وجهة نظر

إرادة إصلاح القضاء: هل من مزيد ؟

19 مايو 2021 - 09:51

العدل أساس الملك، جملة ذات ثقل عظيم تداولها الزهاد و الفقهاء و ممارسو السياسة منذ قديم الزمن. القضاء العادل ارتبط على الدوام بالسلطة و المال ارتباطا سببيا و كثيرة هي الحالات التي نال فيها القاضي إحترام الأمير و أبتعد فيها الحكم بالحق عن هيمنة المال. القاضي العادل يحمل النور في واضحة النهار و يبني أسس الإستقرار و يقوي الشعور بالأمان و يعضد بنيان الدولة بسلاح الأمانة و العلم و نكران الذات. بلادنا فتحت خلال السنين الأخيرة اوراشا نجحت في بعضها و تعثرت خطواتها على صخور فساد عسير على إرادة الإصلاح إذا لم تكن عنيدة و قادرة على كسر الحواجز كيفما كان من وراءها.

القضاء العادل أصبح في هذا الزمن ذز بعد استراتيجي بالنسبة لكل معارك التنمية. فخلق مناصب الشغل و تأمين الإستثمار و حماية القوى العاملة و تأطير العمليات المالية و غيرها لا يمكن أن تتم دون قضاء عالي الكفاءات و كثير الالتصاق بالواقع و بعيدا عن كل أنواع الضغوط. و لأن القضاء كان في مركز التوصيات التي أصدرتها هيئة الإنصاف والمصالحة، و لأن عاهل البلاد أكد في كثير من خطبه و توجيهاته على ضرورة إصلاح الحكامة في كل المجالات، فإنه من واجب كل الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين و الاقتصاديين و كل من أوكلت إليه مهام تدبير الشأن العام بما في ذلك القضاء أن يضعوا مشروع تأهيل و إصلاح القضاء في صلب جميع السياسات العمومية.

و تجب الإشارة إلى أن مجهودات كبيرة بذلت في مجالات تكوين القضاة و بناء المحاكم و الإهتمام بالوضعية الوظيفية للقاضي و ذلك مراعاة لتطور المشهد القضائي و توسع مجالات تدخله و زيادة عدد القضايا المطروحة أمامه. و بالرغم من كل هذا لا زال المواطن يطلب المزيد في مجال العدل. و لا زال يعبر عن معاناته أمام محاكم تسير،حسب تقييمه، ببطىء و لا تيسر للبسطاء حل مشاكلهم بالسرعة المطلوبة.

ولأن الإصلاح يتطلب بناء الإنسان و المؤسسات قبل الجدران، فقد اتجهت الدولة إلى تجويد التكوين بالمعهد العالي للقضاء و إلى وضع مشروع قانون تؤسس بموجبه مفتشية عامة تابعة للسلطة القضائية .

و سوف يوكل إلى هذه المؤسسة القيام بمهام الافتحاص و التدقيق و تقييم قيمة ممتلكات القضاة و أسرهم عندما تحدث أشياء مخلة بالقانون و توجب إلقاء الأضواء القانونية و الحقوقية على المخالفين لمبادىء المسؤوليات الملقاة على عاتقهم. مشروع القانون يدخل في إطار المشروع الكبير لإصلاح القضاء و يشكل لبنة مهمة في سبيل تصالح المواطن مع مؤسسات وطنه. و يرجع الفضل في تحضير هذا المشروع إلى السلطة القضائية المستقلة الدستورية بكل مكوناتها.

و سوف يتولى ممثلوا الأمة النظر في أهمية هذا المشروع و مدى استجابته لانتظارات المواطن و بالطبع سوف يخضع كل إجراء يتضمنه لقراءة سياسية و حتى سياسوية لن تنفصل عن واقع لا يفصل في كثير من الأحيان بين العلاقات التي لا تراعي مبادىء فصل السلطات. و لكل ما سبق يجب التروي و تغييب التقنيات القانونية لوضع منظومة رقابية حقيقية للجسم القضائي الذي يمكن أن يتضرر بفعل فاعل كباقي الأجسام المؤسساتية.

إن مشروع يهدف إلى خلق مؤسسة ذات دور رقابي يجب أن يهدف إلى تحصين الجسم القضائي ضد كل الفيروسات التي يمكن أن تضر بحصانته. و لذلك وجب تغيير أسلوب التعامل في مواجهة المشاكل الناتجة عن اقتراف القاضي لسلوك يفضي إلى الأضرار بحقوق المتقاضين. التخليق عبر مفتشية عامة كمؤسسة رقابية يجب أن يضمن سلالة في التعامل مع الشأن القضائي في حياته اليومية و أن لا يكون العنصر المؤدي إلى المساءلة هو المحدد لبرمجة تدخلات المفتشية العامة.

القراءة السريعة لمشروع قانون مراقبة أداء القضاة تبين أن الفضاء المتاح لعمل المفتشين القضاة ضيق جدا. فلا يمكن لمفتشية أن تعمل بحرية و عملها يحدد بموافقة أجهزة قضائية أكبر منها من ناحية التراتبية. التفتيش العام لا يقوم له مقام إلا بحرية البرمجة و التدبير. إذا اقتصر المشروع على تأطير عمل مفتشية و تحديد عملها في إطار ضيق، فلا خير ينتظر من هذاالمشروع.

إذا أردنا إصلاح القضاء و القضاء على على المنتفعين من الرشوة و مراكمي الثرواث بدون وجه حق، فإنه من الواجب التركيز على حماية المواطن. و لن يتأتى هذا إلا بإعطاء استقلالية حقيقية المفتشية العامة للسلطة القضائية في برمجة تدخلاتها و تمكينها من وضع برنامجها السنوي بناء على خريطة مخاطر و أساليب افتحاص علمية لكل أساليب الاغتناء غير المشروع و التعامل الخاص مع ممتلكات بعض القضاة. و لن تتمكن منظومتنا القضائية من ترسيخ قبولها المجتمعي و الديمقراطي دون رقابة داخلية محصنة و ذات جودة مهنية و أخلاقية.

لذلك وجب إتخاذ كل الإجراءات التي تضمن حياة حقيقية للمفتشية العامة للقضاء.

فلن تنال هذه المؤسسة مصداقيتها إذا لم تحصن نفسها من سطوة الأجهزة التي توجد، بحكم التراتبية في مرتبة أعلى. لن تحتل المفتشية العامة المزمع خلقها مكانتها إذا تم إخضاع برمجة تدخلاتها لموافقة الهياكل العليا للسلطة القضائية.

التفتيش و الافتحاص في مجال القضاء كبير جدا و يتطلب مهنية عالية و قليلا من الذكاء للتمييز بين من راكم الثروات و من رضي يرزق ساقه الله.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

حكامة الثقافة: المنحدر الخطير

وجهة نظر

بدائل السياحة المغربية في ظل الأزمة مع إسبانيا

وجهة نظر

ويستمر مسلسل الاعتداء.. بنكهة عنف ضد النساء

تابعنا على