مجتمع

حكم قضائي يبطل إنذارا مكتوبا بالعربية يثير جدلا.. والودغيري: نقتل كل مشاعر العزة والكرامة فينا

04 مايو 2021 - 15:30

أثار حكم أصدرته محكمة الاستئناف بالرباط، مؤخرا، يقضي ببطلان حكم ابتدائي كان يقضى بإفراغ محل تستأجره سيدة حاملة للجنسية الفرنسية، بحجة أن الإنذار الموجه إليها من صاحب الملك مكتوبٌ باللغة العربية التي تجهلها، (أثار) جدلا كبيرا بين النشطاء المدافعين عن اللغة العربية بالمغرب.

واعتبر أكادميان مغربيان متخصصان في اللغة العربية، أن هذا الحكم بمثابة عقاب لمواطن بسب استعماله اللغة الرسمية لبلاده، مستغربان “قتل كل مشاعر العزة والكرامة في المغاربة”، محذران من استمرار “الشرعنة والتقنين والانتصار للوبي الفرنكفوني ضد كل ثوابت الدولة الهوياتية”.

وفي هذا الصدد، اعتبر الأكاديمي واللغوي المغربي، عبد العلي الودغيري، أن الحكم الاستئنافي المذكور كانت نتيجته خسارة المشتكِي المطالِب بالإفراغ لقضيته وضياع حقّه الثابت عدلاً وشرعًا، وعُوقِب هذا النوع من العقاب لمجرد استعماله اللغة الرسمية لبلاده الموجود فيها، وفق تعبيره.

الودغيري الفائز بجائزة اللغة العربية والأدب لعام 2019، وبجائزة “الألكسو-الشارقة” في دورتها الثانية في فئة الدراسات المعجمية، قال في مقال له، توصلت به جريدة “العمق”، إن هناك أسئلة وإشكالات قانونية ومنطقية ولغوية كثيرة يطرحها مثل هذا القرار القضائي الغريب من نوعه.

وتساءل: “هل هذا الحكم الذي سوف يصبح مرجعًا للاجتهاد القضائي في المغرب، وتقاس عليه نوازل وأحكام مشابهة من الآن فصاعدا، خاصّ بالتعامل مع الفرنسيّين المقيمين بالمغرب؟، أم أن مفعوله سوف يمتد ليشمل أيضا المغاربة الحاملين للجنسية الفرنسية؟.”

وحذر من أن ذلك قد “يفتح الباب أمام كل مغربي تعلَّم في المدارس الأجنبية (ولاسيما مدارس البعثة الفرنسية)، أو نشأ في بلد أجنبي لمدة طويلة، أن يدعي أنه لا يعرف العربية المكتوبة التي تحرّر بها الإشعارات والإنذارات والعقود والالتزامات، فيحكَم له بنفس الحكم في النوازل المشابهة”.

وأضاف الأستاذ الجامعي سابقا بجامعتي الرباط وفاس، بالقول: “هل المغربي المقيم فوق أرضه ووطنه مجبَرٌ على إتقان الفرنسية كلما أراد التعامل مع فرنسي وافد عليه أو حتى مع حامل للجنسية الفرنسية ولو كان واحدا من أبنائه؟”، وفق تعبيره.

ويرى أنه “إذا كان من المنطقي أن لا يشمل مثل هذا الحكم الفرنسيّين الأصليّين والمجنَّسين وحدهم، وإنما هو حكم عام شامل لكل الأجانب المقيمين بالمغرب، فهل سيكون المغاربة مطالبين من الآن فصاعداً، بمخاطبة كل أجنبي مقيم على أرضهم بلغته الخاصة في المنازعات القضائية والمسائل الرسمية والإدارية، فيخاطبون الروسي بالروسية، والصيني بالصينية، والياباني باليابانية، والكوري بالكورية، والبرتغالي بالبرتغالية، والهندي بالهندية… وإلا عمد القضاء لإبطال مفعول كل شكوى مقدَّمة ضدهم بالعربية التي لا يفهمونها”.

وتابع: “تصوروا أن كل شخص أجنبي مقيم بالمغرب سوف يصبح بإمكانه منذ اليوم، أن يرفض كل إشعار أو إنذار أو شكوى أو خطاب موجّه إليه من شركة اتصالات المغرب، أو شركة الماء والكهرباء، أو مصلحة الضرائب، أو من إدارة الأمن، أو من مصلحة بلدية أو إدارية معينة، أو أية جهة أخرى رسمية أو غير رسمية، أو حتى من شرطي استوقفه ليحرّر له محضر مخالفة في حركة سير، بدعوى أنه غير مكتوب باللغة التي يفهمها؟”.

وتساءل في هذا الصدد قائلا: “هل من المنطقي أن يُلزَم المواطنُ المغربي الموجود داخل أرضه وبلاده، بالتعامل قانونيا مع الوافد الغريب بلغته الأجنبية في القضايا المشابهة، مباشرةً أو عن طريق مترجم، عوض أن يُلزَم الأجنبيُّ الوافد بالتعامل مع مُواطني الدولة التي يحلّ بها بلغتهم الوطنية والرسمية، علما بأن القوانين والأعراف الدولية، عادةً ما تُلزِم الأجنبي الوافد باحترام قوانين البلد الذي يزوره ويقيم فيه”.

وشدد على أن “العربية في حالتنا هذه هي لغة دستورية قانونية للمغرب، والمفروض في سلطتنا القضائية والتنفيذية أن تحمي هذا الحق الدستوري والسيادي للمواطن المغربي، أي حقّه في استعمال لغته الوطنية والرسمية داخل حدود بلده الترابية في كل أمر يهمه، وليس مجبَرًا على التعامل مع الوافد على بلاده بلغة أجنبية مهما كان شأنها”.

وافترض الودغيري أنه لو “عكسنا الصورة، وافترضنا أن مواطنا مغربيا مقيمًا في فرنسا، نزلت به هذه النازلة نفسها، بأن يكون قد توصل بإشعار بالإفراغ مكتوب بالفرنسية، هل سيحكم القضاء الفرنسي لصالح هذا المواطن إذا ادَّعى أنه لا يعرف الفرنسية؟”، وفق تعبيره.

الباحث المغربي الذي يُعد واحدا من بين 300 خبير عربي ممن عملوا على إنجاز معجم الدوحة التاريخي، تساءل في مقاله: “لماذا نلجأ نحن دائمًا إلى استصغار أنفسنا وتحقيرها واستضعافها وقتل كل مشاعر العزة والكرامة فيها، بما لا يزيدنا إلا ضعفا وهوانا أمام الآخرين؟”.

وشدد على أن “مسألة اللغة الوطنية ليست مسألة عابرة أو ثانوية يمكن التعامل معها دون ربطها بسيادة البلاد العليا التي يجب أن تُحصَّن وتقدَّس، كما تُحصَّن وتقدَّس كل رموز السيادة الوطنية الأخرى كالعلَم والدستور والحدود الترابية”.

“الفوضى اللغوية”

من جانبه، اعتبر رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، فؤاد بوعلي، أن هذا الحكم “ينبغي ألا يقرأ في إطاره القضائي القانوني الضيق بل في سياق شرعنة الفوضى اللغوية التي انتقلت من مستواها العرفي في الشارع والإدارة إلى مستوى قانوني منصوص عليه في الوثائق والمواد القانونية”.

وقال بوعلي في مقال له، توصلت به جريدة “العمق”: “إذا كان الدستور، في فلتة تاريخية “ندم” عليها أصحابها فيما بعد، قد تحدث عن اللغتين الرسميتين وعن مجلس للغات ينظم ويدبر السياسة اللغوية للبلد بحيث تأخذ كل لغة رسمية وظيفتها الطبيعية في التخاطب الرسمي، فإن الإصدارات اللاحقة تبرز أن سادة الشأن العام ماضون في ترسيخ الفوضى والتسيب اللغويين”.

وأضاف: “بعد القانون الإطار ومذكرات التنزيل التي تضرب كل نصوص الدستور وثوابت الدولة والمدرسة العمومية، والحرب على العربية في الشارع والإعلام والمؤسسات الرسمية، ومع الهيمنة الفرنكفونية الواضحة على مقدرات البلد الثقافية والعلمية والاقتصادية، يأتي هذا الحكم ليضيف ثلما جديدا في جدار السيادة اللغوية للبلاد”.

ويرى أن “هذا الحكم الغريب والمثير بني، عن وعي أو غير وعي، على فرضية التماهي بين اللغة والحق الفردي الذي تعتمده دول مثل كندا. حيث الدولة ترضخ للمطالب اللغوية للفرد، فعلى المرفق العمومي أن يتعامل مع الفرد بلغته الشخصية (فرنسية أو إنجليزية). وهذا يعني أنه على الدولة التعامل مع كل المواطن بلغته الخاصة. فهل هذا هو اختيار الدولة المغربية أم أنه مجرد اجتهاد قضائي محصور في حالته الخاصة؟ الجواب يحدد الوجهة”.

وأشار إلى أن “كل الدول تتعامل في تدبيرها اللغوي واختيار لغة التعامل والتواصل مع المواطن الذي يحمل الجنسية الوطنية للدولة وليس مع المقيم. فالدولة التي تحترم نفسها وسيادتها تجعل المواطن هو صلب السياسة اللغوية، لكن الحكم غير المعادلة في زمن الفوضى حيث غدا المقيم الأجنبي هو الذي يحدد طبيعة السياسة اللغوية ويرسم معالمها. مما يعني أننا أمام حالة ارتهان لغوي للآت من خارج الوطن”.

وبناء على ذلك، يقول بوعلي، “فباعتبار اللغة عنصرا من عناصر التدبير السياسي للدولة، يمكننا استنتاج أن الذي يحدد سياسة الدولة ومشاريعها وإجراءاتها ليس المواطن المغيب فعلا وقوة بل هو الأجنبي. لذا يفرض على المقاولات المغربية أن تكون في خدمة الأجنبي وليس المواطن”.

واعتبر أن هذا الحكم ينقض الحكم السابق الذي أجبر ادارة الضرائب تعريب وثائقها بعد دعوى قضائية تقدم بها النقيب عبد الرحمن بن عمرو للمحكمة الادارية بالرباط. كما سبق للمحكمة الإدارية إلغاء قرار لوزارة الصحة بالمملكة كُتب باللغة الفرنسية، معتبرة في استخدام اللغة الفرنسية من قبل الإدارات الحكومية، عملاً “مخالفًا للدستور”.

وجاء في نص الحكم حينها، أن “القرارات الإدارية المحررة باللغة الفرنسية تعد غير مشروعة، لأنها مخالفة للدستور، ومشوبة بعيب المخالفة الجسيمة للقانون، ومآلها الإلغاء من طرف القضاء الإداري”، وهو ما جعل بوعلي يتساءل: “فهل هذا تناقض في الأحكام القضائية أم هو تراجع ونكوص أم تطبيع مع مسار فرض الفرنسية في الواقع المؤسساتي المغربي؟”.

وأضاف بالقول: “إن كان هذا الأجنبي من أي دولة ينبغي أن يخاطب بلغته الخاصة أم أن الأمر خاص بالفرنسيين؟ فالمغرب بحكم انفتاحه على العالم تقيم فيه العديد من الجنسيات من إفريقيا وآسيا وأوروبا، فهل يعني أننا ينبغي أن نخاطب كل واحد بلغته فنغدو أمام فسيفساء لغوية غير محدودة ولا قابلة للحصر؟”.

وشدد على أن “خطورة هذا الحكم تتمثل في أن القضاء كان على الدوام قلعة الدفاع عن التعريب والعربية، ومع هذا المستجد نكون قد محونا تاريخا طويلا من العمل القضائي، حيث ينتقل بنا الحدث من مرحلة التعامل العرفي مع الفوضى اللغوية إلى الشرعنة والتقنين والانتصار للوبي الفرنكفوني ضد كل ثوابت الدولة الهوياتية”.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مجتمع

برلمانيون يطالبون أمزازي بتمديد فترة التسجيل عبر مسطحة منحتي

مجتمع

خاص .. مغربيات محتجزات بمخيم “الهول” يتأهبن لمغادرته نحو المغرب

مجتمع

بسبب “اختلالات كبيرة”.. قرار بتعويض وكالات توزيع الماء بشركات جهوية

تابعنا على