قهوة نص نص منتدى القراء

“وسعوا قشابتكم”

04 مايو 2021 - 11:21

دعت هيئات مهنية و نقابية إلى وقف أعمال كوميدية، تبث في القنوات التلفزية المغربية، بمبرر أنها تتضمن إساءة للمهن التي تمثلها الهيئات السالفة الذكر.

حرّكَت السلسلة الكوميدية ” قهوة نص نص” مشاعر الغضب لدى هيئة المُحامين، وصلت إلى ردهات المحكمة التي طالبت الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة بوقف بث حلقات السلسلة الكوميدية، و التي اعتبرت الدور الذي تؤديه الفنانة “بديعة الصنهاجي” فيه مساس بمهنة المحاماة و مكانتها الاعتبارية.

لم يتوقف الغضب عند هذه الهيئة فقط، فقد دعا المكتب النقابي الممثل للسككيين إلى وقف حلقات سلسلة “كلنا مغاربة”، لما تحملُه من إساءة و احتقار لفئة السككيين.

انخرطت فئة الممرضات في هذا السباق المحموم نحوَ الدعوة إلى منع بعض الأعمال الفنية عن العرض، بدعوى أن مسلسل ” بنات العساس” يتضمن مشاهد حاطة من قيمة الممرضة.

تذكرني هذه الحملة التي تشنها مختلف الهيئات كل شهر رمضان على مُختلف الانتاجات الرمضانية، بالمُضايقات التي كانت تشن على المبدعين و الكتاب في مرحلة من مراحل التاريخ السياسي المغربي المُظلم الذي كانَ مشوبا بالقمع و الرقابة، بحيث منعت أفلام من العرض، صودرت كتب لدواع دينية و أخلاقية…جُمعت جرائد من الأكشاك بمجرد صدورها.

لكن الدولة بأجهزتها صارت أكثر انفتاحا و تقبلا للانتقاد أكثر من حراس المهن الذين لا يودون أن تمس مهنهم حتى فنيا، رغمَ أن الفن في ماهيته و غايته لا يسعى إلى الإساءة لأحد، بقدر ما يسعى إلى الكشف عن مواطن الخلل في الإنسان، كيف ما كانت مهنته و درجته و رتبته الاجتماعية.

من أين تأتينا الحموضة إذن؟، إن الجواب تتضمنه هذه المبادرات التي تسعى إلى وضع صنوف من الخطوط الحمراء و الخضراء…مما يفرض على الفنانين و المخرجين الخوض في مواضيع هامشية و متجاوزة تتجسد في السخرية من لكنة البدوي و لباسه…

الغريب في كل هذا المسخ، أن الطبقة التي تحتج ضد هذه الأعمال لها من الرصيد الثقافي و المعرفي ما يؤهلها أن تكون متفهمة لماهية و رسالة الفن حتى يكون صدرها رحبا…و المثير للغرابة؛ أن المحامين الذين تشبعوا بقيم الحق والحرية و باقي القيم الكونية، من ضمنها حرية التعبير و الإبداع، يناقضون المبادئ التي يدافعون عنها ليلَ نهار، بمحاولة ثني فنانين على أداءٍ رسالتهم.

يا أيها المحامون، أيتها الممرضان، أيها السككيون،” وسعوا من قشابتكم” أكثر من اللازم، فلا مهنة و لا حرفة مقدسة،“كل شيء يمكن أن يكون فنا” على لسان” آرثر دانتو” في كتابه “بعد نهاية الفن”، فهذا هو جوهر الفن؛ أن يقدمن افي حالتنا المشوهة و يكشف زلاتنا و أخطائنا و هفواتنا و تناقضننا، إن كان سيقدمنا للمشاهد كما نريد، فهذا ليسَ إبداعا.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

منتدى القراء

رواية جديدة للكبير الداديسي

منتدى القراء

الحركة الوطنية والتنظير لمصطلح الإسلام الأمازيغي.. أية مقاربة فكرية وسياسية؟ الجزء الرابع

منتدى القراء

تحليل مدينة الألف وجه بألف وجه

تابعنا على