديكور سياسي ،نقدمه في الملتقيات وفي تقاريرنا السنوية لرفع وثير مؤشراتنا ،بل ان التأكيد على التميز يجعل من النسائية الإسلامية مكون من مكونات النسائية المغربية وحتى العالمية ،لان قضية المراة هي قضية عمل يومي لصناعة فكر الغد وحياة الغد .

* مؤسسة تراحم للدراسات والأبحاث الاسرية

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

البوليس السياسي: مؤسسة تاريخية في خدمة الأمن الداخلي للمملكة

وجهة نظر

في تبخيس قيمة الصوت الانتخابي للمواطن

وجهة نظر

من أجل إعلام عربي راجح

تابعنا على