وجهة نظر

الدولة التونسية والشباب: بين التأطير والتهميش والتمكين (1956-2020)

19 يناير 2021 - 23:32

مقدمة

الحديث عن واقع الشباب التونسي وهو عماد الدولة حاضرا ومستقبلا و يمثل كتلة ديمغرافية وازنة، فما لا يقلّ عن 25% من السكان هم من الفئة العمرية بين 15 و29 سنة ،لابد من تناول دورها الحيوي خلال فترة النضال الوطني ونشاطها بالحركة الوطنية والمجتمع المدني ، خلال فترة الحماية الفرنسية التي امتدت من (1881-1956)، ومساهمته في تحرير البلاد و استرجاع استقلال الوطني ، أي على مدى خمس وسبعين سنة ، بدء بدوره في المقاومة المسلحة العسكرية، وأثر اختلال موازين القوى على مستوى العسكري لصالح المحتل غير خطته واستراتيجيته وتكيف مع الواقع وتبنى خيار النضال السلمي المتمثل في المقاومة السياسية والثقافية _ التعليمية ؛ بتأسيس الجمعيات والأحزاب (حركة الشباب التونسي سنة 1907) والحزب الدستوري التونسي ، والجرائد ( التونسي وغيرها) ، وإنشاء المدارس ونشر التعليم والوعي الحضاري ،وبعد فشل المقاومة السياسية انتقل إلى مرحلة مزج بين السياسي و المقاومة العسكرية بتأسيس جيش التحرير التونسي.

وقد لعبت المؤسسات التعليمية والدينية، دورا مهما وحيويا في النضال والمقاومة الثقافية والتعليمية ، مثل مؤسسة جامعة الزيتونة وفروعها العريقة و المتجذرة عبر التاريخ، والتي كانت تشع على مشارق الأرض ومغاربها، إلى معاضدة مؤسسات الزوايا والطرق الصوفية ومدارسها وجمعيتها الخيرية، وقد ساهم كل هذا بدور طلائعي بارز في نشر التعليم والوعي والمعرفة والمحافظة على هوية الحضارة العربية الإسلامية لتونس ،وباقي الدول المغاربية كالجزائر وليبيا وقد لعبت مؤسسة جامع الزيتونة والصحافة دورا هاما ،وعملت على توعية الشباب التونسي و المغاربي وربطه بتراثه الوطني وقايته وتحصينه من الغلو والتطرف، وتوج هذا النضال باسترجاع الاستقلال التونسي في مارس 1956.

اعتمدت الدولة الوطنية القطرية التونسية،خلال فترة بناء الدولة الحديثة والعصرية، إجراءات وقرارات تحديثية بحجة الالتحاق بدول المتقدمة أسقطت بدون تكييفها على البيئة التونسية كانت لها أثار وانعكاسات سلبية على المجتمع التونسي ،وقد ساهمت حسب المختصين والخبراء ،في ظهور ونمو تفشي ظاهرة التطرف الغلو والعنف. ضمن هذا المنظور وفي سياق التعرف على هذه الظاهرة الدخيلة والغريبة وغير النافعة، بل المهددة لاستقرار وسلامة المجتمع التونسي؛ تأتي هذه المقالة للتعرف على خلفية ظهورها وتناميها لدى الشباب التونسي ؟ما أسباب اعتماد السلطات التونسية الإجراءات التحديثية والتي ولدت تطرفا مضادا ؟ وما هي نتائج والآثار المترتب عنها ؟ وفيما تمثلت تهديداتها على سلامة الأفراد والمجتمع ؟ وما سبل مقاومتها ؟ وما هي الإجراءات أو الوصفة لعلاجها وتخطي أثارها والتخلص منها وماهي المقترحات والحلول؟ .

سنعتمد منهجي التقصي والتحليل في تتبع الظاهرة ورصد نتائجها وآثارها الخطيرة على الشباب التونسي. مستفيدين من الدراسات والأبحاث العلمية والاجتماعية التي تناولت الموضوع والنتائج المتوصل إليها لعلاج الظاهرة ووقاية الشباب منها.

أولا- الجمهورية الأولى: دولة الاستقلال و الشباب التونسي (1956- 2010)م

1- حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987) م و الشباب التونسي.

لتوضيح تعتبر ظاهرة التطرف والغلو والإرهاب، دخيلة على المجتمع والشباب التونسي، وتعود جذورها إلى إدارة الحماية الفرنسية لتونس (1881-1956)، ودولة الاستقلال ورثت هذه الظاهرة ، ولقد كان اختلاف حول مشروع السياسي وهوية الدولة الجديدة ، والمتمثلة في مشروعين الأول المشروع التحديثي-العلماني-اللائيكي للرئيس الحبيب بورقيبة ؛ والثاني المشروع العروبي-الزيتوني-طرقي للأستاذ صالح بن يوسف الأمين العام الحزب الحر الدستوري الجديد وما عرف (بالأمانة العامة) .

لقد تولى الرئيس الحبيب بورقيبة مقاليد السلطة من (1956-1987) م،بعد تغلبه بدعم من الحكومة الفرنسية، واتخذ عدة إجراءات وقرارات تحديثية ولكنها كانت لا تتلاءم مع البيئة والهوية والتراث العربي الإسلامي والذهني التونسية ، وهذا شيء لم يعهده المجتمع التونسي المحافظ على اعتبار الأمر دخيلا؛ حيث عمل على رفضها ومحاربتها و لقد ناضل من أجلها خلال فترة الاحتلال الفرنسي، وتمثلت هذه القرارات في غلق مؤسسة جامع الزيتونة وفروعها وتفكيك التعليم الديني،وحل مؤسسات الزوايا والطرق الصوفية ،وإلغاء الأوقاف، ومحاربة التدين، واستيراد مشاريع وأنظمة سياسية من الغرب بشقيها (الرأسمالي والاشتراكي- الشيوعي والليبرالي) ،وإسقاطها على المجتمع التونسي دون تكييفها و مزاوجتها مع الهوية ،والاستبداد بالحكم والرئاسة مدى الحياة ما عرف (بالجمهورية- الملكية) ،والإقصاء والتهميش والتفاوت بين الجهات ،وكل هذا أدى إلى التقوقع والفشل والتصحر السياسي والثقافي والديني وتكلس الفكري ، ولقد قاومت النخبة المتخرجة من الزيتونة و الصادقية هذه السياسة وقد عاضدها الأستاذ محمد مزالي ، وقد استطاعت تحصين الشباب من التطرف والغلو ، وأخرت ظاهرة التطرف إلى حين.. لكن الآثار والنتائج هذه القرارات ستظهر بزوال ورحيل وموت هذه النخبة الوطنية، خلال فترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي (1987-2010).

2 – حكم الرئيس زين العابدين بن علي(1987-2010)م و الشباب التونسي.

تولى زين العابدين بن علي الحكم إثر انقلاب الأبيض على الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي عجز عن تسيير دواليب الدولة بسب كبر سنه ومرضه من (1956-1987) ، وهو قي الحقيقة مواصلة لسياسة النظام السابق، وفي عهده ازداد الوضع أكثر سوءا، وأصبحت الساحة التونسية خالية من العلماء والمفكرين ورجال الدين، وسلك سياسة أكثر تطرف وغلو واستبداد وإقصاء وتهميش ورفض الأخر، واتخذ عدة إجراءات من بينها إقصاء تيار سياسي ما عرف بالدساترة والوطنيين من سلطة القرار السياسي، وتجفيف منابع الهوية العربية الإسلامية من البرامج التربوية والتعليمية ،منذ تولي الأستاذ محمد الشرفي الإشراف على وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، والتي أصبحت تحمل اسم وزارة العلوم ، وقد تغلغل التيار الفرانكفوني اليساري المتطرف في المؤسسات الجامعية والتربوية و لقد حاول فيما بعد الأستاذ أحمد فريعة تعديل البوصلة وإصلاح الأوضاع بتقديم مشروع إصلاحي عند أشرفه على وزارة العلوم ،ولكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح وأفلشت من قبل اللوبي الفرنكوني ، وقد تم إبعاده عن الإشراف على الوزارة، وتداعمت هذه السياسة كذلك بنشر ثقافة ما عرف” بمهرجانات الفولكلورية والرياضة واليانصيب “” PROMO SPORT”؛ مما أدى إلى تخريج دفعات متطرفة من اليمين واليسار ومن الشعبويين، وأصبحت عرضة للاستقطاب والتجنيد من قبل قوى متطرفة، كل هذا أدى إلى تنامي مشاعر الكراهية والرفض والعنف ، وبقيت مكبوتة في انتظار تفجيرها، بحكم ضعف وتداني مستواها التعليمي والديني والثقافي، وقد أزداد الوضع سوءا ورداءة بانتشار الفكر المتطرف والغلو،بسبب التصحر السياسي والثقافي والتعليمي والديني، الذي عاشته البلاد التونسية ،وعرفت عدة ظواهر (مثل عبادة الشيطان والتشيع والتمسح والإلحاد…) ، وأصبحت الأسرة التونسية تعيش أسوأ حالاتها ، خاصة لما تصدرت تونس أعلى نسب الطلاق في العالم العربي والانقطاع المدرسي، مما تسبب في تفكك الأسري وضياع الشباب .

نتيجة لهذه السياسة، عرفت البلاد التونسية حراك حزبي و جمعوي لمقاومة الاستبداد وسياسة الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ،كل هذا أدى إلى اندلاع انتفاضات في عدة مناطق تونسية ( المناجم والمتلوي، وبن قردان والقصرين…) ، انتهت بثورة الكرامة في جانفي 2011م،وهروب الرئيس زين العابدين بن علي ،وسقوط نظامه،وما يمكن استنتاجه إن الشباب التونسي كان حقل للتجارب ،من طرف المنظومات السياسة العربية والعالمية ، وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والمنظمات الدولية وعلى رأسها المنظمة الفرانكفونية، ومما ترتب عليها فقدان وارتهان القرار السياسي ،والتدخل في المنظومة التربوية ،وفشل الدولة الوطنية القطرية والجمهورية الأولى من (1956-2010)م والمنوال التنموي التونسي في تحقيق العدالة الاجتماعية ،وفي تأطير الشباب والاستثمار في المستقبل وانتهت هذه المرحلة بتأسيس الجمهورية الثانية .

ثانيا- الجمهورية التونسية الثانية:الثورة التونسية و الشباب.(2011- إلى اليوم)

عرفت البلاد التونسية الانسداد الديمقراطي والتصحر السياسي والثقافي والديني ،لأكثر من نصف قرن، وقد اندلعت عدة انتفاضات وانتهت بثورة الكرامة التونسية في جانفي 2011، والتي جاءت كرد فعل على تراكمات تاريخية من الاستبداد والفساد والمحسوبية والإقصاء والتهميش، وطالبت بالتنمية والديمقراطية والشغل والحوكمة الرشيدة، وتأسست الجمهورية الثانية ،والتي تعاقبت عليها عدة حكومات من بينها (محمد الغنوشي والباجي القايد السبسي وحمادي الجبالي وعلي العريض والمهدي جمعة والحبيب الصيد ويوسف الشاهد والياس الفخفاخ وهشام المشيشي )، والإجهاض على المشروع الديمقراطي، اخترقت وحرفت الثورات والانتفاضات العربية من (2011-2012)،عن مسارها وأهدافها النبيلة وتمت عسكرتها في بعض الدول، من قوى داخلية وخارجية، وتحويلها إلى دول فاشلة والى فتن وحروب أهلية، واستخدمت سياسة العصا والجزرة، على طريقة “من ليس معنا فهو ضدنا” ووجدت المخابرات العربية وخاصة الغربية والأمريكية ضالتها، في تسويق أطروحة المستشرقين بشأن عدم ملائمة الديمقراطية للشعوب والثقافة العربية، واعتبرت الديمقراطية خطا أحمر لا يسمح بها، ولا يمكن تطبيقها على الشعوب العربية والإسلامية ، وهي تعتبرها منطقة انقلابات عسكرية ( التأييد والمشاركة في الانقلابات العسكرية ) ، وتجريب الأسلحة والمنظومات التعليمية، من أجل تخريب الانتقال الديمقراطي ، وسحق رموزه .

ولتنفيذ هذه السياسة قامت بترويج خطاب الفوضى وعدم الاستقرار ،وقد ساندتها حملات مدفوعة الأجر على شبكات التواصل الاجتماعي والجمعيات المشبوهة والوكلاء في البلاد التونسية -والغربية ، والملاحظ بان هذه الإستراتيجية تهدف وترمي إلى الفوضى الخلاقة ، وإلى صناعة الحروب أهلية في المنطقة، وتوطين الإرهاب في بلدان العربية ، والحيلولة دون انتقالها إلى الغرب ، ومن جهة أخرى تهدف إلى تبديد ثروات العربية وحرمانهم من الاستفادة منها للنهوض الاقتصادي والعلمي بل والحيلولة دون وضع قطار النهوض العربي على السكة وتهدف كذلك إلى تعطيل القنبلة البشرية العربية التي أقلقت الغرب الذي يرى في نهوض العرب والمسلمين تهديداً للحضارة الغربية، وهؤلاء الشباب المغرر بهم والذين صنعتهم المخابرات الاجنبية والغرف المظلمة ليمتهنوا الإرهاب ودعمتهم على كافة المستويات، لتحويل دول المنطقة العربية إلى بلدان فاشلة ، وهي سياسة صناعة الحروب الأهلية والعمل على إطالة أمدها؛ ولقد عملت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى تحويل الدول المستهدفة إلى دول فاشلة بجدارة، ولم تتردد في صناعة وإنتاج لحروب أهلية تدوم طويلاً، ودون أن تنفق دولاراً واحداً أو تخسر جندياً واحد ،وهي استراتيجية أطلق عليها العسكريين حروب الجيل الرابع لا تمول من مطلقيها، ولا تخوضها جيوش الدولة أو الدول التي خلقتها،ومن متطلباتها أيضا إدامة الحروب الأهلية، تقتضي عدم السماح لأي طرف بتحقيق النصر وسحق الطرف الأخر، لأسباب عديدة تتعلق بحروب الجيل الرابع وما بعدها؛ فالهدف النهائي لهذه الحروب العبثية الإبادة الجماعية للعرب والمسلمين الذين يشكلون خطراً على الغرب والعالم،ولهذا تم استقطاب الشباب التونسي وغيره والرمي بهم بهذه المحرقة التي أكلت الأخضر واليابس.

وفي ظل كل هذه الظروف فشلت الدولة التونسية في الاستجابة للمطالب الاجتماعية، التي اتسع نطاقها وارتفعت مطالبها، وقد وجدت ضالتها وتربتها الخصبة لتطبيق أجندتها، بالتغرير بالشباب التونسي الذي كان ضحية منظومة سياسية وتعليمية واستبدادية، مما سهلا استقطابه وتجنيده وتسفيره إلى ساحات القتال في سوريا والعراق وليبيا، للجهاد في الظاهر ولكن في الباطن لإشعال المنطقة بالحروب الاهلية و لتطبيق مشاريع لاناقة له فيها ولا جمل، مثل مشروع الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، وبعد تمرد تنظيم “القاعدة” الذي انتهت صلاحيته، تأسست منظمة إرهابية جديدة “داعش” تحت إشراف مخابراتي ومنحها اسم “الدولة الإسلامية” لتشويه الإسلام والمسلمين وربطه بالإرهاب والإجرام والسبي والنساء، ووضع حد لانتشار الإسلام في أوروبا والعالم، وقد وصل عدد التونسيين في المناطق الساخنة والحروب إلى أكثر من 6000 شاب وشابة.

لقد شهدت البلاد التونسية نتيجة الفراغ الفكري والثقافي والديني ميلاد نشاط مكثف للحركات السلفية الجهادية، ومن بينها التنظيم المتطرف يعرف “أنصار الشريعة”، وتغلغلت في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة وفي المناطق الداخلية المهمشة، و أفلحت ونجحت في استقطاب عدد من الشباب المعطل، الذي يشكو من ضعف المستوى التعليمي والثقافي والديني وهشاشة نفسية واجتماعية، وقد تم توظيفه في أحداث العنف.

ولابد من معالجة والتصدي لهذه الظاهرة الغربية ، اتخذت الحكومة التونسية منذ سنة 2012 عدة قرارات وإجراءات، للحد من تسفير الشباب التونسي إلى ساحات القتال؛ من قبيل منع الشباب التي تقل أعمارهم عن 35 سنة، وكذلك الفتيات – إلا بترخيص من الولي- من السفر إلى الخارج، ومن أجل إنجاز المصالحة مع الشباب التونسي وفتح صفحة جديدة، منح الدستور التونسي الجديد -الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية التأسيسية يوم 26 جانفي 2014بأغلبية الثلثين- عدة امتيازات ومكتسبات وحقوق للشباب ،واعتبرهم أسس المجتمع وعماده، ومستقبل البلاد وأمانها وازدهارها .

وقد صرح في هذا الاطار الهادي المجدوب وزير الداخلية التونسي السابق لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية أن:”السلطات الأمنية منعت منذ 2012 أكثر من 27 ألفا من الشبان التونسيين المشتبه بهم من السفر إلى مناطق النزاعات المسلحة في الخارج.” ، واعتبر أن منع المشتبه بهم من السفر ،من أهم الحلول التي اعتمدتها الداخلية التونسية للحد من سفر الشباب إلى بؤر التوتر، والتحاقهم بالتنظيمات الإرهابية، وتمكنت أجهزة الأمن التونسي في سنة 2016 من تفكيك 245 خلية تسفير للشباب إلى بؤر التوتر خارج تونس، بينما كان العدد في حدود 100 خلية في سنة 2013، كما أوقف الأمن 517 عنصرا متورطا في هذه الخلايا.

وللتوضيح فقد أصبحت ظاهرة الإرهاب شماعة لتخويف الدول والشعوب وتصفية الحسابات بين بارونات الفساد والمافيا والمخابرات الأجنبية في تونس؛ التي اتهمت باغتيال كل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي ؛للإجهاز وإجهاض الثورة ومسارها الديمقراطي ( انظر في هذا الإطار تصريح الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بأن المخابرات الفرنسية قامت بعدة عمليات للحفاظ على المصالح الفرنسية) ، وكذلك الأمر بشأن عمليتي باردو وسوسة.. والكثير من العمليات الإرهابية التي حدثت بتونس؛ والتي تحتمل العديد من القراءات والتأويلات (تحالف تيار الثورة المضادة والإرهاب) ؛ واستخدمت سياسة العصا والجزرة، على طريقة “من ليس معنا فهو ضدنا”.

جاءت هذه الإحداث في مجملها كعمل منسق وممنهج لوأد المسار الديمقراطي وتدمير الاقتصاد التونسي وخاصة القطاع السياحي، وبث الدعاية المغرضة لتشويه سمعة الشباب التونسي، واتهامه بالإرهاب والإجرام؛ و اتهمت الفتاة التونسية في شرفها من خلال الترويج الإعلامي لموضوع “جهاد النكاح” ( لا وجود له في الكتابات الإسلامية )،و لضرب وتشويه المفهوم السامي للجهاد بكونه دفاع عن كرامة ضد الأعداء الخارجيين، وقد عملت الحكومة التونسية على استدراك الوضع ،خاصة ما تعلق منه بالتكفل بمشكلة الشباب ومعالجة التطرف؛ عبر آليات إدماج هذه الفئة، واقترحت على مجلس الشعب التونسي قانون التوبة، لمعالجة قضية الإرهاب وعودة التونسيين من المناطق الساخنة، والذي مازال يراوح مكانه في ظل رفضه من قبل بعض الجمعيات والنقابات ذات التوجه العلماني اليساري خاصة، وضمن هذا ننوه وندعو للاستفادة من تجارب الأشقاء الجزائريين والمغاربة في بناء المصالحة الوطنية.

ثالثا -المقترحات والحلول

في نهاية هذا البحث ،نبدي الملاحظة بتعقد وتشبك أسباب ظاهرة التطرف لدى الشباب التونسي، ووجود أسباب داخلية وخارجية ،ساهمت في استفحال الظاهرة تطرفا وإرهابا، ونقترح تفكيك الظاهرة ، بخريطة طريق التالية:

إحداث مراجعة شاملة للمسار السياسي والمجتمعي وتقييمها،والاجتهاد في استخلاص النتائج والدروس الممكنة ،لإعداد استراتيجية ضمن قراءة استشرافية، لواقع المجتمع والراهن من حولنا ،والشروع في خريطة طريق واضحة المعالم ،وبتقديم الحلول المتاحة ضمن رؤية علمية متكاملة غير مجزأة للظاهرة، ونعتقد أن في مقدم هذه خطوات ، العمل على إحياء القيم المجتمعية التونسية الأصيلة؛ تلك التي تقوم على نبذ العنف ،وتحيي قيم التسامح والتعايش المشترك بين مكوناته وفئاته ،وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدينية ،المتمثلة في كل من الزوايا والطرق الصوفية (لكن شريطة تحديثها لتلائم العصر ونزع كل ما ألصق بها من شوائب وانحرافات)، وإصلاح المناهج و البرامج البيداغوجية لجامعة الزيتونة ،المتخصصة في التعليم الديني وإعادة الاعتبار اليها ، ونشر الإسلام المعتدل المتصالح مع عصره وبيئته، وإصلاح وزارة الشؤون الدينية، وإحداث المعهد العالي لتكوين الأئمة والوعاظ، وإعادة مؤسسة الأوقاف والأحباس الى سالف نشاطها ، وبعث وتاسيس مؤسسة الزكاة اوصندوق الفقراء وإدخالها في الدورة الاقتصادية ،والدراسة والتعمق في مدرسة الفقه المقاصدي للإمام الشاطبي اﻷندلسي وقد كتب فيه كل من الشيخ الفاضل محمد الطاهر بن عاشور وابنه الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، وبضرورة التعمق فيه وتطويره الفقه واقتراحه كمدخلا للحداثة العربية الإسلامية، والشروع في إعداد خطة وبرنامج لإصلاح المنظومة التربوية، باعتماد معايير الجودة في المناهج والبرامج التعليمية، ومصالحتها مع الهوية ، ضمن المزاوجة بين الحداثة والأصالة العربية الإسلامية.

الخاتمة

و أخيرا وليس آخرا، ولابد من خريطة طريق تتمثل في العمل على تجذير الفكر والممارسة الديمقراطية ومبدأ التداول السلمي على السلطة، وعلى كفالة حقوق الإنسان، وتوطين دولة المواطنة واعتماد الحوكمة الرشيدة، وتعزيز تحقيق العدالة بين الجهات باقتراح بديل تنموي جديد، ودعم مكافحة الفساد والتخلص من المحسوبية والرشوة، و بالموازاة مع ذلك، لابد من العمل على تشجيع الشباب على الاندماج الاجتماعي والتفاعل مع مشكلته، إيجابا من خلال انخراطه و تأطيره في العمل الجمعوي والنقابي والنشاط الحزبي السياسي، وتبني الحوار معهم، والحد من هجرة الكفاءات والهجرة السرية ولنا في تجربة المصالحة الجزائرية والمغربية والأوروبية، خير حافز على تعزيز هذا التوجه لصالح شبابنا، والسعي لخلق وتوفير مناصب الشغل ودفع مناخ الاستثمار لصالح الشباب ومنحهم الأولوية؛ سعيا لكسبهم واندماجهم ومساهمتهم في بناء المستقبل الواعد لهم، وللمجتمع التونسي .

*دكتور حبيب حسن اللولب/ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ورئيس جمعية البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

محمد أوزين وجهة نظر

بين قضايا الأمم وقضايا الحكام

وجهة نظر

عملية تمديد الجدار العسكري المغربي بالصحرء.. الفرضيات المتداولة والسيناريوهات المحتملة

محمد حمداني وجهة نظر

زمن الكورونا ومُساءلة المُسلَّمات

تابعنا على