وجهة نظر

الملعب السياسي: قواعده أسهل من قواعد كرة القدم

الترحال السياسي أسهل ممارسة من الترحال الرياضي. فالأول قديم و سماسرته اكتشفوا مستوى ربحيته المالية و السياساوية منذ سنين. المشرفون على سوق الانتقالات السياسي كانوا أصحاب خريطة ووسائل لتحديد معالمها. يعلم الجميع أن هذه السوق بدأت منذ إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم و زادت قوتها مع تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية سنة 1963 و التي تزعمها احمد رضى كديرة المستشار السابق للمرحوم الحسن الثاني و ثنائي الحركة الشعبية المرحومين د الخطيب و أحرضان بالإضافة إلى بعض قيادات حزب الشورى. و أستمر سوق الانتقالات السياسي مع ظهور موجة الأحزاب الإدارية منذ 1977 إلى أن ظهر نوع جديد من الاستقطاب مع تأسيس حزب الأصالة و المعاصرة. و كان كل الفضل لهذا الحزب الذي إستطاع أن يؤلف قلوب الأضداد من يميني إلى يساري إلى ملاك أراضي إلى برجوازي إلى مثقفين على الهامش، و اللائحة تطول.

كرة القدم تطورت قواعدها و دخلت عالم الإحتراف و أصبح عقد العمل فيها عنوان الإنتماء و الحكم فيها محكوم بالرجوع إلى “محكمة ” ترى ما لا يراه من براهين ووسائل إثبات. و هكذا أصبحت كرة القدم أكثر شفافية و أصبحت أسواقها كرحلة الشتاء و الصيف. و ظلت سوق السياسة تراوح مكانها لأن اللاعبين و سماسرتهم أو من يتكلفون بتدبير مساراتهم أكبر من الإجراءات التي تهدف إلى تأطير لعبتهم. و سادت ثقافة الاستقطاب من طرف الجميع. و هكذا يقول الحزب المستفيد من الاستقطاب أنه عزز قواعده بمجموعة من الأطر التي اكتشفت توافقها مع ارضيته و تاريخه النضالي. و يصدر بلاغ من حزب آخر يشجب من خلاله الممارسات غير الأخلاقية للحزب الذي يغري الآخرين بالالتحاق بصفوفه. الصور واضحة و لا تحتاج إلى فوطوشوب. يساريين من حركات “الى الأمام و 23 مارس ” و بعض الأحزاب الوطنية التقليدية دخلوا سوق الترحال ووجدوا له كل المبررات.

و لعل الصخب الذي صاحب القوانين المنظمة للغرفتين التشريعيتين و قوانين الإنتخابات يشتركون في قاسم مشترك هو السعي إلى تنظيم سوق الترحال أو الانتقالات السياسي. و هكذا أصبح للحزب القدرة في إيقاف الانتداب السياسي لبرلماني خضع لاغراء اللعب مع حزب آخر. و لكن اللاعب في السياسية قد يتجاوز ذكاؤه لاعب كرة القدم. قد يتظاهر بالانضباط لخطة المدرب و يستمر في اللعب إلى غاية اقتراب نهاية المباراة أو الدورة التشريعية. و بعدها يحمل حقيبته للانتقال بكل هدوء و دون إخلال بالقواعد. و طيلة مدة الشوط الثاني ، قد يخوض التداريب مع فريقه المقبل في جنح الظلام و يجالس الزعماء و يؤدي القسم و يحصل، في بعض الأحيان، على مقدم من مبلغ المنحة.

مع اقتراب موعد الانتخابات لن يزيد تأطير أخلاق العمل السياسي الارادي إلا في زيادة ذكاء من يتحكمون في تقنيات سوق الإنتخابات و من يتفوقون على مسيري كرة القدم في تدبير سوق الانتقالات. المشكلة أعمق بكثير من مجرد وضع حواجز على الطريق، إنها في عمق إختيار الرفيق قبل الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *