منتدى القراء

محكي قصير: كم عقدنا هذه الحياة!

08 نوفمبر 2021 - 09:31

صافحت السماء أديم الأرض برذاذ عذب لأسبوع بالكامل. كان العم “الجيلالي” قبل أيام ينتظرها بفارغ الصبر. كان سؤاله الموجه إلي كل مرة أصادفه في تلك الأيام قبل الرذاذ العميم:
“ما ينان ݣ حالة الطيقس أمحمد”. “ماذا قالوا في حالة الطقس”.

كنت أجيبه: الأمر أمر الله، ولا علم لنا بما سيأتي، ولكن قالوا أنها قادمة بإذن الله، تلك الأمطار التي ننتظرها معا بفارغ الصبر لأنها بلسم الروح وشفاء من البغض وسواد القلوب، قبل أن تكون ارتواء لأجواف الأرض العطشى.
رأيت العم الجيلالي بعد يومين من جمع السماء لخياشيمها مؤذنة بطلوع الشمس صافية هذه المرة في السماء، وكانت رائحة التراب الزكية تنسم الأنوف بلطف، رأيته قد أخرج محراثه من تحت كومة تراب مختلط ببقايا روث الأبقار، كان يمرر يديه الكريمتين على تفاصيل المحراث ويزيل من فوقه الشوائب التي علقت به جراء استراحة طويلة. أخذ السكة الحديدية التي أحالها في آخر سوق أسبوعي على الحداد الذي قوم اعوجاجها وركبها في الحامل الخشبي الأساس في المحراث، قبل أن يزيلها ويحك رأس الحامل مجددا بمبرد حتى تصل السكة المذى المطلوب للإبحار في تفاصيل الأرض في أول يوم زراعي.

بردع العم الجيلالي البغلة البيضاء ووضع السماط فوقها موضبا فيه الأغراض التي سيحتاجها في عملية الحرث بما في ذلك المحراث المفكك، ثم امتطاها وجر وراءه الفرس الصهباء وانطلق إلى قطعته الثمينة “تاغزوت”. بسمل وحمدل ربه على نعمه قبل أن يركب المحراث على الزوجي، ثم قسم القطعة إلى قطع صغيرة يسهل معها تحديد المساحة التي سينثر عليها الحبوب المنتقاة بعناية. كان وهو ينثر الحب يدندن:

وانحمداست إربي ذاينشكراست إمولانا / حمدنا الله وشكرنا ربنا.

إغيثاخد أوشاخ أنزار نومن إيسك أمولانا / أغاثنا بالمطر آمنا بربنا.

انتصف النهار، وصادف ذلك آذان صلاة الظهر فأوقف العم الجيلالي زوجيَّه المثالي، ووضع شعيرا في علافتين ثم علقهما للبهيمتين، وقصد الشعبة المحادية لحقله فتوضأ وأقام صلاته. وقبل أن يسلم كانت الخالة “إيطو علا” قد وصلت إلى عين المكان ومعها غَذاء زوجها المكافح، رتبت مساحة أرضية، ثم أخرجت من القفة إبريق الشاي المنعنع وثلاثة كؤوس وقارورة زيت بلدية وثلاث بيضات بلدية. أثنى عليها العم الجيلالي وشرعت في سكب الشاي له، قبل أن يبادر:

إيطو نو شار أكيذي / إيطو شاركيني
مد يده إلى الإبريق فملأ الكأس وسلمه لها… كانت قد علت وجهها ابتسامة عريضة أشبه برائحة التراب الزكية.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

منتدى القراء

بومالن دادس وجهة سياحية متميزة

منتدى القراء

قناة العيون.. نافذة المغاربة على المسار التنموي في الصحراء المغربية

منتدى القراء

التمثلات الاجتماعية للفلسفة كمادة تدريسية

تابعنا على