نوابغ مغربية مجتمع

نوابغ مغربية: أحمد العبْدي الكانوني.. إسهامٌ نوعِي في خدمة التّاريخ المحلي

02 نوفمبر 2021 - 20:00

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 41: أحمد العبْدي الكانوني.. إسهامٌ نوعِي في خدمة التّاريخ المحلي

بسم الله الرحمن الرحيم

نوابغ مغربية

الفقيه والمؤرِّخ المجتهِد محمد بن أحمد العَبْدي، عَلَم بارز مِن أعلام الحركة الفكرية في المغرب العَلَوي، وأنموذج مرْجعي في التعلُّم الذّاتي والعصامية العلمية والتكوين، وخادِم وفِــيٌّ للتاريخ والذاكرة الجمعية والمحلية، عَبْر مُصنّفاتٍ بَزَّ فيها أجيالاً من المؤرّخين خِرّيجي المعاهد العلمية والجامعات المعاصِرة، وأتى فيها بما لا تَقوى على إنجازه اليوم فُرق بَحثية ومجموعات التفكير في حقْلٍ من الحقول المعرفية. 

وُلِدَ فَقيهنا سنة 1893 بقبيلة الجحوش، إحدى فخذات قبيلة أولاد زيد، الواقعة بالبحاترة شمال مدينة آسفي، العامرة وقْتها بالمساجد والكتاتيب القرآنية والعلماء والفقهاء، والمغرب حينها ينعم في استِقلاله الذي حصَّنه منذ قرون.

تَلقّى العَـبْدي الكانوني الفِقه رَضاعةً ووراثةً وتعلُّما من والِده وجدّه اللَّذانِ كان كلٌّ منهما فقيها، وتأثَّر بالجو الفقهي والتعليمي بمنطقتيْ عَبدة ودُكّالة الذي ساهمت فيه الكتاتيب القرآنية والزوايا الصّوفية والسّادة الـعلماء. 

كان التّرحال بين الحواضر المغربية مما أثْرى ذِهنية الفقيه العَبدي الكانوني وساهم في تكوينه العلمي، فَبَعْد مرحلة الأخذ بمسقط رأسه؛ ارتحلت به أمّه إلى مدينة سَلا، حيث أنهى في إحدى كتاتيبها حِفظ القرآن الكريم، ثمَّ انتقل مَعية أخواله إلى منطقة الشّْرَارْدَة حيث دَرس على يد فقيهَيْها الصدّيق العثماني والعربي التّويجري، وأُجيزَ على يديهما في الآجرومية وألفية ابن مالك والقراءات العَشر. وواصل تَعلُّم أصول الفقه والحديث وعلوم اللغة العربية. ثمَّ تولّى أمْرَه بَعد وفاة والده أثناء اعتقاله بالسِّجن؛ عَمُّه، فبعثَ به إلى فاس للدّراسة بجامع القَرويين العريق. وكانت تجربة الدّراسة في القرويين ماتعة ونافعة للطّالب الشغوف بالمعارف، وفي رحابها تتلمذ على أكابر العلماء، أمثال الشيخ محمد بن رشيد العِراقي والفقيه أحمد البلغيثي والعلّامة عبد الحي الكتاني الذي أجازَه في بعض العلوم الشرعية والأدبية، وعبد الرحمن النّتيفي الذي خَتَم على يديه صحيح الإمام البخاري وألفية ابن مالكٍ مرة أخرى، فيما أخَذ علم الحديث عن شيخه محمد بن أحمد بلحاج

وعَلى جارِي عادة خرِّيجي القرويين زمنئذٍ؛ قَفل الفقيه الكانوني عائداً إلى عَبْدَة، لمزاولة التدريس والتأليف، متّخِذاً مِن ضَريح سيدي كانون مُستَقَرّا له، فأتاه الطلبة والراغبون في العلم، حتى ذاع صِيته، وألَحّ عليه بعض وُجهاء آسفي وأعيانها للقُدوم إلى حاضرة الـمحيط، لتعليم الصِّبيان وإلقاء الخُطَب الدينية والوعظ والإرشاد. 

كان الـمَقام الجديد للفقيه العَبْدِي جَنْبَ مسجد وضريح الشيخ العالِم الجليل أبي محمد صالِح، ومِن هناك بَدأ في مزاولة التدريس، وأُسْنِدَت إليه وظيفة العدالة، فالإمامة، تقديراً لما عُرِف عنه من الأخلاق الحميدة والتَّمكن مِن العلوم العديدة. 

لم يَكن الانكباب على التّعليم والوعظ والتأليف سَببا لانعزال الحياة العامة، فالشيخ دَرس في فاس وهي يومئذٍ مهْد الوطنية المغربية، وساحة سِجال ثقافي وسياسي ساخن، وعاشَ سنين عددا في سلا، وهي عُدوة لا تَقِلُّ أهمية في الوظيفة التعبوية والدّينية والسياسية ضدّ الاستعمار؛ ولذا فَقد كان للفقيه الكانوني سهمٌ وأيُّ سهم في النّضال الوطني، وقد أكّد الباحث علال الركوك أنّ الفقيه محمد الكانوني كان عالما نشيطا منخرِطاً في صفوف كتلة العمل الوطني، حاملاً رسالة الوطنية المغربية، وكان ممن تَزعَّم موقف العلماء السلفيين من الظّهير البربري (16 ماي 1930)، ونادى برَفْضه، وتَزَعَّم حركة قراءة اللَّطيف في مساجد آسفي، عالِماً مُشارِكا في الصَّدع بحقَّ الشعب المغربي في العيش بحرية واستِقلالية، وداعيةً مُناهِضاً لمشروع الظهير البَـرْبَري وسياسات الإقامة العامة الفرنسية. 

موقفه الجَريء من سياسة الـمَيْز العنصري وتهديد وِحدة المغرب المذهبية والدينية؛ أدّى ثَـمَنه تَجْريداً من الوظيفة، وحِرماناً من إلقاء الدّروس والـخُطَـب بمساجد آسفي، ونَفْياً إلى مراكش. استَثْمَر نَفيه إيجابيا؛ فتقرَّب من الأوساط العلمية والفِقهية في حاضرة مراكش و”شَرع في إعطاء دُروس في جامِع الـمَواسين” انظر: “معلمة المغرب”، ص: 6730، ولارتباطه الحَميم بالمخطوطات والعلم؛ افتَتح مَحلاً لبيع الـكُتُب بالمدينة العتيقة لمراكش، مَورِداً للعيش وزاداً للتعلُّم والبحث، كما جَعل منه مُلْتَقىً للطلبة والعلماء، وفُرصة لمزيدٍ مِن العصامية في التّكوين العلمي. 

أثناء مقامهِ بمراكش؛ صادَقَ الشيخُ الكانوني العلامةَ المختار السوسي وكانت بينهما مناقشات وحوارات علمية وتاريخية وفقهية، و”لياليَ طِوال أسْهَرُها عندَه؛ مُطالَعةً ومُحادَثةً ومُباحثة” على حد تعبير السوسي في كتابه “ذِكريات”، كما جَـمَعَـتْهُ صِلاتٌ طَيّبة بالمؤرخ عبد السلام بن سودة وبالفقيه التّطواني. 

انتقل إلى الدّار البيضاء إثْرَ اندلاع أحداث بوفكْران ومكناس سنة 1937 واشتداد الصِّراع بين الوطنيين والاستعمار، مُواصِلاً معركة التشهير بالسلطات الفرنسية، والتأطير الدّيني للعامّة، والتدريس في بعض المدارس الحرّة، كالمدرسة الشّعبية الحرة بالدّار البيضاء، والانْكباب على الكتابة والتّأليف، وتَدشين مَكتبة لبَيْع الكتُب بِدرْب الأحباس، مُعيداً تجربةَ مراكش. 

إنَّ ارتباطَ الفقيه العبدي بالعلم والمعارف منذ صِباه، وعلاقاته العلمية التي أقامها مع نُخبة العلماء في مغرب الحماية، وحِرْصه الكبير على تعقُّبِ المخطوطات أينما كانت، وجمْع الوثائق والسجِلّات، وإجراء المقابَلات الشفهية مع سادات البُيوت الشريفة ورجالات العلم والتصوّف، وإقباله المكثَّفَ على التدوين، مع ما عُرِفَ عنه من سرعة الحِفظ وقوة الذاكرة والاستحضار؛ جَعله هذا كلّه يهتمُّ بالتاريخ، وسِيَر الرجال، والفقه، ويتعلَّق بأمجاد وَطنه وسِجِلّ رجالاته الناصع، عن علم ووعي. 

كان الشّيخ أحمد الكانوني أثناء تِرحاله، وحَلِّه، وفي أوقات عُكوفه وعَمله لا يفتأ يزداد عِصامية في طَلب العلم، وتحصيلِ المادة العلمية التي تُعِـينُه على تدبيج مُسوّدات مؤلَّفاته، واستِـفراغ الوُسع في البحث عن مصادر التّاريخ المحلي وذخائره في كلٍّ من فاس وسلا ومراكش والدار البيضاء، وفي مكتبات الزّوايا والرباطات بمنطقتي عَبدة ودكّالة، والإشراف الشّخصي دونما مُساعدة من تلاميذ أو كَتَبة؛ على جَمْعِ وتَرتيبِ وتحرير تاريخ حاضرة آسفي وعلائق المنطقة بالوطن والدولة. 

كان الشيخ يَؤوب كثيرا إلى التاريخ، إلى الماضي، فيستَلُّ منه ما يخدم الحاضر، إحياءً وتجديداً، حتى ليزعم الناظر في كُتبِه التي جعلها دائرة في حقل التاريخ أنه أمام مؤرِّخِ متمكِّن من حِرفته، وأدواته التاريخية، وذِي عزم لا يكلّ على تخليدِ ماضي وحاضر البلد وأقطابه في العلم والتصوف والسياسة وتاريخِ المنطقة التي يَنتمي إليها العَبْدي، والتعريف بماضيها الـحَفيل. 

إنّ الجهد العلمي التأريخي الذي بَذله الرجل لصيانة ذاكِرة حاضرة آسفي وخِدمة تاريخها وتعريف الأجيال بتراجِم رِجالاتها؛ يُعدُّ مُساهمة مبكِّرة في صِنف (الحوليات)، ركّزت على الميكرو-تاريخ، فقدّمت خِدمة توثيقية جليلة للقراء والباحثين.

ففي كتابه الماتِع “آسفي وما إليه قديما وحديثا” الذي عرَّفنا به الأستاذ البحّاثة المدقِّق عبد السلام بن سُودة في الفصل الأول من كتابه المرجعي “دليل مؤرِّخ المغرب الأقصى” في أوّل القائمة حينَ جَرْدِه للمصادر ذات الصِّلة بــكُتُب المدن والبِقاع، واصِفا مؤلِّفَه الفقيه الكانوني بــ”صديقنا النابغة البحّاثة أبي عبد الله محمد بن أحمد الكانوني العبدي”، واعتَبَر كِتابه هذا مقدِّمة للكتاب الشهير “جواهر الكمال في تراجِم الرجال”، طُبِع لأوّل مرة في جمهورية مصر العربية سنة 1935؛ نجد أنفسنا أمام صُورة بانورامية تاريخية لآسفي كأنها تراها من عهد الفتح الإسلامي إلى مطالع استقلال المغرب، يقدِّمها المؤرخ العَبدي مسنوداً في ذلكَ إلى ما تُمليه عليه وطنيته ووفاءه للأسلاف، وتعلُّقه بأرضه ومسقط رأسه، فيكتب معبِّراً عن ذلك بقوله “وحيث كانت آسفي وما إليها هي بلادي وموضع طارِفي وتالِدي (..) جَمَعتُ ما عَثرتُ عليه من تاريخها ونَسَّقتُ ما وقفتُ عليه من دُرَر آثارها، قياماً بذلك الواجِب الأقدس، وأداء لبعض الحقّ الـمفتَرَض، شاكراً مساعي السّادات الأجِلّاء الذين آزَروني في العمل، ومَدّوا لي يد المساعدة بكلٍّ ما لديهم مِن مَعونة”، فجَعلَ هذا الـجُهدَ الحَفْرِيَّ والتأريخيَّ يَـخدُم المعرفة التاريخية، ويُقدِّم للقراء جِيلا تِلوَ جيلٍ تاريخَ آسفي التّأسيسي وأطوارِه قَبل الإسلام وبَعده، وأسوار آسفي ومَحارِسها ومساجِدها، ورباطاتها ومستشفياتها، وآثارها الخيرية وبناءاتها القديمة، وبيوتات أهْلِها كــ(بيت الشرفاء الوزانيين، بيت أولاد الغماز، بيت التّزنيـتيين، بين محمد أبي صالح الماجري، بيت أولاد بن عزوز، بيت أولاد دْبيلة، بيت أولاد بن جلول، بيت القَـلعيين، بيت أولاد بن عاشور، بيت أولاد أخزام، بيت رجراجة ..)، وأحوالِهم العِلمية، والـمدارِس والمكاتِب والخزانات العامة ومنها (خزانة الجامع الأعظم التي تعود للعهد السَّعدي، وخزانة الزاوية الدرقاوية، وخزانة الزاوية التيجانية..) ، والحالة الاقتصادية والأخلاقية. فضْلا عن التاريخ السياسي لآسفي وما ارتبط به من أحداث وحوادث، وذِكْرٍ لتاريخ رجال آسفي من أهْل العلم والصلاح والسّياسة، فأتى على إيراد ما يُناهِز 700 ترجمة، وهو وحده عمل ضخم جدير بالتّقدير. 

عِشقُ التّـاريخِ سيتطوَّر في كتابات الفقيه الكانوني وسيزدادُ غَوْصا في تضاعيف أحداث وقضايا مجتمعية وسياسية ودينية شَكّلت لَبِنَاتٍ مَتينةٍ في جِدار الكتابة التاريخية الـمختصَّة في الشأن المحلي، أو الحوليات المحلية، وهو الجهد الذي إذا أُضيفَ لكتابات المؤرخ عبد الرّحمن بن زيدان والعلّامة محمد بن عبد الله بن الـمؤَقِّت والإمام محمد الـحُـضَيْكِي والعلّامة عبد الحق البادسي والقاضي المؤرّخ عباس بن إبراهيم السملالي المراكشي والعلّامة المختار السّوسي والأديب عبد الله كنّون والفقيه عبد الكبير بن المجذوب الفاسي والمؤرِّخ محمد داود التّطواني وشيخ الإسلام محمد بن جعفر الكتاني ثمّ علال الفاسي؛ فإنّه بلا شكٍّ يُشكِّل مدرسة مغربية في التعريف بالتاريخ المحلي والـحَفر في الأعراف والثقافات والتعليم والتكوين التاريخي للمجتمعات المحلية. 

وبمطالَعةِ بعض كُـتُـبِه التي تتالت في سِنِيِّ عمره القصير؛ سنجد الفقيه الكانوي يتخصَّص أكَثر في تراجِم الرّجال بمنطقة آسفي، وفي دِراسة كل ما له صِلة بالتاريخ المحلي لمنطقته، أساساً في كتابه: 

* “الجواهر الصّفية لتاريخ الديار الأسفية”،  ضِمْن الجزء الثالث من كتاب “آسفي وما إليه قديماً وحديثاً”؛

* وفي كتابه الآخَر “علائق آسفي ومنطقتها بملوك المغرب”، الذي قامت بتحقيقه جمعية البحث والتوثيق ونَشْرِه سنة 2004، وبتظافر جُهود أعضاء جمعية حوض آسفي، وقدَّم له العلّامة المحقِّق الراحل محمد بن شريفة (1932-2018)، وعَدَّه مِن مصادر التاريخ التي لا غِنى عنها للباحثين والمهتمّين لمعرفة التاريخ المحلي لحاضرة آسفي ودَورها في توجيه الأحداث الكبرى التي شهِدها المغرب الأقصى منذ الفتح الإسلامي إلى لحظة عودة السلطان محمد الخامس؛

* و”جَواهِر الكَمال في تَراجم الرِّجال”، وهي مُساهمات نَفِيسة في التّاريخ الديني والاجتماعي والسياسي للمغرب، تُبيِّن مِقدار حِرص علمائنا الأسلاف على تدوين تاريخ البلاد وأطوارها وتقلُّباتها وأنماط حياة القبائل ومناحِي التجارة والاقتصاد والعُمران، ومَن عاشَ فيها من الرجال والمجاهدين والفقهاء والعلماء والأولياء، وما كانت عليه عادات أهل كل منطقة، ومآثِر السلاطين وما إليها من المواضيع، التي أضحت اليوم تمثِّل لنا صُورة واضحة عن المغرب الذي كان ولم نَعِشه.

تُوضِّح هذه الجهود التأليفية مدى سَعة اطّلاع كاتِبها، وانفتاحه على أمّهات المصادر العربية والمغربية لتاريخ المغرب، وتنويع مادّة استيقاء المعلومة وبناء الأحداث، ففي حقل التاريخ وحده نجد العلّامة الكانوني يَستَقي مُعطياته التاريخية مِن مصادرِ ثمينة وقيِّمة كــ“البيان الـمُعْرب في أخبار الأندلس والمغرب”، لابن عذارى المراكشي، و“كِتاب العِبَر وديوان الـمُبتدأ والخبر في أيام العَرب والعجم والبَربر ومَن عاصرهم من ذَوي السّلطان الأكبر”، لعبد الرحمن بن خلدون، و”نُزهة الأنظار في علم التاريخ والأخبار”، للورتيلاني، و”جذوة الاقتباس في ذِكْر مَن حَلَّ مِن الأعلام بمدينة فاس”، لابن القاضي، و”وَصْف إفريقيا” للحسن الوزان الذي يَعتمده في كتابِه “علائق آسفي ومنطقتها بملوك المغرب”، من الصفحة 66 فما بَعدها، و”التشوف إلى رجال التصوف” لابن الزيات، و”الاستقصا لأخبار دُول المغرب الأقصى” لأبي العبّاس أحمد النّاصري، و”جَمهرة التِّيجان في أشياخ مولانا سليمان” لأبي القاسم الزياني، الذي يَعتمِده في الفصل ما قبل الأخير من كتابه “علائق آسفي..” الذي عَنونه بــ”نظرة عامة على الأوضاع بالمغرب”، وغيرها من المصنّفات بِنَصّها المخطوط وما يعنيه ذلكَ من صُعوبة ومُعاناةٍ في القراءة والتحقق من النصوص والأقوال والتواريخ.

إنّ هذه السيرة الفِكرية المتميّزة والجهود العلمية العامِرة لرجلٍ عاصَر كِبار علماء المغرب ونوابِغه، فارتَقى إلى مصافّهم، وسار على دَرْبهم، وأفاد البلاد والعباد؛ تجعلُنا نقِفُ متواضعين _ ومفتخِرينٍ في آنٍ _، أمام شخصياتٍ في رائدٍ، فهو القارئ والباحث والمحقّق والكاتب وجامِع الكنانيش والوثائق والساعي بين ربوع آسفي بحْثاً عن الشّهادات لتوثيق الأخبار والمعطيات مِن الرِّواية الشَّـفهية، والـمُورِدُ للمعلومات والأحداث بأمانة وموضوعية ووفاءٍ للنص المصدري الأصلي، والـموظِّف للفقه وأصوله في الكتابة التاريخية، والواصِل أيامه بأخواتها لإنجازِ مهمّة صيانة الذاكرة التاريخية المحلية وخِدمة التواريخ الصغيرة والكبيرة لحاضرة آسفي ونواحيها، لَيستحِقُّ واسع الاهتمام من باحثينا مؤرِّخينا، ووافِر التّقدير على جهوده وإسهاماته القيّمة. 

وافتِ المنية مؤرِّخنا يوم  16 رمضان 1938 بمدينة الدّار البيضاء، وشُيِّع في جنازةٍ مهيبة، ونُعِيَ من قِبَل طيفٍ واسع من السادة العلماء والفقهاء الذي عَرفوا للرجل مكانته ودَرسوا ما جاء في مُؤلَّفاته.

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مجتمع

استنفار أمني بأزرو لإيقاف سيدة تحمل بندقية صيد وتتجول بشوارع المدينة

جواز التلقيح مجتمع

تمكين غير ملقحين من “جواز التلقيح” بالتزوير يقود لاعتقال ممرضة بوجدة

مجتمع

تكلفت الوزارة بعلاجه.. التلميذ المصاب بالشلل بعد تلقيحه يغادر المستشفى (فيديو)

تابعنا على