https://al3omk.com/64862.html

قراءة نقدية في المادة 156 من مدونة الأسرة

في إطار مسلسل تحديث المنظومة التشريعية المغربية اصدر المشرع المغربي في الثالث من فبراير 2004 مدونة الأسرة بموجب القانون رقم 70.03، والتي شكلت حدثا بارزا في مغرب الألفية الثالثة اكتنز في طياته التحولات الاجتماعية والدينامية السياسية التي بصمت بنية المجتمع المغربي.

وإذا كانت المدونة قد أتت بمشروع متكامل، يؤسس لثقافة مجتمعية جديدة ،فان مرور أكثر من عشر سنوات من تطبيقها قد عرفت إشكالات أظهرت الحاجة إلى المزيد من الجهد من اجل رصد الحصيلة الكمية والكيفية لتطبيق مدونة الأسرة وتليين الصعوبات التي تكتنف عمل أقسام قضاء الأسرة خصوصا تجاه قضية تعتبر من الأهمية بمكان ويتعلق الأمر بموضوع التكيف العملي للمادة 156 من مدونة الأسرة التي تناولت إثبات النسب للشبهة الذي يعتبر مدخلا من مداخل استقرار المراكز القانونية للأفراد داخل المجتمع. وعرفت المادة 150 النسب” لحمة شرعية بين الأب وولده تنتقل من السلف إلى الخلف.”

ونظرا لأهمية النسب ولارتباطه الوطيد بقضايا المجتمع ،على أن قضايا النسب أصبحت تشكل اغلب الدعاوى المعروضة على القضاء الأسري و مايتره من إشكالات عملية لتباين الأحكام القضائية بخصوص قضية إثبات النسب بالشبهة وفق المادة 156 من نفس المدونة التي نصت على إثبات النسب بالشبهة في الخطوبة : إذا تمت الخطوية ، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة ، ينسب للخاطب للشبهة إذا توفرت الشروط التالية :

-إذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء.
– إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة.
– إذا اقر الخطيبان أن الحمل منهما.

تتم معاينة الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن، إذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب.

ففي إطار المادة 5 من المدونة اعتبرت الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج …. ، فإلى حدود هذا النص القانوني تبقى الخطبة مجرد مقدمة لإبرام العقد المسمى بالزواج، حيث يتجلى من حق الطرفين معا أن يعدلا أو احدهما عنها بدون تعويض ما عدا في حالة الضرر.

لكن الفصل 156 من المدونة جاء فيه انه في الحالة التي تتم الخطبة ولا يبرم عقد الزواج ويتحقق حمل فينسب للخاطب المولود إذا توفرت الشروط المنصوص عليها في هذا الفصل واقر الخاطب بنسبة الحمل إليه .

إن المقتضى القانوني أتى بالجديد وهو أن الخطبة غدت بدورها تثبت النسب وبوسع طرفيها إذا حافظا على الشروط أن يلزما القضاء بضرورة نسبة الابن للخاطب بل انه في حالة عدم وجود أية منازعة فلا موجب لسلوك المسطرة القضائية .

لكن هذا النص طرح على المستوى العملي عدة إشكاليات و سنحاول تأطير أبرزها مبرزين وجهة نظرنا من خلال قراءتنا لهذه المادة.
ما هي الصعوبات التي تطرحها شروط المادة 156؟ وهل هذه المادة قابلة للتطبيق عمليا ؟ وكيف يمكن تكيفها على ارض الواقع؟
من خلا الإشكالية التي يتمحور حولها هذا الموضوع تتمثل في المشاكل التي تقدمها هذه المادة أكثر من الحلول المرجوة منها وتتمثل في مجموعة من التغارات التي قد يلجا إليها الخاطب أو الزوج أو في بعض الأحوال وكذلك من خلال المصطلحات الواردة فيها ولمعالجة هذه الإشكالية سنتناول بالدرس والتحليل كل شرط على حدة.

أولا : اذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما، ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء.

من خلال قراءتنا لهذا الشرط يتبين لنا انه مستحيل التطبيق على ارض الواقع،بحيث يلاحظ أن المشرع اعتبر إشهار الخطبة بين أسرتيهما شرط، ولهذا يكون المشرع أتى بشرط جديد في الخطبة غير موجود في نظام الخطبة وهو إشهار الخطبة بين الأسرتين ،ولذلك نفترض جدلاً أن المخطوبة قد تحمل وتتم الخطبة مع إشهارها وتأتي أم الخاطب وتقول ليس لها علم بهذه الخطوبة بمعنى تنكر وهذا واقع ،بحيث تقريبا 90 في المائة من الحالات في مجتمعنا عندما تحمل المخطوبة يلجأ الخاطب إلى نافذة الحيل التي تفتحها هذه المادة في وجهه لأن الخاطب غالباً ما يقول انه فسخ الخطبة بعد أيام على فترة الخطبة ويقوم بشراء الشهود ،وبالتالي يؤيدون طرحه مما يفرغ هذا الشرط من قيمته.

والملاحظة الثانية في هذا الشرط تتعلق بموافقة الولي بمعنى المخطوبة قاصر قياساً على السن المتطلب في الزواج. وهنا نجزم بان المشرع وقع له اضطراب في الصياغة وكأنه يتحدث عن الزواج والحال أن المخطوبة ليست زوجة وإنما هي فقط خطيبة.

ونحن نعلم جميعاً أن المشرع لم يحدد سن معين في الخطوبة، مما يجوز عمليا للأطفال آن يمارسوا هذا الحق مادام المشرع يجزه، فليس هناك ما يمنع ممارسة هذا الحق من قبل الأطفال الذين تبلغ أعمارهم اثني عشر سنة فما فوق، مما يجعلنا أمام مؤسسة زواج الأطفال، فعدم تحديد السن في الخطبة يتنافى مع إرادة المشرع الأسري التي نصت صراحة على الإذن في الزواج لمن تقل أعمارهم عن ثمانية عشر سنة. فقد يفضل من لا يتوفر على السن القانوني المتطلب في الزواج الاكتفاء بالخطبة وانتظار المولود الشرعي الناتج عنها مادام انه يستفيد من مقتضيات المادة 156 التي تمكن نسبة الابن للخاطب في حالة توفر الشروط بأكملها ومن المستحيل آن تتحقق عمليا بأكملها .

ثانيا : إ ذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة. هذا الشرط عمليا قد يفتح باب سوء نية الخاطب أمام مخطوبته كيف ذلك؟ قد يكون الخطيبان مخطبين لمدة سنتين ويأتي الخاطب ويقول بأنه فسخ الخطبة لمدة تزيد عن سنة ونصف مع إحضار الشهود مثلاً. وإما قد يقوم بإبعاد تاريخ الخطوبة مثلاً كأن يقول كانت الخطبة في فاتح ماي 2014 والمخطوبة ولدت مثلاً في في 1 مارس 2015 أو كأن يقول تمت خطوبتها في 15 دجنبر 2014 مما يتبين أن الحمل قد حصل قبل الخطوبة أو بعد الخطوبة ،والحال يجب أن يثبت الحمل انه قد تم أثناء الخطوبة أي داخل الخطوبة وليس قبل الخطوبة، وبالتالي يضع الطرفين في إشكالية معقدة وهي وسائل إثبات النسب كما سنرى ذلك لاحقاً.

ثالثا : إذا أقر الخطيبان أن الحمل منهما؛ من الناحية العملية أيضاً هناك العديد من الحالات التي ينكر فيها الخاطب الخطبة عند حمل المخطوبة، رغم ذلك يتدخل الناس ويقنعه بإبرام عقد الزواج قبل ولادة المخطوبة وبعد ذلك يلجأ إلى سلوك مسطرة الزواج التي تتطلب مدة معينة وهنا يطرح التساؤل هل المشكل تم حله فعلاً أم تم تعقيده؟ في نظرنا أن المشكل تعقد أكثر مما كان عليه لماذا؟ لأن الخاطب بمجرد علمه بان مخطوبته حامل يقوم بالفرار ويختفي عن الأنظار لمدة معينة لنفترض شهر مثلا وعند ظهوره يضغط عليه الناس للزواج بمخطوبته الحامل ،ويشرع في تهيئ ملف الزواج وهذا الأخير يتطلب مدة معينة تتراوح بين 15 او30 يوما على وضعه في المحكمة لكي يدرسه القاضي المكلف بالزواج ، وهنا القاضي قد يوافق أو لا يوافق ،إذا قمنا باحتساب هذه المدد نجد أن مدة الحمل وصلت إلى الشهر السابع ، لنفترض انه تم الزواج وبعد انصرام مدة شهرين على إبرام عقد الزواج ولدت، وهنا يطرح مشكل آخر عندما يريد الزوج تسجيل المولود في دفتر الحالة المدنية. في الواقع عادة أن ضابط الحالة المدنية يرفض التسجيل لان اقل مدة الحمل هي ستة أشهر، مما يضطر اللجوء إلى المحكمة هنا القاضي يقول في هذا الأمر انه ابن الزنا ،وفي هذا قد يدخل القانون الجنائي على الخط .

قد نتصور أيضا في هذه الحالة أن الزوجة قد تذهب إلى منطقة بعيدة في البادية وتبقى فيها لمدة معينة مثلا خمسة أو ستة أشهر لكي تكمل ستة أشهر ما بين تاريخ الزواج وتاريخ الولادة وتصرح بأنها ولدت أمس البارحة، ولكن هنا القانون الجنائي يعاقب على ذلك .والسؤال المطروح هنا ما هو الحل في هذه الفرضية؟ الحل القانوني في هذه الحالة هو المادة 16من مدونة الأسرة التي تنص على إثبات عقد الزواج ولا مجال لإعمال المادة 156 في هذه الفرضية.

قد يقول البعض أن هناك وسائل الإثبات ومنها الخبرة الطبية، منذ البداية نجزم في هذا الطرح أن الخبرة الطبية لا يمكن اللجوء إليها إلا بأمر قضائي يقضي بإجراء خبرة طبية إضافة إلى ذلك عند طلب الخبرة الطبية من القاضي يرفض ،لماذا ؟ لان النص يقول إذا أنكر الخاطب يتم اللجوء إلى الوسائل الشرعية لوسائل الإثبات. أكثر من هذا لنفترض أيضا أن القاضي أمر بإجراء خبرة طبية وقام الطبيب بذلك ووجد هذا الطفل ابن فلان، وبالتالي يتبين لنا نحن أمام مادة لا علاقة لها بالواقع ويستحيل تطبيقها عمليا.

رابعا : الظروف القاهرة هي تلك الظروف التي تتمثل في الزلازل والفيضانات والكوارث الطبيعية بصفة عامة والأحداث الفجائية ولكن مدة هذه الظروف القاهرة عمليا تستغرق فقط أسبوع أو أسبوعين أو شهر على ابعد تقدير. وفي هذا السياق طرحت نازلة على المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ، أن الخطيبان لمدة خمس سنوات وهما مخطبين فحملت المخطوبة فتراجع الخاطب وبحسن نية والقاضي في هذه النازلة استشكل الأمر فسأل الخاطب لماذا لم توثق عقد الزواج؟ فأجابه الخاطب بان لديه ظرف قاهر هو زوجته الأولى لم توافق على زواجه بالمرأة الثانية وهذه الخطوبة في علم أهله وأهل مخطوبته هذا حقيقة ظرف شخصي وليس ظرف قاهر.

ففي نظرنا حتى ولم توافق الزوجة على التعدد بكل بساطة لا يعتبر ظرفا قاهرا والغريب في هذه النازلة هو أن المحامي رفع مقال الدعوى وفق مقتضيات المادة 156اي إثبات النسب بالشبهة، وتحاشى المادة 16 لإثبات عقد الزواج ،فرفضت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء إثبات النسب بالشبهة علما أن شروط المادة 156 متوفرة باستثناء الظرف القاهر ،وأكثر من هذا قد يتابعان بالخيانة الزوجية والفساد وفق مقتضيات القانون الجنائي .

وقد تكون هذه المادة بديل لمسطرة التعدد مغلفة بالحيل لأنه بالرغم من تقيد مسطرة التعدد بشروط للحد من تعدد الزوجات، فإن طالب التعدد في حالة رفض طلبه فإنه يلجأ إلى التعدد الفعلي عن طريق إجراء خطبة وتبادل الإيجاب والقبول مع المخطوبة وإنجاب الأبناء ثم يلجأ بعدها إلى إثبات نسبهم في إطار المادة 156من مدونة الأسرة، ويعتبر عدم توثيق عقد الزواج هو تعذر حصول الخاطب على إذن بالتعدد لزواجه من أخرى ،حيث يتم اعتماده ظرفا قاهرا مما يؤدي هذا الأمر إلى تضارب في الأحكام. 

من خلال تحليلنا لهذه الشروط يتبين لنا أن هذه المادة يستحيل تطبيقها عمليا ،غير إنها تفتح باب المشاكل في وجه الزوجات غالبا يستغلها الأزواج عند رغبتهم في التعدد والخاطب في ممارسته لأفعاله الذكورية

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك