وجهة نظر

تحجيم الفعل السياسي

20 نوفمبر 2021 - 12:47

من خلال متابعة ورصد الممارسات التي يُفترض أنها تندرج في خانة العمل السياسي بالمغرب تبرز بعض المؤشرات التي تفيد أن هناك تراجعا بينا ومتواصلا في السياسة ولا يرجع هذا الأمر فقط لتطور عفوي أو عادي تفرضه أسباب موضوعية، وإنما هناك محاصرة نابعة من إرادة، ذات جذور بعيدة الأمد، تساهم في تحجيم الفعل السياسي وتدفع في اتجاه تغييب السياسة بالنسبة للعموم وتركيز احتكار الفعل السياسي في جانب محدد.

وقد يقول قائل أن ما يجري في بلادنا لا يختلف كثيرا عما يحدث في دول الغرب، وإذا كان هذا صحيحا إلى حد ما في جانبه الظاهر، فإنه لا يستقيم في كنهه وفي سياقه العام؛ لأنه في دول الغرب يأتي التراجع النسبي للسياسة بعد عشرات أو مئات السنوات من الممارسة الديمقراطية التي تضمن حق المشاركة السياسية بمختلف أبعادها ونتائجها، في حين أننا في المغرب، على غرار الكثير من بلدان العالم الثالث، رغم توفر عدد من الآليات الشكلية للبناء الديمقراطي ما زال هناك تعثر في طريق الانتقال إلى الديمقراطية في مضمونها وجوهرها.

ولعل محاصرة الفعل السياسي المستقل والاجتهادات الحزبية الحرة من ضرورات إيجاد حكومات “سياسية” من الناحية الشكلية، أي أنها تتكون من أحزاب ذات أغلبية برلمانية، غير أنه ليس مطلوبا منها أن تحكم وإنما أن تنفذ البرامج والمخططات التي توضع خارج نطاق التمثيلية الانتخابة، مما يبرر الحضور القوي لما يمكن تسميته مجازا بالتكنوقراط.

ويمكن القول بأن ما جرى في انتخبات 8 شتنبر 2021 وما تم الإعلان عنه كنتائج لهذه الانتخابات يرسخ توجه اللا تسييس حيث “تبوأت” الصدارة هيئتان وإن اختلفت المرحلة التاريخية لإحداث كل منهما فإن سياق هذا الإحداث هو نفسه ويمثل الاستمرار في خلق “قوى” مجردة من أي فعل سياسي مستقل ولو كانت مدثرة في شكلها بألوان سياسية تبرر الأدوار المسندة إليها.

وظاهرة استوزار بعض الشخصيات بعد صباغتهم بألوان أحزاب لا علاقة لهم بها ولم يعرف عنهم أي نشاط سياسي من قبل يعد تبخيسا للعمل السياسي واستهانة بالأطر السياسية داخل الأحزاب، ولم يعد هذا النوع من التدخل يقتصر على الأحزاب التي توصف بأنها إدارية وإنما أصبح يشمل أيضا أحزابا نابعة من المجتمع ولها تاريخ سياسي طويل وتراث نضالي زاخر.

وتسمية بعض الوزراء باسم أحزاب لم يُعرف لهم، لدى الرأي العام، أي نشاط سياسي لا داخل تلك الأحزاب ولا خارجها، هي ظاهرة غير أخلاقية لأنها تخول للبعض احتلال مواقع غير مستحقة سياسيا وأخلاقيا، وما يترتب عن ذلك من اختلال داخلي للأحزاب المعنية وإحباط لأطرها ومساس بمصداقيتها في مواجهة الرأي العام.

ومن نتائج توجه اللا تسييس وانهيار البعد الأخلاقي في المجال السياسي انتشار النزعات الانتهازية والوصولية والولاء للجهات النافذة بدل القيم والمبادئ ومحاصرة المواقف والاجتهادات ذات البعد السياسي المستقل وشيطنة التوجهات المخالفة لما هو سائد مما يؤدي إلى إفقار الحياة السياسية وإدخالها في دوامة الرتابة المنفرة.

وكل دعوة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي تبقى دون جدوى في غياب ديمقراطية حقيقية تضمن الحق في الاختلاف عما هو سائد وتتيح تنوع الاجتهادات واستقلالية القرارات الحزبية، وتصبح الانتخابات الدورية أداة لتداول سلطة الحكم وليس مجرد التناوب على كراسي حكومات ينحصر دورها في التنفيذ.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

التوافقات الدولية وحقوق الإنسان.. اتفاقية تطبيع العلاقات المغربية “الإسرائيلية” كنموذج

وجهة نظر

هل سيعود الإتحاد الإشتراكي إلى القوات الشعبية !

وجهة نظر

جذاذة عن الخطاب الديني بالمغرب في السياق الجديد: تجليات وترشيد وتجديد

تابعنا على